بنت الصحراء
06-17-2008, 01:40 AM
مأساة شاعِر ملك المعتمد بن عبّاد
لـ: عيسى فتوح
ما إن وطئت قدماي أرض إشبيلية صيف عام 1980، ولاحت لي عن كثب أبراج القصر العربي وبرج الذهب، ومئذنة "الخير الدا" الشامخة بعنفوان إلى السماء، وتهادت أمامي أمواج نهر "الوادي الكبير"، حتى قفزت إلى ذاكرتي مأساة شاعرها وملكها المعتمد بن عباد الذي حكم بها ردحاً من الزمن، وأقام "البازي الأشهب" رئيساً لحرسه – وكان هذا مغواراً مَخِّوفاً – واستسلم بعد أن ملك إلى حياة اللهو والعبث والمجون.
عاشت إشبيلية في عهد ملوك الطوائف تحت حكم بني عباد الذين أعقبوا بني جهور، وكان أول من تولى الحكم منهم إسماعيل بن عباد اللخمي الذي اختاره أهل إشبيلية بالإجماع لحصافة عقله، وعلو همته، وحسن تدبيره، ثم خلفه ابنه المعتضد فسار على نهج أبيه في الإصلاح، ونشر العدل، ولكنه استبد وحده في الأمور، وكان صارماً، قاسياً، شديد الدهاء، نكل بوزرائه واحداً بعد الآخر، فمنهم من أماته صبراً، ومنهم من أماته خمولاً وفقراً، ومنهم من شرده ونفاه عن البلاد، وظل كذلك حتى توفي عام 464هـ.
وقام بالأمر بعده على إشبيلية ابنه أبو القاسم المعتمد بن عباد الذي كانت حياته كرماً وأدباً وملهاة انتهت بمأساة مفجعة، كأكثر الملوك والنبلاء الذين ينغمسون في المجون، ويغرقون في الترف والنعيم إلى أذانهم دون أن يحصنوا ملكهم بما يحتاج من قوة ومن إعداد وإحكام.
تولى الملك عام 464هـ وعمره سبع وثلاثون سنة، فجمع حوله الأدباء والشعراء، وراح يوزع عليهم الهبات، ويغدق العطاءات السخية، فاجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس، وكان هو نفسه شاعراً مجيداً، فآلى على نفسه ألا يستوزر وزيراً إلا إذا كان أديباً شاعراً، حسن الأدوات، ولذلك استوزر ابن زيدون، فاستطاع بمساعدته أن يخضع قرطبة لسلطانه، ويخلع عن عرشها ابن جهود. كذلك استوزر ابن عمار، وهو أحد الشعراء المجيدين، فصادقه وجعله من خاصة أصفيائه. وكان من جملة شعرائه أيضاً ابن وهبون المرسي، قربه لجودة شعره، وبعد أن سمع قوله:
قل الوفاء فما تلقاه في أحد****ولا يمر لمخلوق على بال
وصار عندهم عنقاء مغربة****أو مثل ما حدّثوا عن ألف مثقال
كان ابن عباد شاعراً رقيق الشعر، أنيس المجلس، يحب الشعراء ويرعاهم. نظم الشعر في غرامياته وفروسيته وحروبه، وبعد مأساته التي جاءت على يد يوسف بن تاشفين، أمير المرابطين في المغرب، ومن جيد قوله:
علل فؤادك قد أبلّ عليل ****وأغنم حياتك فالبقاء قليل*
لو أن عمرك ألف عام كامل ***ما كان حقاً أن يقال طويل
أكذا يقود بك الأسى نحو الردى*** والعود عود والشَمول شَمول
لا يستبيح الهم نفسك عنوة*** والكأس سيف في يديك صقيل
بالعقل تزدحم الهموم على الحشا*** فالعقل عندي أن تزول عقول
وبينما هو يوماً في قبة له يكتب أو يطالع، وعنده بعض كرائمه، دخلت عليه الشمس من بعض الكوى الكائنة فيها، فقامت جارية دونه تستره من الشمس فقال:
قامت لتحجب ضوء الشمس قامتها****عن ناظري، حُجبت عن ناظرِ الغيرِ
علماً لعَمرُكَ منها أنها قمر****هل تحجب الشمسَ إلا غرةُ القمرِ؟
