بنت الصحراء
06-06-2008, 02:09 AM
تضامن الجزائر مع مسلمي الأندلس أيام المحنة الكبرى 1492-1640 م
للأستاذ. الصادق دهاش
تعد الدراسات التاريخية، التي تناولت الهجرة الأندلسية، وعلاقتها بالجزائر قليلة، وربما يعود ذلك إلى تحجيم دور الجزائر في التقليل من هذه الكارثة الإنسانية، التي ارتكبتها الصليبية الإسبانية في حق المسلمين العزل، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا التنصير الجماعي لهم.
حملت الجزائر على عاتقها، مهمة إنقاذ مسلمي الأندلس، الفارين من محاكم التفتيش التي نصبتها لهم إسبانيا الشيء الذي أجج روح الانتقام الإسباني بصفة خاصة، والأوربي بصفة عامة، على الجزائر التي أقلقت الجميع، لامتلاكها لأسطول بحري قوي، قهرت به أعداء الإسلام، فكانت سيدة الحوض الغربي
للبحر الأبيض المتوسط، وكانت الجزائر تحمي تجارتها وتجارة الدول الإسلامية في عرض البحر المتوسط.
ما هي الأسباب الحقيقية لهجرة مسلمي الأندلس؟ وكيف كان رد فعل البحرية الجزائرية؟ وما مدى استفادة الجزائر من هذه الهجرة؟ وما هي انعكاساتها على مستقبل إسبانيا؟
I – ظروف وعوامل إنقاذ الجزائر للأندلسيين:
تربط الجزائر بالأندلس علاقة قديمة، قدم اعتناقها للإسلام، خاصة منذ دخولها من طرف طارق ابن زياد كما استدعت قرطبة قبيلة زناتة الجزائرية ضد الدولة الفاطمية الشيعية، وازدادت أواصر المحبة والتعاون بين الأندلسيين والجزائر، أيام دخول المرابطين والموحدين أرض الأندلس وضمّها إلى أقطار المغرب العربي.
كما توافد عدد كبير من الأندلسيين على طول السواحل الجزائرية (1200كلم)، بدءا من القرن الثالث الهجــري (1000م)؛ ويعود الفضل إليهم، في ازدهار مدينة المسيلة في أوائل القرن الرابع الهجري (1100م). أما البكري فيقول بأن تاريخ الهجرة إلى الجزائر كـان بدءا من منتصف القرن الثالث الهجري، وهذا ما ساعد على تجريد عمران كثير من المدن الساحلية للعشائر المحلية القريبة منها كنفرة ومسقن من ازداجة. لكن الدكتور سعيدوني يتكلم هنا على الهجرة الأندلسية بعد سقوط مدينة إشبيلية (722هـ-1371م) الذي يعتبر بداية للهجرة الجماعية. لكن الهجرة بلغت ذروتها، على إثر قرارات الطرد التي أصدرها الملك الإسباني فيلب الثالث سنة 1609م. غير أن عبد الرحمان الجيلالي في كتابه "تاريخ الجزائر" له رأي مخالف للرأيين السابقين، فهو يرى بأن بداية الهجـرة الأندلسية إلى الجزائر، كانت عام (856هـ-1452م) بفعل تزايد نشاط القرصنة وبداية الهجمات الإسبانية.
ويبدو أن أهم هجرة على الإطلاق، هي تلك التي وقعت أثناء وبعد سقوط غرناطة الإسلامية بيد الإسبان سنة: 1492م، وهي آخر مملكة يفقدها المسلمون بهذا البلد. فهذا التاريخ، يمثل فاجعة كبرى، وشؤما وحزنا كبيرين للعالم الإسلامي، بينما هو تاريخ فرحة وانتصار بالنسبة لإسبانيا بصفة خاصة وأوربا بصفة عامة، لأنه يمثل ازدواجية تاريخية ملؤها الفرح بنشوة النصر، بعد طرد المسلمين من الأندلس واكتشاف العالم الجديد بقيادة أمريكو فيسبوشي.
فلم يكن أمام الجزائريين، سوى نصرة إخوانهم المضطهدين الفارين من مجازر الأندلس، خاصة وأن الجزائر كانت أول قاعدة لأعمال الجهاد ضد إسبانيا، وكانت مدينة الجزائر تدعى بلد الجهاد.
ومن أهم الأسباب الرئيسية التي دفعت مسلمي الأندلس إلى أن يهاجروا في اتجاه الجزائر خاصة ودول المغرب العربي الأخرى عامة هي:
تعلم الإسبان من المسلمين بأن سبب قوة المسلمين، يعود أساسا إلى اعتمادهم على الإسلام، ونشره في أنحاء كثيرة من المعمورة، والقائم على الجهاد في سبيل الله، لكن يوم أن ترك المسلمون الجهاد وركنوا إلى الراحة أذّلهم الله وجعلهم شيعا متناحرة.
