مشاهدة النسخة كاملة : المعتزلة بالأندلس [ابن مسرة نموذجا ]
الدكتور عزالدين المعيار
06-06-2008, 04:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ظهر الاعتزال بالغرب الإسلامي أوائل القرن الثاني الهجري علىيد أصحاب واصل بن عطاء الغزال [80-131 هـ] الذي يقول عنه صفوان الأنصاري كما في البيان والتبيين للجاحظ :
له خلف شعب الصين في كل ثغرة * * * إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزبـــــــــــمهم * * * تحكم جبار و لا كيد ماكــــــــــــر
إذا قال مروا في الشتاء تطاوعــــــوا * * * و إن كان صيفا لم يخف شهر ناجر
وكما كان للمعتزلة وجود بأقطار المغرب الكبير ، كان لهم وجود بالأندلس ، قال أبو محمد ابن حزم :" وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال ، نظار على أصوله ولهم فيه تآليف ..." ويذكر في طوق الحمامة أن قاضي القضاة منذر بن سعيد كان متهما بالاعتزال وكان أخطب الناس - والمعتزلة كما لابخفى تفوقوا في القرون الأولى في البلاغة والبيان قبل أن يهزمهم أهل السنة من الأشعرية على يد عبد القاهر الجرجاني ومن جاء بعده - ثم كان ابنه حكم بن منذر رأس المعتزلة بالأندلس و كبيرهم وأستاذهم و متكلمهم و ناسكهم ، و كات أخوه عبد الملك بن منذر متهما بهذا المذهب أيضا .
وليس صحيحا ما قاله ابن زرقون - ونقله ابن عبد الملك في الذيل والتكملة ،- أن الأندلس كانت منزهة عن الاعتزال ، قبل إدخال ابن رأس غنمة الكشاف لجار الله الزمخشري
ففي القرن الثالث رحل أبو بكر بن سلام إلى المشرق و دخل العراق فلقي أبا عثمان الجاحظ وأخذ عنه كتاب البيان والتبيين وغيره من مؤلفاته و أدخلها الأندلس رواية عنه .
وعاصره في هذه الفترة من الأندلسيين فقيه مالكي مبرز هو عبد الأعلى بن وهب [ت261 هـ]كان ينسب الى القدر ويقول :إن الأرواح تموت
ملحوظة : قال المقري في النفح في ترجمة أبي إسحاق ابن حزم الغافقي [ت 403 هـ] " ما سمعت بماللكي معتزلي غير هذا " لكن برد قوله هذا وجود معتزلة مالكية منذ وقت مبكر من مثل عبد الأعلى بن وهب ، على أن هذا لا ينفي قلة المعتزلة بين المالكية .
يتبع
الدكتور عزالدين المعيار
06-06-2008, 08:56 PM
علاقة بما تقدم ذكره وتتمة له ، تجدر الإشارة إلى أن ممن عاش في الفترة نفسها رجل اسمه خليل بن عبد الملك بن كليب القرطبي المعروف بخليل الغفلة ، وكان في أول أمره صديقا لابن وضاح ، مشهورا بالقدر لا يخفي ذلك .
روى أبو الوليد بن الفرضي أن خليلا جاء إلى الحافظ بقي بن مخلد فقال له هذا الأخير : :"أسألك عن أربع " فقال: ماهي ؟ قال:ما تقول في الميزان ؟ قال: عدل الله ، ونفى أن تكون له كفتان ، فقال له : ما تقول في الصراط ؟ فقال : الطريق ، يريد الإسلام ، فمن استقام عليه نجا ، فقال له : ما تقول في القرآن ؟ فلجلج ولم يقل شيئا ، وكأنه ذهب إلى أنه مخلوق ، فقال : فما تقول في القدر ؟ فقال : أقول إن الخير من عند الله والشر من عند الرجل ....
وعندما مات خليل هذا أخرجت كتبه فأحرقت بالنار إلا ما كان فيهامن كتب المسائل ، ومن تلامذته يحيي بن يحيي المعروف بابن السمينة [ت 315هـ] كان يعلن الاستطاعة ، أخذ ذلك عن أستاذه خليل
على أن أكبر معتزلي الأندلس والغرب الإسلامي كله و أبعدهم صيتا ، هو أبو عبد الله ابن مسرة الذي سنتوسع في الحديث عنه وعن مدرسته في الحلقات القادمة إن شاء الله ...
