بنت الصحراء
06-12-2008, 08:49 PM
حواضر الأندلس و سكانها من خلال "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"
للدكتور.عبد القادر خليفي* (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn1)
الكاتب والكتاب:
أبو العباس أحمد بن محمد المقَّري التلمساني (986هـ ـ 1041هـ) (1578 ـ 1631م)، هو صاحب كتاب "نفح الطيب". وقد لد بتلمسان، ودرس على علماء مدينته، ثم رحل إلى مدينة فاس سنة (1010هـ/ 1600م) ليواصل دراسته هناك مدة من الزمن. رحل بعد ذلك إلى مراكش ليلتقي السلطان أحمد المنصور الذهبي، اشهر سلاطين السعديين وقمة مجدهم. ثم عاد إلى فاس في العام التالي، وبقي فيها خمسة عشر عاماً، حيث تولى الإمامة والخطابة والفتوى والتدريس في جامع القيروان. وكان يزور بلده تلمسان من حين لآخر.
وفي عام (1027هـ/ 1618م) اتجه إلى المشرق، فمر بطنجة ووصل إلى الإسكندرية بحراً، ومنها اتجه إلى الحجاز فأدى فريضة الحج، وعاد إلى القاهرة ثانية مروراً بفلسطين. وزار بعد ذلك دمشق، ودرّس بالجامع الأموي مدة قصيرة.
وهناك طلب منه علماء دمشق أن يؤلف لهم كتاباً حول سيرة لسان الدين بن الخطيب، فاستجاب لطلبهم وألف الكتاب وسماه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب"، وانتهى من تأليفه في ذي الحجة من سنة (1039هـ/ 1630م). لم يتمكن أبو العباس من حمل الكتاب إليهم، لأنه توفي بمصر في جمادى الثانية سنة (1041هـ/ 1632م). ودفن بجوار الأزهر الشريف، وترك حوالي اثني عشر مؤلفاً في النثر والشعر.
أما كتابه "نفح الطيب" فيعد موسوعة تاريخية ومَعْلمة أدبية نادرة، لا يمكن الاستغناء عنها عند دراسة التاريخ والأدب والجغرافيا الخاصة ببلاد الأندلس.
أهمية الجغرافيا في كتاب "نفح الطيب":
أعطى المقري أهمية كبيرة للجغرافيا في كتابه "نفح الطيب"، فتحدث عن المدن الأندلسية وسكانها، وذلك بعد أن حدد مفهوم كلمة (أندلس) اعتماداً على أقوال بعض المؤرخين، ثم قام بوصف مناخ تلك البلاد، وبين مساحتها وحدد أراضيها وأول من سكنها.
والواقع أن المدينة هي المكان المستقر الذي يقع فيه الحادث، وفكرة المكان هي أبسط ما توحي به الجغرافيا، لذلك فإن الحديث عن المدينة أو المكان هو توطئة وتكملة للحادث.
وتاريخ الإقليم المحدد هو تاريخٌ مرتبط بعضه ببعض في وحدة متكاملة، أي أن الحادث مرتبط أشد الارتباط بمحيطه.
أما السكان فهم المتسببون في الحادث، المسيرون له، الفاعلون فيه. ودراسة المكان وسكانه تتمثل في الوصف والتعليل، وربط كل ظاهرة بشرية بالعلاقات التي تربطها بالوسط المحيط بالإنسان.
لقد بدأ المقري حديثه عن الأندلس بقوله: "محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غبارُه وأنّى تُجارى، وهي الحائزة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق"([1] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn2)).
وهكذا فإن هذه العبارة تعتبر تلخيصاً لما سيقوله المقري عن بلاد الأندلس عامة، فهو حديث إطراء ومدح، يُختتم أحياناً بالدعاء لعودتها إلى رحاب الإسلام.
أ ـ وصف المدن:
يتطرق المقري إلى عدة مواضيع مرتبطة بالمدن، كذكر أبعادها، والمسافات التي تفصل بعضها عن بعض، كما يتعرض لمحيطها الطبيعي من جبال وأنهار ومناخ، ويذكر أعمال المدن أو القرى والمداشر التابعة لهذه المدينة أو تلك. ويولي أهمية كبيرة لمختلف عناصر الحسن الميزة لكل مدينة، ويتعرض أخيراً لخراب بعض المدن واندثار أثرها.