لهذا كله عرف الإسبان كيف يغيرون مجرى التاريخ لصالحهم، فظهرت وحدة مسيحية صليبية ضد المسلمين وبدأت عمليــة الاسترجـاع أو الاستـرداد RECONQUISTA، وذلك بعد أن وقع الزواج المقدس بين فرديناد ملك أرغونة، بإزبيلا ملكة قشتالة ((وهكذا تكونت سنة 1474 إسبانية المسيحية الموحدة)). في هذا الظرف بالذات، ضعفت شوكة المسلمين في الأندلس، بسبب الصراع على السلطة في عهد بني الأحمر "الحسن الغالب بالله" ونظرا لضعف شخصيته، وكثرة المؤامرات والدسائس داخل قصره من طرف المقربين إليه.
حيث تتحدث المصادر التاريخية عن وجود نزاع بين زوجتيه، عائشة الحرة وثريا الإسبانية، فكانت ولاية العهد "لعبد الله محمد" ابن عائشة العربية، فعملت ثريا الإسبانية على إقصاء عائشة وولدها وزجت بهما في السجن، حتى تخلص ولاية العهد لابنها. فبلغ التنافس حول مسألة ولاية العهد ذروته، وهكذا ظهر ما يسمى في التاريخ الأندلسي بملوك الطوائف بدءا من القرن الخامس للهجرة، الحادي عشر الميلادي، فأخذ الزعماء المسلمون يتطاحنون فيما بينهم فاستعان بعضهم بأعداء الإسلام مقابل جزية يدفعها له كل سنة؛ مثل ما حدث لأبي الحسن عندما آثر أخاه "محمد الزغل" على ولده "أبي عبد الله" بولاية العهد، فخرج هذا عن طاعة أبيه وأعلن الحرب على عمه ابن سعد، مستعينا في ذلك بفرديناد ملك إسبانيا الذي هب لنجدته لحاجة في نفس يعقوب.
فكان أبو عبد الله يعرقل بقواته جيش عمه، إذا حاول الدفاع عن حدود المملكة، ووصلت به الوقاحة والدناءة إلى حد تهيئة هجوم على المملكة، وأخيرا سلّم مفاتيح غرناطة لفرديناد مذؤوما مدحورا، حتى هجاه أحد الشعراء بل قيل أمه عائشة الحرة: بك مثل النساء ملكا مضاعـا لم تحافظ عليه مـثل الرجـال
ومن غرائب التاريخ أنه توجد أصناف كثيرة من الناس، تفني زهرة شبابها في خدمة الآخرين (الأعداء) وأخيرا يرمونهم كما يرمون العظم، بعد أن يأكلوا لحمه اللذيذ. هكذا كانت العاقبة السوداء "لأبي عبد الله" الذي جاء إلى فاس ودفن فيها، لأنها أرض آبائه وأجداده التي احتضنته حتى عند موته.
وهكذا فإن اختلال التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، هو السبب في سقوط الأندلس، هذه النهاية غير السعيدة جعلت العديد من مسلمي الأندلس يهاجرون هجرة اضطرارية نحو بلاد المغرب العربي حاملين عبقريتهم للعمل في ظل عز الإسلام والمسلمين.
ورغم ذلك لم ينجوا من ملاحقة الصليبية الأوروبية، حيث وقع التعاقد بين الصليبيين على استئصال المملكة الإسلامية بالشمال الإفريقي، بمباركة البابوية في المؤتمر الذي تم عقده في طور ديزلاس "TORDESILLAS" سنة 899هـ-1494م.
وكانت الجزائر تدرك جيدا، طبيعة الصراع الذي كان يدور بين المسلمين من جهة والمسيحيين من جهة ثانية، لذلك حاولت جهد ما تستطيع، تقديم الدعم المادي والمعنوي للمسلمين في الأندلس.
ومن ذلك أنها لم تتأخر في مدّ يد المساعدة إلى السلطان النصري "أبي عبد الله محمد الخامس" ملك غرناطة على عهد السلطان الزياني أبي حمو موسى الثاني سنة 763هـ- 1361م، وتتمثل هذه المساعدة في: ((خمسين ألف قدح من الزرع، وثلاثة آلاف قطعة من الذهب لكراء السفن)).كانت هذه المساعدة في إطار الصراع المرير، الذي أهلك الجميع بين الحفصيين في تونس والزيانيين في الجزائر والمرينيين في المغرب الأقصى.
إن وجود جالية أندلسية، لا بأس بها بأرض الجزائر في عهد الدولة الزيانية ورقيها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحسن علاقة أبي حمو الزياني مع ملكة غرناطة، ومعرفة مسلمي هذه المنطقة، بما كانت تبذله الإمارة الجزائرية اتجاههم، وجهود الأخوين بربروسة خير الدين وعروج في التعجيل بنقل مضطهدي الأندلس إلى السواحل الجزائرية بحيث ((تمكنا في الفترة الممتدة بين سنتي 1528 و1584م من شنّ ثلاثة وثلاثين غارة بحرية ناجعة على السواحل الإسبانية، أنقذوا خلالها كثيرا
من الأندلسيين)).