الدكتور عزالدين المعيار
06-08-2008, 04:58 PM
ترجمة ابن مسرة :
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرة بن نجيح القرطبي {269 – 319 هـ} روى محمد بن حارث عن بعض الرواة قال : مسرة مولى لرجل من البربر من فاس
كان { عبد الله } والد المترجم من أهل الرواية والسماع رحل به أخوه إبراهيم بن مسرة وكان تاجرا إلى المشرق وهو صغير وصحب في رحلته محمد بن عبد السلام الخشني وشاركه في أكثر رجاله بالبصرة
وكان عبد الله متهما بالقدر و صديقا لخليل الغفلة القدري ، اضطر في آخر عمره إلى رحلة ثانية بعد أن كبر أبنه محمد { المترجم } وترك كتبه بيده لديون كانت قد تراكمت عليه فوصل إلى مكة وكان له بها جاه عريض وبها مات سنة {286 هـ}
سمع المترجم من أبيه المذكور وروى عنه في كتبه كثيرا كما سمع من محمد بن وضاح ومحمد بن عبد السلام الخشني
اتهم بالزندقة فخرج فارا الى المشرق آخر أيام الأميرعبد الله بن محمد{ت 300هـ}
واشتغل هناك بملاقاة أهل الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة
ومن عجيب الموافقات أن ابن مسرة كان في رحلته مع أحمد بن حزم وأحمد بن عبادة الرعيني و محمد بن عبد الله بن يحيي الليثي المعروف بابن أبي عيسى وعند قفولهم من المشرق قال بعضهم لبعض: ترى ما نكون في بلدنا إذا رجعنا فقال ابن أبي عيسى أنا أقول لكم : فذكر لكل واحد ما سيكون وقال لابن مسرة : أما أنت با أبا عبد الله فأراك تثير بالأندلس فتنة تبقى آخر الدهر .. فصدقت فراسته فيما قال
عرف ابن مسرة بالجبلي لأنه كان ينشر أفكاره بعيدا عن الأنظار في متعبده بدويرية في جبل قرطبة
يتبع
الدكتور عزالدين المعيار
06-08-2008, 09:15 PM
مذهب ابن مسرة :
مذهبه مزيج من التصوف والاعتزال ، إذ كان على طريقة من الزهد والعبادة فتن بها كثيرا من الناس وكان يدعي التكلم على تصحيح الأعمال، ومحاسبة النفوس على حقيقة الصدق على غرار كلام ذي النون الأخميمي و أبي سعيد الإسكاف و أبي يعقوب النهرجوري
وعلى النقيض من ذلك يقول بالاستطاعة و إنفاذ الوعيد ويحرف التأويل في كثير من آي القرآن ، مما أثار عليه كثيرا من الناس المستنكرين لما ظهر في كلامه من بدع ...
ينسبه صاعد الأندلسي إلى الباطنية "أتباع الشيعة الإسماعلية " ويذكر أنه كان كلفا بفلسفة الفيلسوف اليوناني بندقليس الذي كان على زمن داود عليه السلام ، وكان قد تكلم في خلقة العالم ، بأشياء تقدح ظواهرها في أمر المعاد مما جعل بعضهم يهجره ...
قال عنه الحميدي في الجذوة :" وله طريقة في البلاغة وتحقيق غوامض إشارات الصوفية ، وتواليف في المعاني ، نسبت إليه بذلك نعوذ بالله منها والله أعلم به " وذكر ابن الأبار أن ابن مسرة الجبلي لم يكن يخرج كتابا حتى يتعقبه حولا كاملا .
قال محمد بن حارث الخشني :"الناس فيه فرقتان : فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد لما ظهر لها من براعته في العلم وصدقه في الزهد ، وفرقة تطعن عليه في البدع لما ظهر لها من كلامه في الوعد والوعيد ولتأويله في آي القرآن ... وخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم "
وعلى الرغم من أنه اتبع السرية والرمزية في نشر أفكاره بعيدا عن الأنظار في متعبده بالجبل فإنه لم ينج من حملة علماء عصره فكتب في الرد عليه جماعة من أهل المشرق والمغرب كما سيأتي في الحلقة القادمة
يتبع
الدكتور عزالدين المعيار
06-16-2008, 03:49 AM
ردود على ابن مسرة :
رد على ابن مسرة جماعة من أهل العلم من المشرق مثل: أحمد بن زياد الأعرابي وأحمد بن محمد بن سالم التستري ومن الغرب أمثال : أحمد بن خالد الجباب وأبي بكر محمد بن حسن الزبيدي و أبي بكر محمد بن يبقى بن زرب وأبي محمد بن أبي زيد القيرواني وعبد الله بن محمد بن نصر الأموي و أبي عمر الطلمنكي وغيرهم