وفيما يخص الأبعاد يورد المقري قول أحدهم فيما يلي: طول الأندلس ثلاثون يوماً، وعرضها تسعة أيام([2] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn3)). ويقول في مكان آخر ـ نقلاً عن ابن بطوطة ـ: وخارجها ـ أي غرناطة ـ لا نظير له، وهو مسيرة أربعين ميلاً([3] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn4)).
وعن قرطاجنة يقول على لسان صاحب مناهج الفكر في الحيل لابن مرزوق: "لها فحص طوله ستة أيام وعرضه يومان معمور بالقرى([4] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn5)).
وعن بلدة أكشونية، التي هي من أعمال شِلب، يذكر أن بينها وبين قرطبة مسيرة سبعة أيام([5] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn6)). وعن محيط مدينة سرقسطة يقول: "والبساتين محدقة بها من كل ناحية ثمانية أميال، ولها أعمال كثيرة: مدن وحصون وقرى، مسافة أربعين ميلاً([6] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn7)).
فالمسافات عند المقري تحدد بعدد الأيام حيناً، وبالأميال حيناً آخر، وذلك هو المتعارف عليه في ذلك العهد.
أما عن المظاهر الطبيعية المحيطة بالمدن كالأنهار والجبال فيأتي بها المقري من حين لآخر. من ذلك ذكره للنهر المسمى "شنيل" الذي يجتاز غرناطة، والذي عليه قناطر يُجتاز عليها. وعن موقع إشبيلية يقول إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة وعليه جسر مربوط بالسفن([7] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn8)).
ومن الجبال يذكر جبل شلير المغطى بالثلج، والواقع إلى الشرق من غرناطة، وأن هذا الثلج لا يزول عنه شتاء ولا صيفاً، وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة وأجناس الأفاويه الرفيعة([8] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn9)). وعن محيط قرطبة الطبيعي يورد المقري قولاً لأحد رؤساء الجند جواباً عن سؤال طرحه عليه أحد السلاطين ـ يعقوب المنصور ـ وهو: "جوفها شِمام، وغربها فمام، وقبلتها مُدام، والجنة هي والسلام".
والشمام هي جبال الورد، والفمام هي الأراضي المحروثة في الأرياف، والمُدام يعني به النهر المعروف بـ"الوادي الكبير". وهكذا فإن الطبيعية هي التي تعطي للمدينة ميزة معينة، فهي السيدة والمسيطرة في هذه الحالة، إذ العوامل الطبيعية تتحكم حتى في التاريخ، كالمناخ والتضاريس والمياه. وهي إما مساعدة للتقدم والرقي أو معرقلة له([9] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn10)).
كما أنها قد تضفي على المكان جلالاً وهيبة من الحسن والجمال أو ظلالاً من الحزن والقبح. وقد أبرز المقري جمال المدن، وأظهر عناصر الحسن فيها من خلال كثير من المواقف اعتماداً على أقوال عدة مؤرخين كتبوا عن الأندلس ومدنها.
فعن غرناطة يقول: هي من أحسن بلاد الأندلس ومن أشهرها، وتسمى دمشق الأندلس، لأنها شبيهة بها([10] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn11)).
وعن مدينة بلنسية يورد قولاً لابن سعيد، وهو أن كورَتَها تنبت الزعفران، وأنها تعرف بمدينة التراب، وبها كمثرى يسمّى الأرزة في قدر حبة العنب، يجمع حلاوة المطعم وذكاء الرائحة، إذا دخل داراً عُرف بريحه. ويقال إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد الأندلس، وإن بها مسارح ومنارة، وأبدع ما فيها الرُّصافة ومنية أبي عامر..([11] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn12))
وعن مدينة سرقسطة يذكر أنه "ليس في بلاد الأندلس أكثر فاكهة منها ولا أطيب طعماً ولا أكبر جرماً". ويُظهر كيف تحيط بها البساتين بأشجارها الباسقة، مما يجعلها تضاهي مدن العراق، وبالجملة فأمرها عظيم.
وعن أشبيلية يقول: إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها، تشتهر بالأدب واللهو والطرب، وتقع على ضفة النهر الكبير، وإنها عظيمة الشأن طيبة المكان. لها البر المديد والبحر الساكن والوادي العظيم، ولو لم يكن لها من الشرف إلا الشرف (أي الجبل المطل عليها)، المشهور بالزيتون الكثير، لكفى.