كل هذه العوامل مجتمعة شجعت مهاجري الأندلس على التفكير في التوجه إلى الجزائر المجاهدة، وعلينا أن نضع في الحسبان عاملا آخر كان له الأثر الحسن عند مسلمي الأندلس الذين بقوا يتعرضون إلى عملية الإكراه لاعتناق المسيحية، هذا العامل هو ربط خير الدين مصير الجزائر بمصير الدولة العثمانية سنة 1518م.
وهنا تضاعف حقد الغرب بصفة عامة وإسبانيا بصفة خاصة على الجزائر والدولة العثمانية بفتح القسطنطينية سنة 1453م بصفة عامة.
ومعنى ذلك أن الجزائر في نظر إسبانيا تحولت إلى أكبر خطر أصبح يهدد أمن واستقرار إسبانيا على وجه التحديد. لأنها كانت تعي جيدا قوة الجزائر واستخدامها لمهاجري الأندلس في كسر شوكة إسبانيا، خاصة وأنها كانت متخوفة من عودة الهلال مرة أخرى إلى إسبانيا، فيقضي على كل ما خططته للنيل من الإسلام والمسلمين.
ومن بين دوافع الاعتداءات الأوربية عامة والإسبانية خاصة على الجزائر وسائر بلدان المغرب العربي نجملها في خمسة عوامل هي: ظهور الدولة الوطنية الحديثة في أوربا، والحقد الصليبي الديني والسياسي و رغبة الإسبان والبرتغاليين في وضع حد لنشاط مسلمي الأندلس المطرودين، واحتلال مواقع استراتيجية دائمة في هذه البلدان، والرغبة في التمسيح والتنصير ونشر المسيحية. وما دمنا في صدد ذكر عوامل إنقاذ الجزائر لأهل الأندلس، كان لازاما علينا تذكير القارئ بتلك الرسالة التي كتبها أهل الأندلس إلى خير الدين، يطلبون فيها التدخل لإنقاذهم من بطش النصارى.
وعندها أحضر ستة وثلاثين جفن واتجه بهم ناحية الأندلس، فنقل فيهم عدد كبير من الأندلسيين إلى الجزائر، بعدما خلفوا ألف مقاتل من العسكر يحرسون جماعة المسلمون الباقية، فتكررت هذه العملية سبع مرات، نقل فيها سبعين ألف من الأندلسيين إلى الجزائر. ولم يكتفي أهل الأندلس بالاستنجاد بخير الدين بربروس بل طلبوا المساعدة أيضا من –السلطان العثماني "سليمان القانوني" عام (948هـ-1541م). لقد تعرض مسلمو الأندلس إلى الطرد الجماعي، منذ أن سلم الأمير "أبو عبد الله محمد الوحيد" مفاتيح غرناطة إلى فرديناد يوم 2 جانفي 1492، تضمنت هذه الوثيقة 67 شرطا منها:
احترام المسلمين لدينهم وأملاكهم، وحرياتهم، وأمنهم، وسلامتهم، والسماح بالهجرة لمن أراد ذلك إلى جانب بند آخر على جانب كبير من الخطورة، وهو مراقبة المسلمين لمدة 70 يوما حتى لا تأتيهم النجدات.
إلا أن الإسبان نقضوا العهد بعد ذلك، ولم يحترموا هذه المعاهدة، شانهم في ذلك شان فرنسا التي ضربت معاهدة الاستسلام التي أبرمتها مع الداي حسين عرض الحائط والتي تعهدت بما تعهد به الإسبان من قبل.
ولما لم تنجح إسبانيا في تنصير المسلمين عن طريق الوعظ والإرشاد، لجأت إلى إصدار قانون الطامة الكبرى في عام 1499 الذي ينص على تنصير المسلمين صبرا، وتحريم إقامة شعائرهم الدينية، وإغلاق المساجد و إحراق آلاف الكتب وفي 1501 منع على المسلمين حمل السلاح، وأعطيت لهم مهلة ثلاثة أيام فقط لمغادرة إسبانيا، والموت عقوبة للمخالفين، ونصبت محاكم التفتيش.
كما جاء مع قرار النفي بند ينص على إبقاء 6% من المورسكيين للانتفاع بهم في معامل السكر و محصول الأرز وتنظيم الري، وكذلك من الأسرى الأكثر خيرة وولاء للنصرانية.
فأصيب المسلمون بالأندلس بأضرار مادية ومعنوية بليغة، جعلتهم يفضلون الهجرة إلى الجزائر خاصة و المسلمين المغاربة عامة يتقاسمون معهم رغيف الخبز.
وكان على المورسكيين الصمت وأخذ الحذر الشديد من ممارسة شعائرهم الدينية، في السر والكتمان و رغم ذلك فالكثير منهم امتثلوا أمام دواوين التحقيق، لأنهم كثيرا ما تكلموا أو أظهروا تعلقهم بالإسلام.
كانت جماعة من المورسكيين يحصدون الزرع ومعهم نصارى، وأوتي لهم بالحساء، فلم يمسوه لأنه ((مطبوخ بشحم الخنزير)) وعليه اتهموهم وسيقوا إلى دواوين التحقيق.