وكانت جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه، والكأس في يدها، إذ لمع البرق، فأرتاعت فقال:
ريعت من البرق وفي كفها**** برق من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى**** كيف من الأنوار ترتاع؟
كان أبناء المعتضد كلهم شعراء، وخاصة الراضي الرقيق صاحب "رندة"، لكن المعتمد – كما يقول المستشرق الإسباني إميليو غارسياً غومس – بذهم جميعاً، وفاق كل معاصريه في ذلك المضمار، لأنه كان يمثل الشعر من ثلاثة وجوه: أولها أنه كان ينظم شعراً يثير الإعجاب، وثانيها أن حياته نفسها كانت شعراً حياً، وثالثها أنه كان راعي شعراء الأندلس أجمعين، بل شعراء الغرب الإسلامي كله، فإلى بلاطه لجأ شعراء أفريقية وصقلية عندما غزا النورمان بلادهم واستولوا على بعضها وتهددوا الباقي.
كانت حياة المعتمد عجيبة حقاً، منذ أن كان أميراً وعاملاً لأبيه على "شلب" وحاكماً على إقليم الجوف البرتغالي كله، وهناك طابت له الأيام في صحبة صديقه الحميم أبي بكر بن عمار الذي عاد فحقد عليه، ثم غدر به بعد أن استوزره، لأنه قال:
مما يزهدني في أرض أندلس****أسماء معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها***كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
عندما اعتلى المعتمد عرش أبيه، تلألأت الأنوار في صفحة الوادي الكبير، وفاضت بالموسيقى جوانب قصوره البيضاء، ثم تزوج من جارية تدعى "الرميكية" استطاعت أن تجيز شطر بيت ارتجله، وكان قد سأل صاحبه ابن عمار ليجيزه، فارتج عليه، فأجازته هي على البديهة، وهي تغسل في النهر، على مقربة من "فحص الفضة". وعندما جمحت بها إحدى نزواتها، فتمنت لو سارت في الطين برجليها، نشر لها الكافور والعنبر على الحصباء، وصنع لها منهما طيناً، ويقال إنها هي التي أغرت المعتمد بقتل ابن عمار لما هجاه بقصيدة ذكرها فيها بقوله:
تخيرتها من بنات الهجان****رميكية ما تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير العذار****لئيم النجارين: عما وخالا
قصار القدود ولكنهم ****أقاموا عليها قروناً طوالا
***
بدأت مأساة المعتمد عندما هاجم ألفونسو السادس ملك قشتالة مدينة إشبيلية، وكاد يستولي عليها، فاستنجد المعتمد بيوسف بن تاشفين أمير المرابطين في المغرب، فاجتاز البحر على رأس جيش جرار، ودحر ألفونسو في معركة "الزلاقة" التي انتصر فيها انتصاراً ساحقاً عام 479هـ 1086م، ثم عاد ابن تاشفين بجيشه إلى المغرب، تاركاً المعتمد في إشبيلية يوالي حياة الترف والبذخ واللهو والمجون.
لكن ابن تاشفين عاد بعد سنتين إلى الأندلس واستولى عليها كلها، وأنهى دولة بني عباد لإزالة دول الطوائف بعد أن استشرى فسادها وتهاونها، وأخذ المعتمد أسيراً مع أسرته وأرسله مكبلاً بالقيود إلى طنجة، ثم إلى مراكش، فسجن "أغمات" عند سفوح جبال الأطلس، حيث راح هناك يسترجع صور قصوره الإشبيلية، وما كان يزينها من شجر الزيتون، مترجماً بشعره كل لحظة من حياته السالفة، ونادباً حظه حتى وافاه أجله عام 488هـ، في دور اتخذت له من الطين تحت أغصان النخيل، بعد أن حكم عشرين عاماً.