كما تعرضت مؤلفات ابن مسرة للإحراق من قبل القاضي ابن زرب ، الذي استتاب جملة من أتباع ابن مسرة سنة {350هـ}
الدكتور عزالدين المعيار
06-22-2008, 03:52 AM
من شعر ابن مسرة :
قال في رثاء أخيه إبراهيم وقد توفي بالأسكندرية :
أحقا أيها الناعي السميع * * * أبو إسحاق ليس له رجوع
-------------
على الأسكندرية عج فسلم * * * لتقضى من لباناتها الدموع
ففي عرصاتها ، شمل شتيت* * *تشتت عنه لي صبر جميع
وكتب إلى أبي بكر اللؤلؤي يستدعيه في يوم مطر وطين :
أقبل فإن اليوم يوم دجن * * * إلى مكان كالضمير المكني
لعلنا نحكم أدنى فــــــن * * * فأنت عند الطين أمشى مني
الدكتور عزالدين المعيار
06-23-2008, 11:19 PM
رأي الإمام ابن حزم في ابن مسرة :
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله في رسالته في فضل الأندلس وذكر رجالها في حق ابن مسرة :" ولنا من البلغاء "..." و محمد بن عبد الله بن مسرة في طريقه التي سلك فيها و إن كنا لا نرضى مذهبه "
عبْد العَزيز المَاجدْ
06-29-2008, 06:40 PM
موضوع جدا قيم استاذنا الكريم ..عز الدين
ولا يستغرب هذا عليكم
ولنا رجعه اليه وتعليق مفصل وشكرا لكم
بنت الصحراء
06-30-2008, 02:59 AM
دعني أستاذي الفاضل أتطفل على الموضوع قليلاً، رغبة مني في المشاركة و إثراء الموضوع، فمداخلاتكم تدفعنا دوماً للبحث و التنقيب، لأضيف إلى ما أتيتم به حول مذهب ابن مسرة هذه المعلومة التي انتقيتها من كتاب: تاريخ الفكر الأندلسي ،لآنخل جنثالث يالنثيا، حيث يقول في الصفحة- 329:
استطاع الأستاذ آسين بلاثيوس أن يجمع أطراف مذهب ابن مسرة الفلسفي و الديني، معتمداً على ما ورد منها في كتب الكتاب الأندلسيين، أمثال: ابن حزم القرطبي و صاعد الطليطلي و الشهرزوري و الشهرستاني وابن أبي أصيبعة و القفطي.
الدكتور عزالدين المعيار
06-30-2008, 04:11 AM
شكرا للفاضلين الكريمين الأخ الأندلسي والأخت بنت الصحراء على تجاوبهما مع الموضوع وعلى حسن ظنهما بأخيهما المحتاج إلى دعواتهما وسأعود - إن شاء الله - في حلقة قادمة لأتحدث عن أتباع مدرسة ابن مسرة وعن المولعين منهم بالتشريق في الصلاة
الدكتور عزالدين المعيار
11-11-2008, 02:58 AM
اتهم بالاعتزال بالأندلس بعد ابن مسرة عدد من العلماء جلهم من أتباع مدرسته، من أبرزهم :
- محمد ابن مفرج المعافري {ت 371هـ}
- أحمد بن وليد ابن أخت عبدون {ت 376هـ}
- رشيد بن فتح الدجاج {ت 376هـ}
- أبان بن ثمان الغافقي {ت377هـ}
- محمد بن أحمد الخولاني المعروف بابن الإمام {ت 380هـ}
- محمد بن عبد الله بن عمر بن خير القيسي {ت382هـ}
- عبد العزيز بن حكم الأموي {ت387هـ}
- عبد الوهاب بن منذر القرطبي {ت436هـ} وغيرهم
ووهم الدكتور إحسان عباس رحمه الله في كتابه :" تاريخ الأدب الأندلسي "حين عد خليل بن عبد الملك من أتباع ابن مسرة مع أنه متقدم عليه زمنيا
و تجدر الإشارة إلى أن أحمد الخولاني المذكور كان مشهورا باعتقاد ابن مسرة لا يخفي ذلك ، وكان إلى جانب ذلك مولعا بالتشريق في صلاته
وقد كان بالأندلس عدد من هؤلاء المشرقين الذين لا يولون وجوههم في صلاتهم شطر المسجد الحرام بمكة بل كانوا يتجهون نحو المشرق الفلكي و زعيمهم في ذلك ، مسلم بن أبي عبيدة الليثي المعروف بصاحب القبلة قرطبي أبو عبيدة {ت295هـ}
و لأحمد بن محمد بن عبد ربه فيه قصيدة منها :
أبا عبيدة ما السؤال عن خبر *** تحكيه الأسواء و الذي ســألا
أبيت إلا شذوذا عن جماعتنا *** ولم تصب رأي من أرجى ولا اعتزلا
كذلك القبلة الأولـــــى مبدلة *** و قد أبيت فما تبغـــــــي بها بدلا
مصطفى الفضي
07-17-2009, 09:04 PM
جزاك الله خيرا أستاذنا على هذا العرض القيم
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.