ويستشهد برأي ابن مفلح عن المدينة نفسها، والذي يقول: إنها عروس بلاد الأندلس لأن تاجها الشرف، وفي عنقها سمط النهر الأعظم الذي لا يضاهيه في الحسن أي نهر على وجه الأرض.
كما يذكر المقري أعمال المدن وما يدخل تحت حكمها ويضاف إليها من قرى "ومَداشِر"، ويسميها أحياناً بالكوَر([12] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn13))، وذلك استكمالاً لما قيل عن المدن ـ مراكز الإدارة والسيادة ـ فيذكر مثلاً من أعمال غرناطة بلدة لوشة وباغُه ووادي آش، ويذكر حِصن جليانة وهو من أعمال وادي آش الكثير التفاح.
أما عن توابع إشبيلية فيذكر أن متفرجاتها ومنتزهاتها كثيرة، منها مدينة طريانة وكذلك تَيْطل.
ومن قرى وأعمال بلنسية المَنصف وبَطَرنة ومنيطة وأندة. ويعدد ما اشتهرت به كل منها من مُعلم أو عالم أو قول مأثور..
وإذا كان المقري قد أفاض في ذكر محاسن المدن الأندلسية ومميزاتها، فإنه ذكر أيضاً حالتها بعد اندثارها.
فعن خراب الزهراء وصيرورتها مأوى الطير والوحش يذكر شعراً لأحدهم، وهو:
ديار كأكناف الملاعب تلمع****وما إن بها من ساكن وهي بَلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب****فيصمت أحياناً وحيناً يُرجِّع([13] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn14))
ويتحدث عن سقوط قرطبة واندثارها، ويذكر ما أصابها من خراب، على إثر فتنة سنة 400هـ الموافقة لسنة 1009 ـ 1010م، بين البربر بقيادة سليمان بن الناصر من جهة، والخليفة المهدي محمد بن عبد الجبار الذي اعتمد على العامة من أهل قرطبة من جهة ثانية([14] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn15)).
ويذكر سقوطها بيد الأسبان في الثاني من شهر يناير سنة 1492م على إثر حصار طويل، ويعتبر المقري ذلك الطامة الكبرى.
وعن الزاهرة يذكر أن المهدي ـ محمد بن هشام بن عبد الجبار ـ والعامة، قاموا على عبد الرحمن الملقب بشنغول، مما أدى إلى انقراض دولة بني آل عامر، وهدم الزاهرة ونهبها. ومن العجائب التي يذكرها عن سرقسطة أن المدينة لا يدخلها ثعبان من نفسه، وإذا أدخله أحد إليها لم يتحرك([15] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn16)). وأنه ما دخلتها حية أو عقرب إلا ماتت. وأن الطعام لا يعفن فيها ولا يتسوس الخشب فيها ولا ثياب الصوف أو الحرير أو الكتان([16] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn17)).
ومن الغرائب التي يذكرها ما يسميها بـ: "بيلتا طليطلة" وهما نافورتان، صنعهما عبد الرحمن([17] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn18)) عندما سمع بخبر الطّلسم الموجود بأرين ببلاد الهند، والذي يدور بأصبعه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لذلك صنع هاتين البيلتين خارج طليطلة "في بيت مجوف في جوف النهر الأعظم مع زيادة القمر ونقصانه، وذلك أن أول إنهلال الهلال يخرج فيهما يسير ماء، فإذا أصبح كان فيها (رُبع) سبعهما من الماء، فإذا كان آخر النهار كمل فيهما نصف سبع، ولا يزال كذلك بين اليوم والليلة نصف سبع حتى يكمل من الشهر سبعة أيام وسبع ليال، فيكون فيهما نصفهما. ولا تزال كذلك الزيادة نصف سبع اليوم والليلة حتى يكمل إملاؤها بكمال القمر كل يوم وليلة نصف سبع (حتى يتم القمر واحداً وعشرين يوماً فينقص منهما نصفهما، ولا يزال كذلك ينقص في كل يوم وليلة نصف سبع)، فإذا كان تسعة وعشرون من الشهر لا يبقى فيهما شيء من الماء"([18] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn19)).