ولم يكتف ابن تاشفين بأسره وإذلاله، بل قتل جميع أبنائه الذكور، وأذل زوجته وبناته، فصرن يغزلن للناس من أجل لقمة العيش. يقول وقد جاءه العيد وهو في ذل الأسر:
في ما مضى كنتَ بالأعياد مسروراً ****فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتِك في الأطمار جائعةً **** يغزلن للناسِ لا يملكن قِطميرا
قد كان دهرك أن تأمره ممتثلاً**** فردّك الدهر منهيَّاً ومأمورا
كما صار يشتهي الموت في أواخر أيامه، ويفضله على حياة الذل والأسر والقهر، فكيف يرغب في العيش من يرى بناته عاريات حافيات الأقدام، بعد أن كن يرفلن بالحرير والدمقس؟:
دعا لي بالبقاء وكيف يهوى**** أسير أن يطول به البقاء؟
أليس الموت أروح من حياة****يطول على الأسير بها الشقاء؟
أأرغب أن أعيش أرى بناتي****عواريَ، قد أضر بها الحفاء؟
تعد القصائد التي قالها المعتمد بن عباد في منفاه، وهو في "أغمات"، وصوّر فيها مرارات السجن وآلام النفي والتي يذكرنا فيها بروميات أبي فراس الحمداني، من روائع الشعر العالمي، فلنسمعه يخاطب قيده:
قيدي، أما تعلمني مسلماً****أبيتَ أن تشفق أو ترحما؟
دمي شراب لك واللحم قِد****أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم ****فينثني القلب وقد هشما
ارحم طفيلاً طائشاً لبه ****لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيات له مثله **** جرعتهن السمّ والعلقما
منهن من يفهم شيئاً فقد****خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئاً فما****يفتح إلا للرضاع فما
يتبع
لـ: عيسى فتوح
ما إن وطئت قدماي أرض إشبيلية صيف عام 1980، ولاحت لي عن كثب أبراج القصر العربي وبرج الذهب، ومئذنة "الخير الدا" الشامخة بعنفوان إلى السماء، وتهادت أمامي أمواج نهر "الوادي الكبير"، حتى قفزت إلى ذاكرتي مأساة شاعرها وملكها المعتمد بن عباد الذي حكم بها ردحاً من الزمن، وأقام "البازي الأشهب" رئيساً لحرسه – وكان هذا مغواراً مَخِّوفاً – واستسلم بعد أن ملك إلى حياة اللهو والعبث والمجون.
عاشت إشبيلية في عهد ملوك الطوائف تحت حكم بني عباد الذين أعقبوا بني جهور، وكان أول من تولى الحكم منهم إسماعيل بن عباد اللخمي الذي اختاره أهل إشبيلية بالإجماع لحصافة عقله، وعلو همته، وحسن تدبيره، ثم خلفه ابنه المعتضد فسار على نهج أبيه في الإصلاح، ونشر العدل، ولكنه استبد وحده في الأمور، وكان صارماً، قاسياً، شديد الدهاء، نكل بوزرائه واحداً بعد الآخر، فمنهم من أماته صبراً، ومنهم من أماته خمولاً وفقراً، ومنهم من شرده ونفاه عن البلاد، وظل كذلك حتى توفي عام 464هـ.
وقام بالأمر بعده على إشبيلية ابنه أبو القاسم المعتمد بن عباد الذي كانت حياته كرماً وأدباً وملهاة انتهت بمأساة مفجعة، كأكثر الملوك والنبلاء الذين ينغمسون في المجون، ويغرقون في الترف والنعيم إلى أذانهم دون أن يحصنوا ملكهم بما يحتاج من قوة ومن إعداد وإحكام.
