المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تطور النظرة الإستراتيجية الإسبانية إلى المغرب


الفارس الملثم
08-03-2009, 04:23 PM
تطور النظرة الإستراتيجية الإسبانية إلى المغرب



الدكتور الحسين بوزينب

كلية الآداب - الرباط



تأسست النظرة الاستراتيجبة في إسبانيا المسيحية إلى المغرب في وقت مبكر، وذلك قبل أن تكتمل سيطرة المسيحيين على كل أراضي الجزيرة الأندلسية. ففي سنة 1260 م، أرادت جيوش الملك القشتالي ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم إقامة قواعد عسكرية على الشواطئ المغربية، فاستغلت طلب يعقوب بن عبد الله (وهو أمير من بني مرين استطاع أن يستولي على سلا والرباط) المساعدة العسكرية وسيطرت على مصب أبي رقراق واحتلت مدينة سلا مدة ثلاثة عشر يوماً فعاثت فيها دماراً وخراباً قبل أن يخرجها منها السلطان المريني أبو يوسف يعقوب ويقتفي أثر الغزاة براً وبحراً([1]).

و بعد هذا الحدث الأول العابر، سننتظر قرابة قرنين من الزمن (الربع الأخير من القرن الخامس عشر الميلادي) لنجد من جديد تخطيط الإسبان لإقامة قاعدة على الشواطئ المغربية، حيث تركز اهتمامهم في الشواطئ المقابلة للجزر الخالدات، وذلك لأهداف تجارية بالأساس. فلهذا الغرض ولضمان حماية غزاتهم للأراضي المغربية لسبي الأسرى (وقد بدأوا هذه الممارسات منذ أن احتلوا الجزر المذكورة)، فكروا في إقامة قلعة متقدمة على الأراضي المغربية للغرض المذكور. ففي سنة 1478، أمر Diego de Herrera([2]) ببناء قلعة في المكان الذي رآه مناسباً لذلك، وهو- حسب فرانثيسكو غرثيا طلابيرا- خليج مرسى Cansado الذي يبعد بنحو 45 كلم الى الشمال الشرقي من رأس جوبي. لن ندخل في المناقشة حول صواب موقع القلعة المفترض أو عدم صوابه، لأن الجدل حول المسألة ما زال مستمراً الى يومنا هذا ولم يحسم بعد.

وفي سنة 1479، عقدت اتفاقية Alcaçovas بين قشتالة والبرتغال لحسم الحرب الدائرة بينهما بسبب غياب الاتفاق على مسألة الخلافة في الحكم، وكذلك لتجديد السلم الدائم الذي وقع سنة 1432 في ألميريم [Almerim]، الذي يتخلى القشتاليون بموجبه عن أي احتلال في مملكة فاس وعن أي تدخل في الشواطئ الممتدة من رأس بوجدور نحو غينيا في الجنوب، بحيث يقتصر وجودها على الجزر الخالدات وعلى القسم الساحليّ الممتد نحو حدودها. بعد توقيع هذه المعاهدة، حاول الملكان الكاثوليكيان نقض الاتفاق الذي وقعاه، خصوصاً ما يرجع إلى البنود الصعبة منه. لذلك احتفظا لنفسهما بمسألة احتلال مليلية، التي احتلت سنة 1497.

وفي خضم الصراع القائم بين الإسبان والبرتغال من أجل ضم أراضي الدنيا القديمة والجديدة، خصصت هاتان القوتان للمغرب حيزاً مهمّاً في انشغالاتهما الاستراتيجية، بحيث كان محوراً أساسيّاً في التقسيم الذي وضعته معاهدة طوردسيياس [Tordesillas] (1494) بعد تدخل البابا ألكسندر السادس لحسم الخلاف بين الدولتين بخصوص الأراضي التي كانت تكتشف في العالم الجديد. زيادة على موضوع الصراع المذكور، وقع المتصارعان، في نفس اليوم الذي تم فيه حسم الصراع على العالم الجديد، معاهدة ثانية تسمى بالمعاهدة الأفريقية، تقتسم فيها الدولتان مملكة فاس في إطار مخطط احتلال مستقبلي لهذه المملكة، كما تنظم حقوق الصيد والملاحة في الشواطئ الأطلسية الأفريقية، بحيث ضمن القشتاليون أراضي مليلية وغساسة والإبحار من أجل الصيد إلى رأس بوجدور.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المعاهدات التي رسمت مناطق النفوذ والملاحة والصيد البحري بين القشتاليين والبرتغاليين في الأراضي المغربية، وزعت هذه الأراضي بين موقعيها في إطار هواجس مختلفة بين الطرفين. فإذا كان للبرتغاليين طموح توسعي للسيطرة على الأراضي الأفريقية والأمريكية، فقد كان للقشتاليين رغبة في التوسع كذلك - ولكن على حساب النفوذ الإسلامي - ونشر المسيحية وهو ما كان يميز سياسة المملكة الكاثوليكية الإسبانية في أوروبا.