ونختم حديث المقري عن المدن بقول أحد المؤرخين حسبما جاء في كتاب نفح الطيب وهو أن "طول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضها ستة أيام، ويشقها أربعون نهراً كباراً، وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى، وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار، وأزيد من ثلاثمائة من المتوسطة. وفيها الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة، حتى قيل: إن عدد القرى التي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألف قرية. وليس في معمور الأرض صُقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعاً من يومه إلا الأندلس"([19] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn20)).
لقد ازدهرت المدينة الأندلسية وبخاصة منذ تولي عبد الرحمن الداخل الحكم في قرطبة، والذي نُعتت فترة حكمه بالعصر الذهبي للأندلس الإسلامية. كما اهتم بالعمران من بعده أربعة حكام تعاقبوا بعده، فتابعوا إتمام العمل الذي قام به عبد الرحمن الداخل منذ عام 785م.
وتشهد الآثار المتبقية إلى اليوم على روعة المدينة الإسلامية في الأندلس، وبخاصة العناصر الزخرفية المنحوتة في مساجدها وقصورها، كمسجد قرطبة وقصر الحمراء والزهراء وغيرها. مما خلق فناً عربياً أندلسياً "حاملاً لشخصية مستقلة لا علاقة لها بالفنون التي كانت قائمة في عهد الفندال أو الفيزيكوت. على الرغم من وجود عدد كبير من السوريين الذين كانوا قد استوطنوا، وكان لهم الفضل في إنشاء فن العمارة الرومي أو الرومانسك"([20] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn21)).
إن "دراسة النتاج المعماري عبر الزمن لابد أن يهتم بتشخيص العوامل التي أثرت في كل فترة زمنية من أجل استنباط قواعد فكرية وشاملة لنظرية التصميم العمراني"([21] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn22)).
وتعتبر فترة الحكم الإسلامي في الأندلس والتي تجاوزت الثمانية قرون، جديرة بكل دراسة متأنية وعميقة تتوخى الوصول إلى تفسير للفضاء المعماري، ووضع القواعد التصميمية له.
يتبع
للدكتور.عبد القادر خليفي* (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn1)
الكاتب والكتاب:
أبو العباس أحمد بن محمد المقَّري التلمساني (986هـ ـ 1041هـ) (1578 ـ 1631م)، هو صاحب كتاب "نفح الطيب". وقد لد بتلمسان، ودرس على علماء مدينته، ثم رحل إلى مدينة فاس سنة (1010هـ/ 1600م) ليواصل دراسته هناك مدة من الزمن. رحل بعد ذلك إلى مراكش ليلتقي السلطان أحمد المنصور الذهبي، اشهر سلاطين السعديين وقمة مجدهم. ثم عاد إلى فاس في العام التالي، وبقي فيها خمسة عشر عاماً، حيث تولى الإمامة والخطابة والفتوى والتدريس في جامع القيروان. وكان يزور بلده تلمسان من حين لآخر.
وفي عام (1027هـ/ 1618م) اتجه إلى المشرق، فمر بطنجة ووصل إلى الإسكندرية بحراً، ومنها اتجه إلى الحجاز فأدى فريضة الحج، وعاد إلى القاهرة ثانية مروراً بفلسطين. وزار بعد ذلك دمشق، ودرّس بالجامع الأموي مدة قصيرة.
وهناك طلب منه علماء دمشق أن يؤلف لهم كتاباً حول سيرة لسان الدين بن الخطيب، فاستجاب لطلبهم وألف الكتاب وسماه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب"، وانتهى من تأليفه في ذي الحجة من سنة (1039هـ/ 1630م). لم يتمكن أبو العباس من حمل الكتاب إليهم، لأنه توفي بمصر في جمادى الثانية سنة (1041هـ/ 1632م). ودفن بجوار الأزهر الشريف، وترك حوالي اثني عشر مؤلفاً في النثر والشعر.
أما كتابه "نفح الطيب" فيعد موسوعة تاريخية ومَعْلمة أدبية نادرة، لا يمكن الاستغناء عنها عند دراسة التاريخ والأدب والجغرافيا الخاصة ببلاد الأندلس.