تولى الملك عام 464هـ وعمره سبع وثلاثون سنة، فجمع حوله الأدباء والشعراء، وراح يوزع عليهم الهبات، ويغدق العطاءات السخية، فاجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس، وكان هو نفسه شاعراً مجيداً، فآلى على نفسه ألا يستوزر وزيراً إلا إذا كان أديباً شاعراً، حسن الأدوات، ولذلك استوزر ابن زيدون، فاستطاع بمساعدته أن يخضع قرطبة لسلطانه، ويخلع عن عرشها ابن جهود. كذلك استوزر ابن عمار، وهو أحد الشعراء المجيدين، فصادقه وجعله من خاصة أصفيائه. وكان من جملة شعرائه أيضاً ابن وهبون المرسي، قربه لجودة شعره، وبعد أن سمع قوله:
قل الوفاء فما تلقاه في أحد****ولا يمر لمخلوق على بال
وصار عندهم عنقاء مغربة****أو مثل ما حدّثوا عن ألف مثقال
كان ابن عباد شاعراً رقيق الشعر، أنيس المجلس، يحب الشعراء ويرعاهم. نظم الشعر في غرامياته وفروسيته وحروبه، وبعد مأساته التي جاءت على يد يوسف بن تاشفين، أمير المرابطين في المغرب، ومن جيد قوله:
علل فؤادك قد أبلّ عليل ****وأغنم حياتك فالبقاء قليل*
لو أن عمرك ألف عام كامل ***ما كان حقاً أن يقال طويل
أكذا يقود بك الأسى نحو الردى*** والعود عود والشَمول شَمول
لا يستبيح الهم نفسك عنوة*** والكأس سيف في يديك صقيل
بالعقل تزدحم الهموم على الحشا*** فالعقل عندي أن تزول عقول
وبينما هو يوماً في قبة له يكتب أو يطالع، وعنده بعض كرائمه، دخلت عليه الشمس من بعض الكوى الكائنة فيها، فقامت جارية دونه تستره من الشمس فقال:
قامت لتحجب ضوء الشمس قامتها****عن ناظري، حُجبت عن ناظرِ الغيرِ
علماً لعَمرُكَ منها أنها قمر****هل تحجب الشمسَ إلا غرةُ القمرِ؟
وكانت جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه، والكأس في يدها، إذ لمع البرق، فأرتاعت فقال:
ريعت من البرق وفي كفها**** برق من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى**** كيف من الأنوار ترتاع؟
كان أبناء المعتضد كلهم شعراء، وخاصة الراضي الرقيق صاحب "رندة"، لكن المعتمد – كما يقول المستشرق الإسباني إميليو غارسياً غومس – بذهم جميعاً، وفاق كل معاصريه في ذلك المضمار، لأنه كان يمثل الشعر من ثلاثة وجوه: أولها أنه كان ينظم شعراً يثير الإعجاب، وثانيها أن حياته نفسها كانت شعراً حياً، وثالثها أنه كان راعي شعراء الأندلس أجمعين، بل شعراء الغرب الإسلامي كله، فإلى بلاطه لجأ شعراء أفريقية وصقلية عندما غزا النورمان بلادهم واستولوا على بعضها وتهددوا الباقي.