إن معاهدة طوردسيياس- لأسباب إستراتيجية تفاوضية في رأينا- لا تقيم علاقة واضحة بين مختلف الأجزاء المرتبطة بمملكة فاس في الشمال وفي الجنوب، وتعبر عمَّا يخامرها من شكوك حول خضوع بعض الأجزاء المتنافس عليها بين البرتغاليين والقشتاليين في الشمال وفي الجنوب، عندما تعلل وتقول:



و هكذا تخامر الشكوك هؤلاء السادة المؤسسين (المفوضين) حول حدود مملكة فاس (...)، إذ لو انتظرنا تحديد كل ما سلف ذكره عن طريق العدالة، كما قيل، لطال الوقت (للإدلاء بـ) الحجج ولأمور أخرى ضرورية لذلك، وهو أمر قد يكون غير مناسب لمصالح السيد ملك البرتغال، الذي يرى من الضروري أن لا يذهب شخص ولا سفينة للصيد في تلك البحار الممتدة من رأس بوجدور في الأسفل إلى وادي الذهب، ما لم يكن من رعاياه أو من الأهالي، وذلك نظراً للضرر الذي يمكن أن يلحق بسفنه المبحرة نحو مينا وغينيا. وقس على ذلك ما يرجع إلى السيدين ملكي قشتالة وأراغون، إلخ، بخصوص فتح (أراضي) ما وراء (البحار)، حيث يحتاجون إلى محاولة ضم مدينتي مليلية وغساسة اللتين يشك في انتمائهما لمملكة فاس...([3]).



وعلى الرغم من عدم الربط الصريح في المعاهدة بين الجزءين الشمالي والجنوبي لمملكة فاس، وحتى الشك في انتماء مليلية وغساسة لهذه المملكة، لأسباب تفاوضية لا ريب فيها، فإن كل هذه الأراضي كان يعدها الإسبان والبرتغال ضمن أراضي المغرب (Berberيa) كما ستوضح معاهدة أخرى بين الإسبان والبرتغال حول نفس موضوع تقاسم الأراضي المغربية. ففي 18 شتنبر من سنة 1509، وقع الطرفان في مدينة سينترا البرتغالية «اتفاقية بين قشتالة والبرتغال حول إمكان الإبحار عبر أفريقيا» ([4]). وفي هذا الصدد، تقول هذه الاتفاقية:



...خصوصاً باعتبار الأضرار وعمليات أسر الناس التي كانت تتعرض لها شواطئ تلك الممالك (القشتالية)، فإن الممالك القشتالية ترى من المناسب والمفيد لها أن يكون في يدها حراسة وضمان موقع بادس المذكور، حيث تعتبر أن شواطئ المغرب (Berberيa) الممتدة من تلك الجهة حتى غينيا، التي تتطلع الممالك القشتالية إلى اكتساب بعض الحقوق فيها الى رأس بوجدور ونون، سيكون مفيداً جدّاً للسيد ملك البرتغال المذكور ولممالكه، بالنظر إلى مصالحه في مناطق سيادته الغينية وفي مدينة أسفي والقلاع الأخرى التي يملكها في تلك الربوع...([5]).

وفي مكان آخر، نجد الوثيقة تربط عفويّاً بين مملكة فاس ورأس بوجدور عندما تتكلم عن رسم حدود مملكة فاس الذي كان قد تم الاتفاق على إقامته في الماضي:



ما أنجز (...) حول حدود وتخوم مملكة فاس وحول أشياء أخرى ضمنتها (الاتفاقيات) وبقيت معلقة، وتخص الناحية الغربية التي من المفروض أن يعبُرها خط حدود مملكة فاس، حيث كان من المنتظر القيام بأبحاث في الموضوع، كما تنص الاتفاقيات على ذلك. وهذا راجع لعدم اليقين بأن ما بين رأس بوجدور ونون، وهو في حوزة ملك البرتغال المذكور، سيتخلى عنه للسيد ملك البرتغال كل من السيدة ملكة قشتالة وأبوها السيد الملك دون فيرناندو...([6]).