أهمية الجغرافيا في كتاب "نفح الطيب":
أعطى المقري أهمية كبيرة للجغرافيا في كتابه "نفح الطيب"، فتحدث عن المدن الأندلسية وسكانها، وذلك بعد أن حدد مفهوم كلمة (أندلس) اعتماداً على أقوال بعض المؤرخين، ثم قام بوصف مناخ تلك البلاد، وبين مساحتها وحدد أراضيها وأول من سكنها.
والواقع أن المدينة هي المكان المستقر الذي يقع فيه الحادث، وفكرة المكان هي أبسط ما توحي به الجغرافيا، لذلك فإن الحديث عن المدينة أو المكان هو توطئة وتكملة للحادث.
وتاريخ الإقليم المحدد هو تاريخٌ مرتبط بعضه ببعض في وحدة متكاملة، أي أن الحادث مرتبط أشد الارتباط بمحيطه.
أما السكان فهم المتسببون في الحادث، المسيرون له، الفاعلون فيه. ودراسة المكان وسكانه تتمثل في الوصف والتعليل، وربط كل ظاهرة بشرية بالعلاقات التي تربطها بالوسط المحيط بالإنسان.
لقد بدأ المقري حديثه عن الأندلس بقوله: "محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غبارُه وأنّى تُجارى، وهي الحائزة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق"([1] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn2)).
وهكذا فإن هذه العبارة تعتبر تلخيصاً لما سيقوله المقري عن بلاد الأندلس عامة، فهو حديث إطراء ومدح، يُختتم أحياناً بالدعاء لعودتها إلى رحاب الإسلام.
أ ـ وصف المدن:
يتطرق المقري إلى عدة مواضيع مرتبطة بالمدن، كذكر أبعادها، والمسافات التي تفصل بعضها عن بعض، كما يتعرض لمحيطها الطبيعي من جبال وأنهار ومناخ، ويذكر أعمال المدن أو القرى والمداشر التابعة لهذه المدينة أو تلك. ويولي أهمية كبيرة لمختلف عناصر الحسن الميزة لكل مدينة، ويتعرض أخيراً لخراب بعض المدن واندثار أثرها.
وفيما يخص الأبعاد يورد المقري قول أحدهم فيما يلي: طول الأندلس ثلاثون يوماً، وعرضها تسعة أيام([2] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn3)). ويقول في مكان آخر ـ نقلاً عن ابن بطوطة ـ: وخارجها ـ أي غرناطة ـ لا نظير له، وهو مسيرة أربعين ميلاً([3] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn4)).
وعن قرطاجنة يقول على لسان صاحب مناهج الفكر في الحيل لابن مرزوق: "لها فحص طوله ستة أيام وعرضه يومان معمور بالقرى([4] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn5)).
وعن بلدة أكشونية، التي هي من أعمال شِلب، يذكر أن بينها وبين قرطبة مسيرة سبعة أيام([5] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn6)). وعن محيط مدينة سرقسطة يقول: "والبساتين محدقة بها من كل ناحية ثمانية أميال، ولها أعمال كثيرة: مدن وحصون وقرى، مسافة أربعين ميلاً([6] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn7)).
فالمسافات عند المقري تحدد بعدد الأيام حيناً، وبالأميال حيناً آخر، وذلك هو المتعارف عليه في ذلك العهد.
أما عن المظاهر الطبيعية المحيطة بالمدن كالأنهار والجبال فيأتي بها المقري من حين لآخر. من ذلك ذكره للنهر المسمى "شنيل" الذي يجتاز غرناطة، والذي عليه قناطر يُجتاز عليها. وعن موقع إشبيلية يقول إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة وعليه جسر مربوط بالسفن([7] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn8)).
ومن الجبال يذكر جبل شلير المغطى بالثلج، والواقع إلى الشرق من غرناطة، وأن هذا الثلج لا يزول عنه شتاء ولا صيفاً، وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة وأجناس الأفاويه الرفيعة([8] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn9)). وعن محيط قرطبة الطبيعي يورد المقري قولاً لأحد رؤساء الجند جواباً عن سؤال طرحه عليه أحد السلاطين ـ يعقوب المنصور ـ وهو: "جوفها شِمام، وغربها فمام، وقبلتها مُدام، والجنة هي والسلام".
