المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاضي قرطبة: المنذر بن سعيد، ورع و صدق


بنت الصحراء
06-09-2008, 09:50 PM
قاضي قرطبة: المنذر بن سعيد
ورع وصدق
أ.د/محمد أديب الصالح


من كنوز هذه الأمة التي لا تنفد، ما كان من سلوك أولئك الربانيين من أعلامها، حيث البرهان العملي على صدق الإيمان، والحرص على العمل بالعلم، والاستعلاء على كل ما يلهث في طلبه أهل الغفلة الذين أسكرهم حب المنصب، وحجبهم عن وضوح الرؤية زخرف الدنيا.
ومن أولئك الأعلام قاضي قرطبة: المنذر بن سعيد من رجال القرن الرابع الهجري الذي أعطى للمسلمين وعلمائهم بخاصة النموذج الصادق لاستعلاء الإيمان، وما يجب أن يكون عليه العالم كيما يكون صحيح النسبة إلى إرث النبوة وأن العلماء ورثة الأنبياء، وأن ورع العالم وصدقه هما الجناحان اللذان يطير بهما إلى آفاق من السمو الروحي يجد حلاوته أهل الخشية الذين رضي الله عنهم ورضوا عنهم.
ولي المنذر رحمه الله قضاء الجماعة بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وظل قاضياً إلى وفاة الناصر، فولي القضاء من بعده للحكم المستنصر إلى أن توفي الحكم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
ولقد كان ذلك امتحاناً قاسياً لمقدار استقامته، وترفعه عن المغريات، وقدرته بعون الله على تخطي ما يصادف أهل المناصب حين يقعون في الشرك فيطوفون حول الحطام... فقد بلغ من أمره أن الناصر لما بنى مدينة "الزهراء" واستفرغ جهده في زخرفتها وتنميقها وإتقان قصورها، وكان من انهماكه بذلك أن تخلف مرة عن شهود الجمعة في المسجد الجامع بقرطبة، والمفروض أن يشهدها في المسجد الجامع لا في غيره بحكم ولايته. فلما حضر لصلاة الجمعة بعد افتتاح "الزهراء" –وكان ابن سعيد يلي الخطبة مع القضاء- وقام يخطب.. بدأ خطبته بقوله تعالى: [أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون، واتقواالذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم]سورة الشعراء: 128-135ومضى في هذه الطريقة والتذكير الخاشع، والموعظة المؤثرة، والقول البليغ في النفوس والقلوب –وما زال بالقوم حتى أخذ منهم الخشوع كل مأخذ، وضج المسجد على رحبه بالبكاء، وأخذ الخليفة من تلك الكلمات الإيمانية الصادقة بأوفر نصيب، فبكى وندم على ما حصل من التفريط، وكانت كل كلمة بالنسبة إليه سلاحاً ماضياً يعمل عمله متخطياً كل الحواجز والاعتبارات. وتلك هي سمة النفاذ في كلمة الحق، ومكمن القوة في صدق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين يعرف أهل العلم أن ذلك أول واجبات من أقامهم الله على ثغر فيه من ميراث النبوة مشابه.. وأن الحراسة الحقيقية لكيان الأمة بإسلامها إنما تكون بذلك...
غير أن الخليفة –على كل تأثره- وجد بعض الشيء على المنذر، وشكا ذلك لولده الحكم وقال –وقد أتعبته نفسه-: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف علي، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي وأقسم ألا يصلي خلفه صلاة الجمعة، فجعل يلزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة، ويجانب الصلاة في الزهراء. عند ذلك قال له الحكم: ما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك إذا كرهته؟ وهنا تبدت الأصالة وغلب الدين، إذ قال الخليفة للحكم بعد أن زجره: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه –لا أم لك- يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعاً مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكن أحرجني فأقسمت، ولوددت أن أجد سبيلاً إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظننا نعتاض عنه أبداً.
ألا ما أجدر هذه الشوامخ في تاريخنا، أن تكون مناراتٍ نهتدي بها في ظلمات الجاهلية والنفاق، ورحم الله الرجلين كليهما.. وجزى الله المنذر بن سعيد خير ما يجزي به العلماء العاملين الصادقين، وشكر الله للخليفة الناصر هذه الأوبة إلى الحق، وأنه لم يمل سلطان الحكم بينه وبين أن يقدر القاضي المنذر بن سعيد قدره لما أنه يخلص النصح لولي الأمر بحقائق الإسلام.