ولدينا نص آخر مؤرخ في 1576 يشير صراحةً إلى وضعية تلك الأراضي التي سبق للإيبريين أن تطلعوا إلى امتلاكها. وهو رسالة([7]) بعثها الملك الإسباني فيليب الثاني في 11 نونبر من السنة المذكورة إلى كونت لنثروتي بالجزر الخالدات، يؤكد له فيها:



...أننا أمرنا بمنع القيام بغزوات على بلاد المغرب (Berberيa)، أرض الشريف، ولكن يمكن القيام بذلك بمخاطرة أقل خارج (تلك)([8]) الأراضي والمراسي بعد اجتياز رأس بوجدور حيث يوجد كثير من المسلمين. وهؤلاء الناس غير مسلحين ولا يملكون غير الأقواس والنبال ويعيشون خارج القرى في البوادي. والأماكن الآهلة (بهم) توجد على بعد أكثر من مائة ميل من الشاطئ...



هكذا نجد أن إسبانيا قد أسست نظرتها الاستراتيجية إلى الأراضي المغربية على إقامة قواعد متقدمة في سواحلنا المتوسطية والأطلسية للتصدي لهجمات القراصنة والمجاهدين ولمواجهة الخطر العثماني على سواحلها الأندلسية بالخصوص، ثم من أجل حماية الجزر الخالدات والسفن المبحرة من العالم الجديد وإليه. ولكن هذه النظرة ستتغير مع مرور الأيام، عندما بدأ الخطر العثماني يهدد كلاًّ من المغرب وإسبانيا، لتتحول من التفكير في احتلال قواعد لأغراض توسعية إلى احتلال تلك القواعد من أجل الدفاع المشترك. فإذا كانت مسألة احتلال بادس ومليلية قد حدثت داخل الإطار الذي أشرنا إليه سابقاً، فإن تنامي الخطر التركي غير العقلية التي كان يفهم بها الإسبان احتلالهم للقواعد البحرية المغربية. فالملك الإسباني فيليب الثاني (1560-1598) الذي كان يرى في المغرب حليفاً استراتيجياً، تطلع بشغف كبير إلى احتلال مرسى العرائش الذي كان يعتبره يساوي أفريقيا بأكملها. وقد جعله طموحه هذا يفاتح السلطان المغربي أحمد المنصور (1578-1603) في الموضوع في إطار الدفاع المشترك ضد العدو المشترك، وليس في إطار الاحتلال لنشر الدين المسيحي أو لغرض آخر غيره. وكان فليب الثاني يحاول إقناع المنصور بشتى الوسائل من أجل تسليمه هذه القاعدة للغرض المذكور، وكان الأسلوب الحضاري في المراسلات بين الطرفين حول هذا الموضوع هو السمة البارزة. لنتذكر في هذا الصدد الموقف المعارض الذي اتخذه فيليب الثاني من الحملة التي كان يتهيأ لها ابن أخته الملك سبستيان على المغرب، والتي انهزم فيها لما أقدم عليها في وادي المخازن. فقبل ذلك، كان فيليب الثاني قد حاول إقناع الملك البرتغالي بالتراجع عن ركوب المغامرة المغربية ولكن بلا جدوى. كما أن هذا الملك الإسباني، وهو من أعظم الملوك الذين عرفهم هذا البلد الإيبيري، كان يحترم السيادة المغربية على الصحراء، بحيث أصدر أوامره لكونت جزيرة لنثروتي - كما رأينا سابقاً - كي لا يقوم بالهجمات على بوجدور وعلى الأراضي الموجودة شمالها، لأنها أرض الشريف، كما كان يسمى السلطان السعدي([9]).