ومن بين الأسباب الهامة التي جعلت أهالي الأندلس، يختارون الجزائر للاحتماء بها، كون الجزائر كانت أقوى دول المغرب العربي، بل وفي العالم الإسلامي بعد الدولة العثمانية ((لكبر مساحتها وطول سواحلها وغناها الاقتصادي، ووفرة تجارتها ورواجها مع الخارج)).
بالإضافة إلى امتلاك الجزائر للأسطول، وقوة عسكرية بحرية رادعة، وخبرتها في ميدان القتال البحري وامتلاكها لبحارة مهرة أمثال صالح رايس، والعلج علي، والرايس حميدو، واهتمامها الكبير بإعداد نفسها للمواجهة سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وكان مهاجرو الأندلس، يهاجرون إلى الجزائر، اعتقادا منهم بما أن الجزائر هي الدولة المغربية الأكثر إمكانيات مادية ومعنوية لحمايتهم والدفاع عنهم، بل ويصبحون أحد أهم عناصرها في جيشها البحري لمساعدة إخوانهم الذين بقوا تحت الأسر والاضطهاد أو التفكير في استرداد وطنهم بالأندلس.
II-انعكاسات هجرة الأندلسيين على الجزائر
1-الانعكاسات الإيجابية: كانت لهجرة أهالي الأندلس إلى الجزائر، إيجابيات وسلبيات، أفادت وأضرت بالجزائر، لكن فوائدها كانت أكبر، لأن الجالية الأندلسية ساهمت مساهمة فعالة، في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية.
لقد استفاد الجزائريون أيما استفادة من الخبرة العمرانية، التي كانت بحوزة الأندلسيين المقيمين بأرض الجزائر.
ولاحظ الدكتور سعيدوني أن الجزائر لم تشهد نهضة عمرانية، كالتي عرفتها الجزائر بدءا من مطلع القرن الخامس عشر.
فأسس الأندلسيون عدة قلاع، وحصون، ومدن ساحلية أو قريبة من الساحل، مثل القليعة والبليدة وشرشال، أصبح فيها عدد المنازل التي تعود للأندلسيين، تقدر بحوالي أثنى عشر ألفا.
وبالإضافة إلى تواجد الأندلسيين في الجزائر العاصمة، وتنس، ودلس، وجيجل، وعنابة، ومستغانم وتلمسان وازدهرت على عهدهم انتشار العيون، والسواقي، وتنظيم الري، وكانت تدخل ضمن الأعمال الخيرية.
جاءت هذه النهضة العمرانية والبشرية، التي عرفتها الجزائر، واختلط سكانها بسكان الجزائر، كان ذلك نعمة للجزائر ((خاصة وان الجزائر تعرضت إلى انهيار ديومغرافيا وانكماش بشريا، نتج عن اجتياح الأوبئة وتكرر المجاعات واضطراب الأمن، منذ أواخر القرن 14 وأوائل القرن 15م)).
وقد ساعد امتزاج الفن الجزائري، بالفن الأندلسي ((وجود حذاق من الجالية الأندلسية التي استقرت بالجزائر منذ القرن الخامس الهجري، واستمرت عملية الامتزاج نحو ثلاثة قرون... فأصبحت تلمسان ببناياتها وحدائقها أشبه بإشبيلية وغرناطة في روائعها الفنية وطبيعتها الفتانة)).
كما برع سكان الأندلس بالجزائر في النقش على الخشب، عبروا عن عبقريتهم هذه في صنع المنابر، تحمل صورا، وزخارف هندسية رائعة في ((أسلوب مغربي إسباني حمله إلى شمال إفريقيا الفنانون الأندلسيون)).
ولم تقتصر مساهمة مهاجري الأندلس في الميدان العمراني فقط، بل أطالته في جميع الميادين لأنهم كانوا شعبا حيويا ونشيطا ذو حضارة راقية ممزوجة بين حضارة الشرق والغرب، ولأنهم امتزجوا امتزاجا كليا مع الجزائريين وكونوا شعبا واحدا متلاحما، عاد ذلك كله بالخير واليمن على الجميع.
ففي الميدان الحربي مثلا، ساهمت القوة البشرية في تدعيم القوة الدفاعية للجزائر فأقبل العديد منهم للعمل في الأسطول الجزائري، للدفاع على السواحل الجزائرية، وصد الغارات الأوروبية المتكررة.
كما ساهموا في تحرير كثير من المدن الجزائرية، التي أحتلها الإسبان، وقضى عروج على المتعاملين مع العدو الإسباني ومنهم شيخ تنس، بمساعدة مهاجري غرناطة وكان ذلك سنة 1517 م.
وبحكم طول مدة عيش مهاجري الأندلس بإسبانيا، فقد أفادوا الجزائريين، بإعطاء صورة واضحة عنها فتمكن الجزائريون بمساعدة مهاجري الأندلس من معرفة نقاط القوة، ونقاط الضعف لخصمهم الإسباني لذلك حضروا لهم استراتيجية حربية محكمة، تتلاءم وشدة حماس الأندلسيين في الانتقام من سالبي حقوقهم و طردهم من بلادهم المتمثل في العدو الإسباني.