المصدر (http://www.odabasham.net/show.php?sid=9870)

الدكتور عزالدين المعيار
06-10-2008, 02:41 AM
تنبيه وتعقيب
هذا علم كبير من أعلام الأندلس وقطب لامع من أقطاب العلم والفكر والأدب بها وإذ يجب التنويه بهذا الاختيار فلا يفوتني أن أصحح معلومة تتعلق بوفاة الحكم المستنصر وهي {366هـ} وليس {355هـ} كما جاء في الموضوع
ويعتبر الحكم المستنصر من أعظم ملوك الأندلس بعد والده الناصر وكان عهده عهد تقدم وازدهار وهو في الوقت ذاته من كبار العلماء و صاحب أعظم مكتبة ملكية عرفها التاريخ قديما إلا ما ذكر عن مكتبة الناصر العباسي
أما سنة{355هـ} فهي تاريخ وفاة القاضي منذر بن سعيد البلوطي الخطيب البليغ الذي أنقذ الموقف يوم أرتج بين يدي الخليفة الناصر وولي عهده الحكم على أبي علي القالي البغدادي وغيره من كبار الأدباء فأتى بالشيء العجاب في قصة لا يتسع لها المجال في هذه العجالة...
وقد كان القاضي منذربن سعيد ظاهري المذهب ومع ذلك لم يكن يخرج في قضائه عن مذهب مالك ، وكان صلبا صارما غير هياب ولا جبان ، طالما انتقد الخليفة عبد الرحمن الناصر تصريحا أو تلويحا في مجالسه الخاصة بين وزرائه و أهل خدمته أو في المسجد الجامع على مسمع و مرأى من جموع المصلين فيما يتعلق بإسرافه في البناء والتشييد إلى درجة أن سأل مرة وزراءه وأقاربه وخدمه :" هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا أو قدر عليه ؟" - يريد اتخاذه لسقف القبيبة قراميد مغشاة ذهبا وفضة – فقالوا : لا يا أمير المومنين وإنك لواحد في شأنك كله وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه و لا انتهى إلينا خبره ...
وعندما سأل الناصر القاضي منذر بن سعيد لم يتمالك هذا الأخير أن بكى ثم أقبل عليه قائلا:" والله يا أمير المومنين ما ظننت أن الشيطان – لعنه الله – يبلغ منك هذا المبلغ ، و لا أن تمكنه من قلبك هذا التمكين ، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته ، وفضلك به على العالمين ، حتى ينزلك منازل الكافرين ..." إلى آخر الخبر الذي انتهى بنقض الناصر لسقف القبيبة

بنت الصحراء
06-10-2008, 12:58 PM
شكراً أستاذي الفاضل على التعقيب و التصحيح، فلقد شدني موقف القاضي منذر بن سعيد فلم أنتبه للتواريخ، ويبدو لي أن هذا الخطأ ليس من معد هذه الترجمة ، و إنما هو تداخل حدث في الكلمات ،ذلك أنه بحذف كلمة: الحكم ، بعد إلى أن توفي، يستقيم تاريخ وفاة القاضي منذربن سعيد-رحمه الله- ورب ضارة نافعة، فقد استفدنا بتدخلكم الكريم بأكثر مما جاء في المشاركة الأصلية.

عبْد العَزيز المَاجدْ
06-11-2008, 02:33 PM
بارك الله فيكم جميعا على هذا الموضوع الجميل ..للجبل الأشم والامام الورع الصادق بالحق المنذر بن سعيد

وان كنت انسى فلا انسى موقفه وكلمته البليغه التي اصبحت فيما بعد مثلا ..

وذالك انه لم كان يخطب للاستسقاء. والقحط اصاب قرطبة الحبيبة وعم البلاء قال لاحد اتباعه اذهب للناصر وانظر ماهي حاله الان وانظر امير المؤمنين مايفعل !!

.فلما دنى الغلام وقرب من قصر الناصر بالزهراء وجده يعفر وجهه بالارض ويدعو ربه سبحانه ويقول ..يارب لا تعذبهم بي ناصيتي بيدك ..

وسبحان الله رجع الغلام مستبشرا لشيخه وقص له ما راى فقال: ما رأيناه قط أخشع منه في يومنا هذا، إنه لمنفرد حائر لابس أخشن الثياب، مفترش التراب، قد رمى منه على رأسه وعلى


لحيته، يبكي ويستغفر ويقول: يا رب هذه ناصيتي بين يديك، فإن أذنبت أراك تعذب الرعية بذنبي وأنت أحكم الحاكمين، وأنت قادر عليّ لن يفوتك شيء مني؟ فتهلل وجه القاضي وقال لغلامه: اذهب فاحمل الممطر- أي المشمع- فقد أذن الله بالسقيا، وقال كلمتة البليغه التي اصبحت مثلا اليوم..

((الحمدالله أذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء )) فعلا وهي كذلك وماهي ساعه حتى عمهم الغيث ونزل المطر والخير

فرحم الله الامام المنذر بن سعيد والخليفة الناصر وجزاهم عن الأسلام خير الجزاء


وشكرا لكم

المقدسي
06-21-2008, 12:42 AM
بارك الله فيكم ..

على هذه المعلومات الجديدة والجميلة ..

تقبلوا فائق تحياتــــــــــــــــــــــــــــــــي