من الملاحظ، عبر تاريخنا المشترك مع إسبانيا، أن العظماء من رجال الدولة والسياسة كانوا يحاولون الحفاظ على الروابط والمصالح المشتركة بيننا؛ وكانت المآسي تأتي من ضعاف الشخصية ومن المغلوب على أمرهم والجاهلين لمصالح البلدين المشتركة. ففي هذا الصدد، نرى أن احتلال صخرة النكور أو الحسيمة سنة 1673 حدث على يد قائد لم يقم حتى باستشارة الملكة الوصية على عرش إسبانيا التي كانت تعيش أوضاعاً سياسية شديدة التدهور، بينما كان المغرب يعيش مرحلة تحول من الدولة السعدية إلى الدولة العلوية بكل ما طبع ذلك التحول من معضلات استتباب الأمن والاستقرار. وقد أتى هذا الاحتلال الجديد لقطع الطريق أمام الفرنسيين الذين كانوا يحاولون بدورهم التوغل في المغرب عبر إقامة قواعد على الشاطئ المغربي، ولو كانت في البداية على شكل محطات تجارية، كما هو حال المشروع الفرنسي الذي تم إجهاضه في الحسيمة.

و قد سبق احتلال هذه الجزيرة مناقشة داخل مجلس العرش الإسباني سنة 1667 بيَّن فيها دوق مدينة سيلي (Duque de Medinaceli)، الذي كانت إسبانيا قد كلَّفته آنذاك بهذه المناطق البحرية، عدم الجدوى من احتلال هذه الجزيرة، نظراً للحالة التي كانت تعيشها إسبانيا وللصعوبات المالية التي كان عليها أن تواجهها بسبب المصاريف الباهظة التي كانت تتطلبها القواعد الأخرى التي احتلتها إسبانيا في المغرب وفي غيره من الأماكن. وتقول رسالة الدوق إلى الملكة، وهي مؤرخة في 9 شتنبر من سنة 1667:



سيدتي! إن مفاتيح إسبانيا هي جبل طارق وقادس. وهاتان النقطتان على وشك إغلاقهما بفضل سورهما الأولي. إننا لا نفهم من هو هذا الشخص الذي يقْدم وينصح جلالتكم بصرف اعتمادات المملكة لأغراض أخرى، قبل صرفها في أمن هاتين القاعدتين ([10]).



يجدر الذكر هنا أن إسبانيا كانت قد احتلت جزيرة بادس سنة 1508 ولم تهتم بالحسيمة إلا بعد 165 سنة. وقد برز احتلال جزيرة بادس المبكر لقربها من الأرض، مما كان يسهل التزود بالماء، ثم خصوصا لقربها من غابات الأرز بكتامة، بحيث كان الإسبانيون يقدِّرون كثيراً هذا الخشب لمميزاته الكثيرة في صنع السفن الخفيفة السريعة.

إن الحسابات التي كانت تقيمها إسبانيا قبل احتلال القواعد المغربية الشاطئية لم تكن صائبة ومفيدة دائماً لمصالحها. فمن جهة، نراها تندفع اندفاعاً شديداً لاحتلال بعض الأماكن كالعرائش مثلاً (1610)، ثم تصطدم بالواقع المر وبعدم حل المشاكل التي راهنت عليها، ويتبين لها أن مخططاتها لا تتماشى مع المواجهة اليومية وقلة جدوى ما تم احتلاله، بحيث كان جنودها يعانون الأمرين من المقاومة المغربية وتأخر الإمدادات والمؤن شهوراً وشهوراً ومن عدم حل مشكل القرصنة الذي بسببه وقع الاحتلال.

ومن ناحية أخرى، نجدهم في البداية يجهلون القيمة الاستراتيجية لقواعد مغربية أخرى عرضت عليهم لاحتلالها ابتداء من سنة 1614، كمرسى أبي رقراق مثلاً. وبعد ذلك، يتبين لهم مع مرور الأيام أنهم لو أقدموا على احتلالها، لتفادوا مآسي كثيرة أتت لهم منها. ولكن فهمهم لهذا يتم بعد استحالة الحصول على المكان المعني.

إن البطء في فهم بعض الأمور والتشبث بأشياء خارج زمانها خلق للسياسيين الإسبان متاعب كثيرة وجعلهم محط انتقاد وسخرية الأوربيين الذين عرفوا كيف يتخلصون في الوقت المناسب من الأمور التي تنتهي صلاحيتها. ولم يعرف الإسبان كيف يتصرفون في أمور الاستعمار والسيادة الخ. وتابعوا الرقص - ويا للأسف!- على نغمات ولَّى عهدُها. وسنجد من نبه جيراننا إلى هذه الحقيقة في وقت مبكر، ولكن ذلك البطء في الفهم جعلهم يتخوفون من الإقدام على ركوب الجديد ومن ترك ما ليس في صالحهم.