كانت حياة المعتمد عجيبة حقاً، منذ أن كان أميراً وعاملاً لأبيه على "شلب" وحاكماً على إقليم الجوف البرتغالي كله، وهناك طابت له الأيام في صحبة صديقه الحميم أبي بكر بن عمار الذي عاد فحقد عليه، ثم غدر به بعد أن استوزره، لأنه قال:
مما يزهدني في أرض أندلس****أسماء معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها***كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
عندما اعتلى المعتمد عرش أبيه، تلألأت الأنوار في صفحة الوادي الكبير، وفاضت بالموسيقى جوانب قصوره البيضاء، ثم تزوج من جارية تدعى "الرميكية" استطاعت أن تجيز شطر بيت ارتجله، وكان قد سأل صاحبه ابن عمار ليجيزه، فارتج عليه، فأجازته هي على البديهة، وهي تغسل في النهر، على مقربة من "فحص الفضة". وعندما جمحت بها إحدى نزواتها، فتمنت لو سارت في الطين برجليها، نشر لها الكافور والعنبر على الحصباء، وصنع لها منهما طيناً، ويقال إنها هي التي أغرت المعتمد بقتل ابن عمار لما هجاه بقصيدة ذكرها فيها بقوله:
تخيرتها من بنات الهجان****رميكية ما تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير العذار****لئيم النجارين: عما وخالا
قصار القدود ولكنهم ****أقاموا عليها قروناً طوالا
***
بدأت مأساة المعتمد عندما هاجم ألفونسو السادس ملك قشتالة مدينة إشبيلية، وكاد يستولي عليها، فاستنجد المعتمد بيوسف بن تاشفين أمير المرابطين في المغرب، فاجتاز البحر على رأس جيش جرار، ودحر ألفونسو في معركة "الزلاقة" التي انتصر فيها انتصاراً ساحقاً عام 479هـ 1086م، ثم عاد ابن تاشفين بجيشه إلى المغرب، تاركاً المعتمد في إشبيلية يوالي حياة الترف والبذخ واللهو والمجون.
لكن ابن تاشفين عاد بعد سنتين إلى الأندلس واستولى عليها كلها، وأنهى دولة بني عباد لإزالة دول الطوائف بعد أن استشرى فسادها وتهاونها، وأخذ المعتمد أسيراً مع أسرته وأرسله مكبلاً بالقيود إلى طنجة، ثم إلى مراكش، فسجن "أغمات" عند سفوح جبال الأطلس، حيث راح هناك يسترجع صور قصوره الإشبيلية، وما كان يزينها من شجر الزيتون، مترجماً بشعره كل لحظة من حياته السالفة، ونادباً حظه حتى وافاه أجله عام 488هـ، في دور اتخذت له من الطين تحت أغصان النخيل، بعد أن حكم عشرين عاماً.
ولم يكتف ابن تاشفين بأسره وإذلاله، بل قتل جميع أبنائه الذكور، وأذل زوجته وبناته، فصرن يغزلن للناس من أجل لقمة العيش. يقول وقد جاءه العيد وهو في ذل الأسر:
في ما مضى كنتَ بالأعياد مسروراً ****فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتِك في الأطمار جائعةً **** يغزلن للناسِ لا يملكن قِطميرا
قد كان دهرك أن تأمره ممتثلاً**** فردّك الدهر منهيَّاً ومأمورا
كما صار يشتهي الموت في أواخر أيامه، ويفضله على حياة الذل والأسر والقهر، فكيف يرغب في العيش من يرى بناته عاريات حافيات الأقدام، بعد أن كن يرفلن بالحرير والدمقس؟:
دعا لي بالبقاء وكيف يهوى**** أسير أن يطول به البقاء؟
أليس الموت أروح من حياة****يطول على الأسير بها الشقاء؟
أأرغب أن أعيش أرى بناتي****عواريَ، قد أضر بها الحفاء؟
تعد القصائد التي قالها المعتمد بن عباد في منفاه، وهو في "أغمات"، وصوّر فيها مرارات السجن وآلام النفي والتي يذكرنا فيها بروميات أبي فراس الحمداني، من روائع الشعر العالمي، فلنسمعه يخاطب قيده:
قيدي، أما تعلمني مسلماً****أبيتَ أن تشفق أو ترحما؟
دمي شراب لك واللحم قِد****أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم ****فينثني القلب وقد هشما
ارحم طفيلاً طائشاً لبه ****لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيات له مثله **** جرعتهن السمّ والعلقما
منهن من يفهم شيئاً فقد****خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئاً فما****يفتح إلا للرضاع فما
يتبع