يتبع
للأستاذ. الصادق دهاش
تعد الدراسات التاريخية، التي تناولت الهجرة الأندلسية، وعلاقتها بالجزائر قليلة، وربما يعود ذلك إلى تحجيم دور الجزائر في التقليل من هذه الكارثة الإنسانية، التي ارتكبتها الصليبية الإسبانية في حق المسلمين العزل، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا التنصير الجماعي لهم.
حملت الجزائر على عاتقها، مهمة إنقاذ مسلمي الأندلس، الفارين من محاكم التفتيش التي نصبتها لهم إسبانيا الشيء الذي أجج روح الانتقام الإسباني بصفة خاصة، والأوربي بصفة عامة، على الجزائر التي أقلقت الجميع، لامتلاكها لأسطول بحري قوي، قهرت به أعداء الإسلام، فكانت سيدة الحوض الغربي
للبحر الأبيض المتوسط، وكانت الجزائر تحمي تجارتها وتجارة الدول الإسلامية في عرض البحر المتوسط.
ما هي الأسباب الحقيقية لهجرة مسلمي الأندلس؟ وكيف كان رد فعل البحرية الجزائرية؟ وما مدى استفادة الجزائر من هذه الهجرة؟ وما هي انعكاساتها على مستقبل إسبانيا؟
I – ظروف وعوامل إنقاذ الجزائر للأندلسيين:
تربط الجزائر بالأندلس علاقة قديمة، قدم اعتناقها للإسلام، خاصة منذ دخولها من طرف طارق ابن زياد كما استدعت قرطبة قبيلة زناتة الجزائرية ضد الدولة الفاطمية الشيعية، وازدادت أواصر المحبة والتعاون بين الأندلسيين والجزائر، أيام دخول المرابطين والموحدين أرض الأندلس وضمّها إلى أقطار المغرب العربي.
كما توافد عدد كبير من الأندلسيين على طول السواحل الجزائرية (1200كلم)، بدءا من القرن الثالث الهجــري (1000م)؛ ويعود الفضل إليهم، في ازدهار مدينة المسيلة في أوائل القرن الرابع الهجري (1100م). أما البكري فيقول بأن تاريخ الهجرة إلى الجزائر كـان بدءا من منتصف القرن الثالث الهجري، وهذا ما ساعد على تجريد عمران كثير من المدن الساحلية للعشائر المحلية القريبة منها كنفرة ومسقن من ازداجة. لكن الدكتور سعيدوني يتكلم هنا على الهجرة الأندلسية بعد سقوط مدينة إشبيلية (722هـ-1371م) الذي يعتبر بداية للهجرة الجماعية. لكن الهجرة بلغت ذروتها، على إثر قرارات الطرد التي أصدرها الملك الإسباني فيلب الثالث سنة 1609م. غير أن عبد الرحمان الجيلالي في كتابه "تاريخ الجزائر" له رأي مخالف للرأيين السابقين، فهو يرى بأن بداية الهجـرة الأندلسية إلى الجزائر، كانت عام (856هـ-1452م) بفعل تزايد نشاط القرصنة وبداية الهجمات الإسبانية.
ويبدو أن أهم هجرة على الإطلاق، هي تلك التي وقعت أثناء وبعد سقوط غرناطة الإسلامية بيد الإسبان سنة: 1492م، وهي آخر مملكة يفقدها المسلمون بهذا البلد. فهذا التاريخ، يمثل فاجعة كبرى، وشؤما وحزنا كبيرين للعالم الإسلامي، بينما هو تاريخ فرحة وانتصار بالنسبة لإسبانيا بصفة خاصة وأوربا بصفة عامة، لأنه يمثل ازدواجية تاريخية ملؤها الفرح بنشوة النصر، بعد طرد المسلمين من الأندلس واكتشاف العالم الجديد بقيادة أمريكو فيسبوشي.
فلم يكن أمام الجزائريين، سوى نصرة إخوانهم المضطهدين الفارين من مجازر الأندلس، خاصة وأن الجزائر كانت أول قاعدة لأعمال الجهاد ضد إسبانيا، وكانت مدينة الجزائر تدعى بلد الجهاد.
ومن أهم الأسباب الرئيسية التي دفعت مسلمي الأندلس إلى أن يهاجروا في اتجاه الجزائر خاصة ودول المغرب العربي الأخرى عامة هي:
تعلم الإسبان من المسلمين بأن سبب قوة المسلمين، يعود أساسا إلى اعتمادهم على الإسلام، ونشره في أنحاء كثيرة من المعمورة، والقائم على الجهاد في سبيل الله، لكن يوم أن ترك المسلمون الجهاد وركنوا إلى الراحة أذّلهم الله وجعلهم شيعا متناحرة.