ففي هذا المجال، قال توماس غرثيا فيغيراس (وهو المؤرخ الرسمي لإدارة الاحتلال الإسباني في شمال المغرب) سنة 1954 مقيماً القواعد المغربية التي احتلتها إسبانيا:



مع سبتة وصخرة بادس والحسيمة ومليلية والجزر الجعفرية، توافرت لإسبانيا قاعدة للتحرك بجوار الإمبراطورية المغربية، لم تجن منها ثماراً تتجاوز تلك التي تنتج من الفعل ورد الفعل بالنسبة للأراضي المحاذية لها. فأسباب كثيرة جعلت هذه الجيوب، وخصوصاً منها صخرتا بادس والحسيمة، تؤثر تأثيراً سلبياً بليغاً على انشغالات إسبانيا وعلى خزينتها. ونجد عبر التاريخ عدة مناسبات حدث فيها التفكير بجد في مغادرتها بأي شكل من أشكال المغادرة في معناها المادي أو نسفها بالمفرقعات أو تسليمها لسلطان المغرب تحت شروط يقع الاتفاق بشأنها معه ([11]).



و يورد غرثيا فيغيراس عدة تواريخ تم فيها مراجعة مسألة الاحتلال المشار إليها مع اقتراح تسليم القواعد للمغرب. وهذه التواريخ هي: 1750-1763-1769-1772-1810-1825-1833-1838-1862-1867- 1870.

و يقول المؤرخ المذكور:

الفارس الملثم
08-03-2009, 04:24 PM
لقد اهتم مجلس المملكة والبرلمان Las Cortes بين 1810 و1825 اهتماماً خاصّاً بالمسألة بشكل جديد، بحيث لم يتعلق الأمر في هذه المناسبة بالمغادرة وإنما بتسليم القواعد لسلطان المغرب تحت شروط محددة. ولكن فشلت المفاوضات بسبب ضغوط من إنجلترا.



وفي سنة 1772، تكونت لجنة ترأسها مرشال الميدان السيد Luis de Urbina، وكان من بين أعضائها المهندس المدير السيد Juan Caballero وعقيد المهندسين السيد Ricardo Ahilmer أو Aylmer . لم تتوصل هذه اللجنة إلى أي نتيجة ملموسة، لأن السيد Caballero أبدى معارضته للمغادرة، بينما كان Aylmer مسانداً لها واختلف معهما في الرأي السيد Urbina.

و يهمنا في هذا المقام أن نقدم تعليل رأي Aylmer الذي يحمل عنوان »استكشاف الجيوب الأفريقية الصغرى« والذي يمكن تلخيصه كما يلي:



1 - كلفة الجيوب لخزينة المملكة؛

2 - الجنود المرابطون بها؛

3 - المسافة وصعوبة وصول النجدة في حالة حصار مفاجئ وغير منتظر؛

4 - السهولة التي يملكها المغاربة للهجوم على هذه الجيوب؛

5 - هل من المناسب الاحتفاظ بالجيوب أو لا؟



والخلاصة التي توصل إليها Aylmer هي:



أن هذه الجيوب عرضة للإهانة البحرية من لدن أي عدو يستطيع أن يقنبلها بلا رحمة. إنها لا تحمي بلداً ولا ممراً محدّداً؛ كما أنها لا تستطيع منع المغاربة من مزاولة نشاطهم الزراعي. وكل هذه الجيوب تفتقر إلى الحماية الآمنة للسفن ولا تتوفر على تجارة ولا على إمكان وجودها. كما أنها لا تستطيع أن تكون مخزناً لتحضير حملات مناسبة. وبتشاؤم واضح، يعتقد أن بإمكان المغاربة استرجاعها متى شاءوا. وفي الختام ينصح بما يلي: بالنظر إلى ما سلف من اعتبارات تخص الجيوب الصغرى الثلاثة (ويشير بهذا إلى صخرتي بادس والحسيمة وإلى مليلية)، فإنني أساند مغادرتها لأنها غير صالحة للدولة و(تركها) سيكون أفضل لأمجاد صاحب الجلالة، وإعادتها للمغاربة. إن البطولة العظمى تكمن في الزهد في ما تم الاستيلاء عليه بدل الاستيلاء على الأمور للاحتفاظ بها، ويكفي عظمة (صاحب الجلالة) امتلاكه كلاًّ من وهران وسبتة.