والشمام هي جبال الورد، والفمام هي الأراضي المحروثة في الأرياف، والمُدام يعني به النهر المعروف بـ"الوادي الكبير". وهكذا فإن الطبيعية هي التي تعطي للمدينة ميزة معينة، فهي السيدة والمسيطرة في هذه الحالة، إذ العوامل الطبيعية تتحكم حتى في التاريخ، كالمناخ والتضاريس والمياه. وهي إما مساعدة للتقدم والرقي أو معرقلة له([9] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn10)).
كما أنها قد تضفي على المكان جلالاً وهيبة من الحسن والجمال أو ظلالاً من الحزن والقبح. وقد أبرز المقري جمال المدن، وأظهر عناصر الحسن فيها من خلال كثير من المواقف اعتماداً على أقوال عدة مؤرخين كتبوا عن الأندلس ومدنها.
فعن غرناطة يقول: هي من أحسن بلاد الأندلس ومن أشهرها، وتسمى دمشق الأندلس، لأنها شبيهة بها([10] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn11)).
وعن مدينة بلنسية يورد قولاً لابن سعيد، وهو أن كورَتَها تنبت الزعفران، وأنها تعرف بمدينة التراب، وبها كمثرى يسمّى الأرزة في قدر حبة العنب، يجمع حلاوة المطعم وذكاء الرائحة، إذا دخل داراً عُرف بريحه. ويقال إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد الأندلس، وإن بها مسارح ومنارة، وأبدع ما فيها الرُّصافة ومنية أبي عامر..([11] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn12))
وعن مدينة سرقسطة يذكر أنه "ليس في بلاد الأندلس أكثر فاكهة منها ولا أطيب طعماً ولا أكبر جرماً". ويُظهر كيف تحيط بها البساتين بأشجارها الباسقة، مما يجعلها تضاهي مدن العراق، وبالجملة فأمرها عظيم.
وعن أشبيلية يقول: إنها قاعدة بلاد الأندلس وحاضرتها، تشتهر بالأدب واللهو والطرب، وتقع على ضفة النهر الكبير، وإنها عظيمة الشأن طيبة المكان. لها البر المديد والبحر الساكن والوادي العظيم، ولو لم يكن لها من الشرف إلا الشرف (أي الجبل المطل عليها)، المشهور بالزيتون الكثير، لكفى.
ويستشهد برأي ابن مفلح عن المدينة نفسها، والذي يقول: إنها عروس بلاد الأندلس لأن تاجها الشرف، وفي عنقها سمط النهر الأعظم الذي لا يضاهيه في الحسن أي نهر على وجه الأرض.
كما يذكر المقري أعمال المدن وما يدخل تحت حكمها ويضاف إليها من قرى "ومَداشِر"، ويسميها أحياناً بالكوَر([12] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn13))، وذلك استكمالاً لما قيل عن المدن ـ مراكز الإدارة والسيادة ـ فيذكر مثلاً من أعمال غرناطة بلدة لوشة وباغُه ووادي آش، ويذكر حِصن جليانة وهو من أعمال وادي آش الكثير التفاح.
أما عن توابع إشبيلية فيذكر أن متفرجاتها ومنتزهاتها كثيرة، منها مدينة طريانة وكذلك تَيْطل.
ومن قرى وأعمال بلنسية المَنصف وبَطَرنة ومنيطة وأندة. ويعدد ما اشتهرت به كل منها من مُعلم أو عالم أو قول مأثور..
وإذا كان المقري قد أفاض في ذكر محاسن المدن الأندلسية ومميزاتها، فإنه ذكر أيضاً حالتها بعد اندثارها.
فعن خراب الزهراء وصيرورتها مأوى الطير والوحش يذكر شعراً لأحدهم، وهو:
ديار كأكناف الملاعب تلمع****وما إن بها من ساكن وهي بَلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب****فيصمت أحياناً وحيناً يُرجِّع([13] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn14))
ويتحدث عن سقوط قرطبة واندثارها، ويذكر ما أصابها من خراب، على إثر فتنة سنة 400هـ الموافقة لسنة 1009 ـ 1010م، بين البربر بقيادة سليمان بن الناصر من جهة، والخليفة المهدي محمد بن عبد الجبار الذي اعتمد على العامة من أهل قرطبة من جهة ثانية([14] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn15)).