لهذا كله عرف الإسبان كيف يغيرون مجرى التاريخ لصالحهم، فظهرت وحدة مسيحية صليبية ضد المسلمين وبدأت عمليــة الاسترجـاع أو الاستـرداد RECONQUISTA، وذلك بعد أن وقع الزواج المقدس بين فرديناد ملك أرغونة، بإزبيلا ملكة قشتالة ((وهكذا تكونت سنة 1474 إسبانية المسيحية الموحدة)). في هذا الظرف بالذات، ضعفت شوكة المسلمين في الأندلس، بسبب الصراع على السلطة في عهد بني الأحمر "الحسن الغالب بالله" ونظرا لضعف شخصيته، وكثرة المؤامرات والدسائس داخل قصره من طرف المقربين إليه.
حيث تتحدث المصادر التاريخية عن وجود نزاع بين زوجتيه، عائشة الحرة وثريا الإسبانية، فكانت ولاية العهد "لعبد الله محمد" ابن عائشة العربية، فعملت ثريا الإسبانية على إقصاء عائشة وولدها وزجت بهما في السجن، حتى تخلص ولاية العهد لابنها. فبلغ التنافس حول مسألة ولاية العهد ذروته، وهكذا ظهر ما يسمى في التاريخ الأندلسي بملوك الطوائف بدءا من القرن الخامس للهجرة، الحادي عشر الميلادي، فأخذ الزعماء المسلمون يتطاحنون فيما بينهم فاستعان بعضهم بأعداء الإسلام مقابل جزية يدفعها له كل سنة؛ مثل ما حدث لأبي الحسن عندما آثر أخاه "محمد الزغل" على ولده "أبي عبد الله" بولاية العهد، فخرج هذا عن طاعة أبيه وأعلن الحرب على عمه ابن سعد، مستعينا في ذلك بفرديناد ملك إسبانيا الذي هب لنجدته لحاجة في نفس يعقوب.
فكان أبو عبد الله يعرقل بقواته جيش عمه، إذا حاول الدفاع عن حدود المملكة، ووصلت به الوقاحة والدناءة إلى حد تهيئة هجوم على المملكة، وأخيرا سلّم مفاتيح غرناطة لفرديناد مذؤوما مدحورا، حتى هجاه أحد الشعراء بل قيل أمه عائشة الحرة: بك مثل النساء ملكا مضاعـا لم تحافظ عليه مـثل الرجـال
ومن غرائب التاريخ أنه توجد أصناف كثيرة من الناس، تفني زهرة شبابها في خدمة الآخرين (الأعداء) وأخيرا يرمونهم كما يرمون العظم، بعد أن يأكلوا لحمه اللذيذ. هكذا كانت العاقبة السوداء "لأبي عبد الله" الذي جاء إلى فاس ودفن فيها، لأنها أرض آبائه وأجداده التي احتضنته حتى عند موته.
وهكذا فإن اختلال التوازن بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، هو السبب في سقوط الأندلس، هذه النهاية غير السعيدة جعلت العديد من مسلمي الأندلس يهاجرون هجرة اضطرارية نحو بلاد المغرب العربي حاملين عبقريتهم للعمل في ظل عز الإسلام والمسلمين.
ورغم ذلك لم ينجوا من ملاحقة الصليبية الأوروبية، حيث وقع التعاقد بين الصليبيين على استئصال المملكة الإسلامية بالشمال الإفريقي، بمباركة البابوية في المؤتمر الذي تم عقده في طور ديزلاس "TORDESILLAS" سنة 899هـ-1494م.
وكانت الجزائر تدرك جيدا، طبيعة الصراع الذي كان يدور بين المسلمين من جهة والمسيحيين من جهة ثانية، لذلك حاولت جهد ما تستطيع، تقديم الدعم المادي والمعنوي للمسلمين في الأندلس.
ومن ذلك أنها لم تتأخر في مدّ يد المساعدة إلى السلطان النصري "أبي عبد الله محمد الخامس" ملك غرناطة على عهد السلطان الزياني أبي حمو موسى الثاني سنة 763هـ- 1361م، وتتمثل هذه المساعدة في: ((خمسين ألف قدح من الزرع، وثلاثة آلاف قطعة من الذهب لكراء السفن)).كانت هذه المساعدة في إطار الصراع المرير، الذي أهلك الجميع بين الحفصيين في تونس والزيانيين في الجزائر والمرينيين في المغرب الأقصى.
إن وجود جالية أندلسية، لا بأس بها بأرض الجزائر في عهد الدولة الزيانية ورقيها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحسن علاقة أبي حمو الزياني مع ملكة غرناطة، ومعرفة مسلمي هذه المنطقة، بما كانت تبذله الإمارة الجزائرية اتجاههم، وجهود الأخوين بربروسة خير الدين وعروج في التعجيل بنقل مضطهدي الأندلس إلى السواحل الجزائرية بحيث ((تمكنا في الفترة الممتدة بين سنتي 1528 و1584م من شنّ ثلاثة وثلاثين غارة بحرية ناجعة على السواحل الإسبانية، أنقذوا خلالها كثيرا
من الأندلسيين)).