من الثغور المغربية المحتلة حالياً منطقة سبتة، وهو موضوع يجب التعامل معه بمقاربة خاصة نظراً لخصوصية الملابسات والتطورات التي عرفتها هذه المنطقة عبر التاريخ القديم والحديث.

لقد استعملت عبارة منطقة سبتة، لأن الأمر لا يتعلق باحتلال مدينة في شمال المغرب فقط، بل بأراضٍ شاسعة وبمنطقة بحرية تجاور هذه المدينة في شمال المغرب. وقد مرت هذه المنطقة عبر تاريخ خاص منذ سقوط نواتها الأولى في يد البرتغاليين سنة 1415، بحيث سنجد أن هذه النواة الأولى التي تشكل المدينة القديمة التي لا تتعدى، حسب تقديرنا العيني، خمس أو سدس المساحة الكلية الموجودة حالياً تحت سيطرة الإسبانيين، قد كبرت مع الأيام حتى أصبحت تشمل أراضي تمتد عبر بضع كيلومترات نحو الجنوب ونحو الغرب.

لم تنته مدينة سبتة إلى السيطرة الإسبانية على أثر حرب ربحتها أو بعد صراع على السيادة أو لإرادة طوعية من أهاليها، وإنما بكل بساطة وجدت هذه المدينة نفسها بين عشية وضحاها يحكمها سيد دون أن تطلب منه ذلك. فقد استيقظت إسبانيا ذات صباح، فوجدت نفسها ترث البرتغال وما التصق به من مستعمرات (مثل سبتة) بعدما بقي هذا البلد بلا ملك يعتلي عرشه على أثر مصرعه في وادي المخازن. على أي حال، هذا هو أصل سيطرة إسبانيا على سبتة. وأما ما سيأتي بعد ذلك، فهو تاريخ طويل يستحق بدوره ما يكفي من الوقت والمجال، لأن المغاربة لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا البتر الذي تعرضت له بلادهم. أما ما يهمنا توضيحه في هذه المناسبة، فهو بالخصوص: كيف تم تمديد المساحة التي تشملها منطقة سبتة في الوقت الحالي، بعدما كانت منحصرة في مساحة ضيقة تتسع لقلعة ولبعض المنازل، واليوم أصبحت مدينة مزدهرة تتمتع بميناء كبير وبمنطقة شاسعة تحفها عبر بعض الجبال المحيطة بها.

عندما يطرح المغاربة قضية استرجاع سبتة ومليلية (على الأقل في المستوى العلني، لأن حقيقة المفاوضات غير المعلنة بين المغرب وإسبانيا لا علم لنا بها)، يقول لنا أصدقاؤنا الإسبانيون إن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان تملكهما إسبانيا قبل أن يكون المغرب دولة؛ فلذلك ليس من المستساغ أن نطلب شيئاً لم يكن عندنا قبل أن نولد. بطبيعة الحال، لا أريد أن أناقش هذا المنطلق الإسباني في الدفاع عن أطروحتهم التي يشهرونها في وجهنا كلما فاتحناهم في الموضوع، بالرغم من أن إسبانيا نفسها كانت تحت حكم المغرب في الزمن الماضي قبل أن تكتمل وحدتها المسيحية. ولكن ما نريد توضيحه لمن يجهل الأوضاع في سبتة هو أن أكبر جزء من الأراضي التي ترزح اليوم تحت نير الاحتلال الإسباني تم الاستيلاء عليها بعد حرب تطوان التي فرضت على المغاربة؛ فخسروها سنة 1859 وأرغموا على التنازل لإسبانيا عن المساحات التي أرادتها منطقة حماية للجيبين المذكورين والتي حددت بخصوص كل من سبتة ومليلية وفق المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين البلدين من 1859 إلى 1863([12]).

بقي لنا أن نشير قبل الختام إلى الجزر الجعفرية الموجودة على مرمى حجر من السواحل المغربية المتوسطية، والتي تم احتلالها سنة 1848. لقد خطط الإسبانيون لاحتلال هذه الجزر منذ القرن الثامن عشر (1733) ولم يقدموا على رفع علمهم عليها إلا في التاريخ المذكور. لا داعي لمناقشة الأسباب التي دفعت الإسبانيين إلى احتلال أماكن لا تكتسي أدنى قيمة استراتيجية عسكرية ولا اقتصادية، على الرغم من أنهم يدعون أن هذا يدخل في نطاق ما يعتبرونه خطّاً دفاعيّاً جنوبيّاً. إن تصرفهم مع احتلال هذه الجزر مستغلين ضعف السلطة في المغرب، خصوصاً في وقت انقرضت فيه حركات القرصنة القديمة، لا يفهم إلا من منطلق عقدة احتلال الأرض من أجل الاحتلال، وليس لمنفعة ما، كمن يذهب الى السوق ويقتني الأشياء دون أن يعرف ماذا سيفعل بها.