ويذكر سقوطها بيد الأسبان في الثاني من شهر يناير سنة 1492م على إثر حصار طويل، ويعتبر المقري ذلك الطامة الكبرى.
وعن الزاهرة يذكر أن المهدي ـ محمد بن هشام بن عبد الجبار ـ والعامة، قاموا على عبد الرحمن الملقب بشنغول، مما أدى إلى انقراض دولة بني آل عامر، وهدم الزاهرة ونهبها. ومن العجائب التي يذكرها عن سرقسطة أن المدينة لا يدخلها ثعبان من نفسه، وإذا أدخله أحد إليها لم يتحرك([15] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn16)). وأنه ما دخلتها حية أو عقرب إلا ماتت. وأن الطعام لا يعفن فيها ولا يتسوس الخشب فيها ولا ثياب الصوف أو الحرير أو الكتان([16] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn17)).
ومن الغرائب التي يذكرها ما يسميها بـ: "بيلتا طليطلة" وهما نافورتان، صنعهما عبد الرحمن([17] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn18)) عندما سمع بخبر الطّلسم الموجود بأرين ببلاد الهند، والذي يدور بأصبعه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لذلك صنع هاتين البيلتين خارج طليطلة "في بيت مجوف في جوف النهر الأعظم مع زيادة القمر ونقصانه، وذلك أن أول إنهلال الهلال يخرج فيهما يسير ماء، فإذا أصبح كان فيها (رُبع) سبعهما من الماء، فإذا كان آخر النهار كمل فيهما نصف سبع، ولا يزال كذلك بين اليوم والليلة نصف سبع حتى يكمل من الشهر سبعة أيام وسبع ليال، فيكون فيهما نصفهما. ولا تزال كذلك الزيادة نصف سبع اليوم والليلة حتى يكمل إملاؤها بكمال القمر كل يوم وليلة نصف سبع (حتى يتم القمر واحداً وعشرين يوماً فينقص منهما نصفهما، ولا يزال كذلك ينقص في كل يوم وليلة نصف سبع)، فإذا كان تسعة وعشرون من الشهر لا يبقى فيهما شيء من الماء"([18] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn19)).
ونختم حديث المقري عن المدن بقول أحد المؤرخين حسبما جاء في كتاب نفح الطيب وهو أن "طول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضها ستة أيام، ويشقها أربعون نهراً كباراً، وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى، وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار، وأزيد من ثلاثمائة من المتوسطة. وفيها الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة، حتى قيل: إن عدد القرى التي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألف قرية. وليس في معمور الأرض صُقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعاً من يومه إلا الأندلس"([19] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn20)).
لقد ازدهرت المدينة الأندلسية وبخاصة منذ تولي عبد الرحمن الداخل الحكم في قرطبة، والذي نُعتت فترة حكمه بالعصر الذهبي للأندلس الإسلامية. كما اهتم بالعمران من بعده أربعة حكام تعاقبوا بعده، فتابعوا إتمام العمل الذي قام به عبد الرحمن الداخل منذ عام 785م.
وتشهد الآثار المتبقية إلى اليوم على روعة المدينة الإسلامية في الأندلس، وبخاصة العناصر الزخرفية المنحوتة في مساجدها وقصورها، كمسجد قرطبة وقصر الحمراء والزهراء وغيرها. مما خلق فناً عربياً أندلسياً "حاملاً لشخصية مستقلة لا علاقة لها بالفنون التي كانت قائمة في عهد الفندال أو الفيزيكوت. على الرغم من وجود عدد كبير من السوريين الذين كانوا قد استوطنوا، وكان لهم الفضل في إنشاء فن العمارة الرومي أو الرومانسك"([20] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn21)).
إن "دراسة النتاج المعماري عبر الزمن لابد أن يهتم بتشخيص العوامل التي أثرت في كل فترة زمنية من أجل استنباط قواعد فكرية وشاملة لنظرية التصميم العمراني"([21] (http://www.awu-dam.org/trath/91/turath91-018.htm#_edn22)).
وتعتبر فترة الحكم الإسلامي في الأندلس والتي تجاوزت الثمانية قرون، جديرة بكل دراسة متأنية وعميقة تتوخى الوصول إلى تفسير للفضاء المعماري، ووضع القواعد التصميمية له.
يتبع