كل هذه العوامل مجتمعة شجعت مهاجري الأندلس على التفكير في التوجه إلى الجزائر المجاهدة، وعلينا أن نضع في الحسبان عاملا آخر كان له الأثر الحسن عند مسلمي الأندلس الذين بقوا يتعرضون إلى عملية الإكراه لاعتناق المسيحية، هذا العامل هو ربط خير الدين مصير الجزائر بمصير الدولة العثمانية سنة 1518م.
وهنا تضاعف حقد الغرب بصفة عامة وإسبانيا بصفة خاصة على الجزائر والدولة العثمانية بفتح القسطنطينية سنة 1453م بصفة عامة.
ومعنى ذلك أن الجزائر في نظر إسبانيا تحولت إلى أكبر خطر أصبح يهدد أمن واستقرار إسبانيا على وجه التحديد. لأنها كانت تعي جيدا قوة الجزائر واستخدامها لمهاجري الأندلس في كسر شوكة إسبانيا، خاصة وأنها كانت متخوفة من عودة الهلال مرة أخرى إلى إسبانيا، فيقضي على كل ما خططته للنيل من الإسلام والمسلمين.
ومن بين دوافع الاعتداءات الأوربية عامة والإسبانية خاصة على الجزائر وسائر بلدان المغرب العربي نجملها في خمسة عوامل هي: ظهور الدولة الوطنية الحديثة في أوربا، والحقد الصليبي الديني والسياسي و رغبة الإسبان والبرتغاليين في وضع حد لنشاط مسلمي الأندلس المطرودين، واحتلال مواقع استراتيجية دائمة في هذه البلدان، والرغبة في التمسيح والتنصير ونشر المسيحية. وما دمنا في صدد ذكر عوامل إنقاذ الجزائر لأهل الأندلس، كان لازاما علينا تذكير القارئ بتلك الرسالة التي كتبها أهل الأندلس إلى خير الدين، يطلبون فيها التدخل لإنقاذهم من بطش النصارى.
وعندها أحضر ستة وثلاثين جفن واتجه بهم ناحية الأندلس، فنقل فيهم عدد كبير من الأندلسيين إلى الجزائر، بعدما خلفوا ألف مقاتل من العسكر يحرسون جماعة المسلمون الباقية، فتكررت هذه العملية سبع مرات، نقل فيها سبعين ألف من الأندلسيين إلى الجزائر. ولم يكتفي أهل الأندلس بالاستنجاد بخير الدين بربروس بل طلبوا المساعدة أيضا من –السلطان العثماني "سليمان القانوني" عام (948هـ-1541م). لقد تعرض مسلمو الأندلس إلى الطرد الجماعي، منذ أن سلم الأمير "أبو عبد الله محمد الوحيد" مفاتيح غرناطة إلى فرديناد يوم 2 جانفي 1492، تضمنت هذه الوثيقة 67 شرطا منها:
احترام المسلمين لدينهم وأملاكهم، وحرياتهم، وأمنهم، وسلامتهم، والسماح بالهجرة لمن أراد ذلك إلى جانب بند آخر على جانب كبير من الخطورة، وهو مراقبة المسلمين لمدة 70 يوما حتى لا تأتيهم النجدات.
إلا أن الإسبان نقضوا العهد بعد ذلك، ولم يحترموا هذه المعاهدة، شانهم في ذلك شان فرنسا التي ضربت معاهدة الاستسلام التي أبرمتها مع الداي حسين عرض الحائط والتي تعهدت بما تعهد به الإسبان من قبل.
ولما لم تنجح إسبانيا في تنصير المسلمين عن طريق الوعظ والإرشاد، لجأت إلى إصدار قانون الطامة الكبرى في عام 1499 الذي ينص على تنصير المسلمين صبرا، وتحريم إقامة شعائرهم الدينية، وإغلاق المساجد و إحراق آلاف الكتب وفي 1501 منع على المسلمين حمل السلاح، وأعطيت لهم مهلة ثلاثة أيام فقط لمغادرة إسبانيا، والموت عقوبة للمخالفين، ونصبت محاكم التفتيش.
كما جاء مع قرار النفي بند ينص على إبقاء 6% من المورسكيين للانتفاع بهم في معامل السكر و محصول الأرز وتنظيم الري، وكذلك من الأسرى الأكثر خيرة وولاء للنصرانية.
فأصيب المسلمون بالأندلس بأضرار مادية ومعنوية بليغة، جعلتهم يفضلون الهجرة إلى الجزائر خاصة و المسلمين المغاربة عامة يتقاسمون معهم رغيف الخبز.
وكان على المورسكيين الصمت وأخذ الحذر الشديد من ممارسة شعائرهم الدينية، في السر والكتمان و رغم ذلك فالكثير منهم امتثلوا أمام دواوين التحقيق، لأنهم كثيرا ما تكلموا أو أظهروا تعلقهم بالإسلام.
كانت جماعة من المورسكيين يحصدون الزرع ومعهم نصارى، وأوتي لهم بالحساء، فلم يمسوه لأنه ((مطبوخ بشحم الخنزير)) وعليه اتهموهم وسيقوا إلى دواوين التحقيق.
ومن بين الأسباب الهامة التي جعلت أهالي الأندلس، يختارون الجزائر للاحتماء بها، كون الجزائر كانت أقوى دول المغرب العربي، بل وفي العالم الإسلامي بعد الدولة العثمانية ((لكبر مساحتها وطول سواحلها وغناها الاقتصادي، ووفرة تجارتها ورواجها مع الخارج)).
بالإضافة إلى امتلاك الجزائر للأسطول، وقوة عسكرية بحرية رادعة، وخبرتها في ميدان القتال البحري وامتلاكها لبحارة مهرة أمثال صالح رايس، والعلج علي، والرايس حميدو، واهتمامها الكبير بإعداد نفسها للمواجهة سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وكان مهاجرو الأندلس، يهاجرون إلى الجزائر، اعتقادا منهم بما أن الجزائر هي الدولة المغربية الأكثر إمكانيات مادية ومعنوية لحمايتهم والدفاع عنهم، بل ويصبحون أحد أهم عناصرها في جيشها البحري لمساعدة إخوانهم الذين بقوا تحت الأسر والاضطهاد أو التفكير في استرداد وطنهم بالأندلس.
II-انعكاسات هجرة الأندلسيين على الجزائر
1-الانعكاسات الإيجابية: كانت لهجرة أهالي الأندلس إلى الجزائر، إيجابيات وسلبيات، أفادت وأضرت بالجزائر، لكن فوائدها كانت أكبر، لأن الجالية الأندلسية ساهمت مساهمة فعالة، في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية.
لقد استفاد الجزائريون أيما استفادة من الخبرة العمرانية، التي كانت بحوزة الأندلسيين المقيمين بأرض الجزائر.
ولاحظ الدكتور سعيدوني أن الجزائر لم تشهد نهضة عمرانية، كالتي عرفتها الجزائر بدءا من مطلع القرن الخامس عشر.
فأسس الأندلسيون عدة قلاع، وحصون، ومدن ساحلية أو قريبة من الساحل، مثل القليعة والبليدة وشرشال، أصبح فيها عدد المنازل التي تعود للأندلسيين، تقدر بحوالي أثنى عشر ألفا.
وبالإضافة إلى تواجد الأندلسيين في الجزائر العاصمة، وتنس، ودلس، وجيجل، وعنابة، ومستغانم وتلمسان وازدهرت على عهدهم انتشار العيون، والسواقي، وتنظيم الري، وكانت تدخل ضمن الأعمال الخيرية.
جاءت هذه النهضة العمرانية والبشرية، التي عرفتها الجزائر، واختلط سكانها بسكان الجزائر، كان ذلك نعمة للجزائر ((خاصة وان الجزائر تعرضت إلى انهيار ديومغرافيا وانكماش بشريا، نتج عن اجتياح الأوبئة وتكرر المجاعات واضطراب الأمن، منذ أواخر القرن 14 وأوائل القرن 15م)).
وقد ساعد امتزاج الفن الجزائري، بالفن الأندلسي ((وجود حذاق من الجالية الأندلسية التي استقرت بالجزائر منذ القرن الخامس الهجري، واستمرت عملية الامتزاج نحو ثلاثة قرون... فأصبحت تلمسان ببناياتها وحدائقها أشبه بإشبيلية وغرناطة في روائعها الفنية وطبيعتها الفتانة)).
كما برع سكان الأندلس بالجزائر في النقش على الخشب، عبروا عن عبقريتهم هذه في صنع المنابر، تحمل صورا، وزخارف هندسية رائعة في ((أسلوب مغربي إسباني حمله إلى شمال إفريقيا الفنانون الأندلسيون)).
ولم تقتصر مساهمة مهاجري الأندلس في الميدان العمراني فقط، بل أطالته في جميع الميادين لأنهم كانوا شعبا حيويا ونشيطا ذو حضارة راقية ممزوجة بين حضارة الشرق والغرب، ولأنهم امتزجوا امتزاجا كليا مع الجزائريين وكونوا شعبا واحدا متلاحما، عاد ذلك كله بالخير واليمن على الجميع.
ففي الميدان الحربي مثلا، ساهمت القوة البشرية في تدعيم القوة الدفاعية للجزائر فأقبل العديد منهم للعمل في الأسطول الجزائري، للدفاع على السواحل الجزائرية، وصد الغارات الأوروبية المتكررة.
كما ساهموا في تحرير كثير من المدن الجزائرية، التي أحتلها الإسبان، وقضى عروج على المتعاملين مع العدو الإسباني ومنهم شيخ تنس، بمساعدة مهاجري غرناطة وكان ذلك سنة 1517 م.
وبحكم طول مدة عيش مهاجري الأندلس بإسبانيا، فقد أفادوا الجزائريين، بإعطاء صورة واضحة عنها فتمكن الجزائريون بمساعدة مهاجري الأندلس من معرفة نقاط القوة، ونقاط الضعف لخصمهم الإسباني لذلك حضروا لهم استراتيجية حربية محكمة، تتلاءم وشدة حماس الأندلسيين في الانتقام من سالبي حقوقهم و طردهم من بلادهم المتمثل في العدو الإسباني.
يتبع