وفي الختام، يجدر الكلام على آخر ما فعله الإسبان نحو الأراضي المغربية انطلاقاً من النسق العقلي المذكور. فحديثاً، في سنة 2002، قام الجنود الإسبان بإنزال جوي بالمروحيَّات على جزيرة تورة أو البقدونس كما يسميها الإسبانيون، معززين بالمدرعات وبالبوارج البحرية، لا لشيء إلاَّ لأن بعض رجال الدرك المغاربة ذهبوا إلى هذه الجزيرة الصغيرة جدّاً والتي لا يقطنها سوى بعض الماعز الذي يرعى هناك، وذلك للحيلولة دون اتخاذها قاعدة للمهربين الذين يختبئون فيها. على أثر هذا الحدث، قام الناس يبحثون عمن يملك الجزيرة المذكورة ويتساءلون عن الدوي الذي أحدثته في الدنيا هذه الصخرة البسيطة التي لا تسمن ولا تغني من جوع سوى الماعز المذكور والتي لا تبعد إلا ببضع عشرات من الأمتار عن الشاطىء المغربي غرب قرية بليونش على مضيق جبل طارق. نحن بدورنا قمنا بتصفح كتب التاريخ والمعاهدات والاتفاقيات المغربية الإسبانية، فلم نصادف ما يشفي غليلنا في الموضوع. وكل ما وجدناه ووجده كذلك بعض الباحثين([13]) الإسبان هو الغياب التام للسند القانوني في الموضوع، وكل ما هناك هو زعم قديم بأن الجزيرة إسبانية، لأن الشاطىء الممتد من سبتة إلى طنجة والذي كان - حسب التقسيمات التي تكلمنا عنها سابقاً في المعاهدات البرتغالية القشتالية - يعود نظرياً إلى البرتغاليين الذين ورث عرشهم الإسبانيون. وفي هذه المناسبة نود أن نقدم نصّاً وقفنا عليه في كتاب([14]) من كتب التاريخ الإسبانية، يورد أزمة مماثلة حدثت بين المغرب وإسبانيا بسبب هذه الجزيرة. يقول النص:



... تقرر إقامة منارة في جزيرة البقدونس، واختارت لجنة إسبانية تابعة لهيئة الأشغال العمومية موقع تلك المنارة الذي حدد ببعض الأوتاد التي وضعت بينها لوحة بألوان العلم الوطني (الإسباني). لكن الأهالي قاموا باقتلاع الأوتاد وأخذوا اللوحة معهم، فسارعت الصحافة الإسبانية بمهاجمة الحكومة التي احتملت هذا الأمر، مؤمنة (أي الصحافة) إيماناً راسخاً أن الجزيرة ملك من أملاك إسبانيا. وقد اعتمدت الصحافة في يقينها هذا بالأساس على كوييو [Coello] الذي أشار في خريطة لأملاك إسبانيا في أفريقيا وكذا في فقرة توضيحية، إلى جزيرة البقدونس ضمن هذه الممتلكات.

و قام كونت طورينو [Conde de Toreno] باستجواب الحكومة في البرلمان [las Cortes] حول هذه الأمور، فأجاب وزير الدولة موريط [Moret] بأن الجزيرة في ملك سيادة الإمبراطورية المغربية، وأن وتداً ولوحة لتحديد الموقع الذي قد تقام فيه منارة لا يمثل أبداً رمزاً لسيادة ما. ومع ذلك، فقد استنتج من الحدث المذكور أن التصرف كان متسرعاً.

وفي الأيام الأولى من شهر أبريل 1889، وصل إلى الممثل الإسباني الجديد فيغيروا [Figueroa] خبر مفاده أن كشك حراسة كان يشيد في تلك الجزيرة لحساب السلطان، فكلف فيغيروا الترجمان بأن يستغل فرصة المقابلة التي سيجريها مع محمد الطريس ليحاول معرفة الهدف من تلك الأشغال »التي كانت تنم على ما يبدو على نوع من غياب الثقة في إسبانيا«. وبعد أن أبدى الوزير المغربي شتى الإشارات الودية، أبلغه في نهاية المطاف بأن بناء ذلك الكشك أتى تطبيقاً لإشارة من سابقه ديوسدادو [Diosdado] حتى يتم تفادي تكرار مثل تلك الأفعال التي حدثت منذ وقت قريب في تلك الجزيرة وحتى يعلم الجميع أنها في ملك جلالة الملك الشريفة".

تطوان_غرناطة
08-18-2009, 02:41 AM
بعدما كان المغرب هو المدافع الوحيد عن الاندلس و انه المنقد الوحيد والمهيا جغرافيا و استراتيجيا و دينيا و بشريا لهذه المهمة لهذا اصبح المغرب مستهدفا مند انهزامه في العقاب و في طريف ايام المرينيين .
كان من مخططات الايبيريين ضرب المغرب من الداخل و اشعال نار الفتنة فيه لانشاغله عن الاندلس و عن الدفاع عنها .
و من الملاحظ انه مع بداية تراجع المغرب و انكماشه عن نفسه عملت اسبانيا بالانتقام منه و تكبيله منن الداخل باحتلال شواطئه و التطلع الى تحويله عن الاسلام الى المسيحية. فقد كتب احد المؤرخين قائلا : لم يكن للاسبان اي مطمع اخر غير نقل الحرب الى افريقيا بعد ان كانت لمدة طويلا تدور ببلادهم و ارغام بلاد الاسلام كلها على اعتناق المسيحية بالقوة . و يمكن ان نضيف العامل الاستراتيجي و يتجسد في منع المغرب من اي فتح اخر لاسبانيا او حتى مساعدة من تبقى منها من المسلمين.

عاشق قرطبة
08-26-2009, 11:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
رائع مانقلته أخي الفارس الملثم وجزاك الله خيرا على تعريفنا وتزويد المنتدى بهذه النفائس عن تاريخ المغرب والذي شخصيا أجهل الكثير عنه,,
بالنسبة لإحتلال سبتة ومليلة من طرف الإسبان أعتقد والله أعلم إن السبب هو خلق عمق دفاعي إستراتيجي ضد أي جهود مستقبلية لإعادة الإسلام للأندلس ولم يدرك هؤلاء الحمقى أن الإسلام لم يخرج منها أساساً,, وبنظرة عسكرية بحتة وتعصب أعمى وجهل بتاريخ الإسلام والمسلمين لم يتوقعوا أن تكون عودة الإسلام بغير السيف والحرب ولكن تأبى السلطات الإسبانية الإعتراف بذلك وتسوق حجج واهية لتبرر إحتلالها, ومن تلك التبريرات أيضا منع الهجرات الغير شرعية لإسبانيا من السواحل المغربية وليس هذا مبررا وإلا لأستغلت كثير من الدول هذا الحجة لإحتلال مناطق وخلق صراعات من أجل فرض واقع جديد بتبريرات سخيفة قبيحة لا تحكي حقيقة الواقع وها نحن نسمع كثيرا عن هجرات من تلك النوع لا تنطلق من السواحل المغربية وحسب بل من سواحل إفريقية أبعد ربما مما يؤكد ضعف حجتهم ويكشف بجلاء نواياهم السوداء الحاقدة تجاه الإسلام والمغرب خصوصا...
اللهم إحمي الإسلام والمسلمين من حقد الحاقدين وكيد الكائدين وأجعل كيدهم في نحورهم وأشغلهم في أنفسهم إنك سميع قريب مجيب..
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

تطوان_غرناطة
08-28-2009, 08:00 PM
نعم اخي عاشق قرطبة فاحتلال سبتة و مليلية و احتلال السواحل المغربية الاخرى كان سبيل للدفاع عن اسبانيا من مناطق انطلاق الحملات العسكرية المغربية اي من المغرب نفسه فتم هذا الاحتلال لنقل الحرب الى المغرب .
ولا ننسى وصية ايزابيلا الكاتولكية تقدم مجوهراتها في السبيل الحفاظ على هذه الثغور و توصي قبل وفاتها بالضرورة على الحفاظ عليها لتكون دراعا للمسيحية ضد الاسلام.

لن ننساك
08-29-2009, 03:44 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك