غرناطة الأندلس
01-24-2010, 02:55 PM
قصة الدولة الزنكية
إن السيرة النبوية تعتبر من أجلِّ العلوم وأفضلها بالنسبة للمسلم؛ فهي تدرس سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله U، فقد وصفه رب العزة بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. وإذا كانت دراسة السيرة مهمة في زمن من الأزمان فهي في زماننا أهم؛ لأن واقع الأمة الآن متأخر في كل المجالات؛ تأخر عسكري واقتصادي واجتماعي وأخلاقي.
ولا ريب أن الأمل معقود في الله U لإعادة البناء، بَيْدَ أن النهوض يحتاج إلى أمرين مهمين: يقين بضرورة بناء الأمة من جديد، ودور عملي لكل منا؛ فاليقين أن نوقن في كلام رسول الله r، فقد بشَّر الصحابة في غزوة الخندق بفتوح الشام وفارس واليمن وغيرها، وألاَّ نعتمد اعتمادًا كُليًّا على الحسابات المادية، رغم أهميتها، فالأحزاب قد اعتمدوا على الجانب المادي لكنهم لم ينجحوا، وأن يكون لنا دور لإعادة إعمار الكون، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
عشنا طويلاً في ظل مجموعة من الأيديولوجيات والأفكار المختلفة التي تحكم المجتمع والدولة، وكلها باءت بالفشل مثل الاشتراكية والرأسمالية وغيرها، ندور حول هذه الأفكار متناسين سيرة نبينا وأصوليتنا الدينية التي أدارت المجتمعات الإسلامية القديمة بخلافاتها ودولها، ومع هذا فإننا لا ننادي باستقصاء كل وقعة وفعلة وحدث في السيرة؛ فهذا ضرب من المستحيل لكننا ننادي بدراسة الأحداث العظيمة والجليلة في هذه السيرة؛ فهي مما يتكرر يومًا بعد يوم، ندرس غزوة أُحد وبدر والخندق؛ لأن واقعنا قد وجد حدثًا مشابهًا وهو حرب أكتوبر 1973م، وهو - لا شك - من الأحداث التي يتم تحليلها منذ وقعت وحتى وقتنا الراهن.
ويجب أن ندرس السيرة النبوية من جوانب عدة، وقواعد معلومة؛ ليتسنى لنا حصد ثمارها، والعمل بما فيها: (1) أن نفهم أن السيرة من المواقف التشريعية التي تدخل في إطار السنة؛ فالعلماء لهم دور كبير في استنباط الأحكام منها. (2) ندرك أن رسول الله r لا يخطو خطوة إلا بوحي من الله أو تعديل من الوحي. (3) أن نتعلم كيف نحب رسول الله r من كل موقف من مواقف حياته r. (4) أن نتعلم الحكمة في اختياره للآراء، وفي اختياره للأفعال في أثناء السيرة النبوية من أوَّلها إلى آخرها.
وسيتركز جُلّ اهتمامنا على استنباط القواعد المهمة في بناء الأمة الإسلامية، ونهتم بالأحداث التي تشبه واقعنا المعاصر، ولا يكون اهتمامنا منصبًّا على الأحداث الشائقة، وإنما على ما يفيد واقعنا المعاصر.
مزيد من التفاصيل
التعريف بالدولة الزنكية
حفل عصر الدولة العباسية بالعديد من الدول المستقلة التي أقام بعضها أهل الشقاق والأهواء، ونشأ بعضها الآخر على أكتاف عدد من المجاهدين الذين حملوا لواء الجهاد في مواجهة الصليبيين، ومن الصنف الأخير تبرز الدولة الزنكية في التاريخ الإسلامي.
وتُنسَب الدولة الزنكية إلى مؤسسها عماد الدين زنكي بن آق سنقر، وأمّا تسميتها بالأتابكية فنسبة إلى أتابك، وهو لقب كان يُلَقَّبُ به مُربُّو الملوك السلاجقة، ويعني الأمير الوالد، ثم أصبح هذا اللقب لقب شرف يمنحه السلاطين للمقربين من الأمراء وغيرهم[1].
________________________________________
[1] محمد ماهر حمادة: دراسة وثيقة للتاريخ الإسلامي ومصادره، ص243.
أحوال العالم الإسلامي قُبَيْل قيام الدولة الزنكية
فقدت الخلافة العباسية هيبتها السياسية منذ نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وتراجعت قوتها؛ فقامت في كنفها – كما ذكرنا - دول انفصالية مستقلة استقلالاً تامًّا أو جزئيًّا مع الاعتراف بسلطان الخليفة الروحي، ودخلت شعوب جديدة في المجتمع الإسلامي تمكنت من الوصول إلى الحكم، ووقع الخلفاء تحت تأثير نفوذهم؛ مما أدَّى إلى تحجيم دورهم السياسي الفاعل ففقدوا الاحترام الذي كان يتمتع به أسلافهم[1].
السلاجقة
ابتدأت العلاقات العباسية - السلجوقية بالظهور ابتداءً من عام (429هـ/ 1037م) عندما أعلن طُغْرُلْبَك (429 ـ 455هـ/ 1037 ـ 1063م) قيام دولته في خراسان، وأضحى السلاجقة منذ ذلك التاريخ يمثلون ظاهرة جديدة في حياة دولة الخلافة العباسية، فقد اختلف موقفهم منها عن موقف أسلافهم البويهيين الشيعة؛ إذ كانوا يحترمون الخلفاء تدينًا ينبع من عقيدتهم ونشأتهم السنية.
وظلت العلاقات الطيبة قائمة بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية ما يقارب ثمانية عشر عامًا منذ أن أعلن طغرلبك قيام دولته في خراسان، ولكن نشب الخلاف بين الطرفين إثر دخول العراق ضمن دائرة النفوذ السلجوقي، وسيطرة طغرلبك على بغداد في عام (447هـ/ 1055م)[2].
الدولة العُبَيدية (الفاطمية)
شكَّلَت الدولة العُبيدية (المسماة زورًا بالفاطمية) تحديًا للزعامة الدينية السنية في بغداد، فقد استطاعت بين أعوام (430 ـ 450 هـ/ 1038 ـ 1058م) أن تبسط نفوذها على مصر وملحقاتها في بلاد الشام حتى دمشق.
وقد ظلَّ العالم الإسلامي طوال قرنين من الزمان (358 ـ 567 هـ/ 969 ـ 1171م) منقسمًا على نفسه بين مذهبين مختلفين؛ مما ترك أثرًا خطيرًا على قوة المسلمين، ظهرت نتائجه في عهد الحروب الصليبية.
وشهد القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي صراعًا بين السلاجقة المدافعين عن المذهب السني، وبين العُبَيديين المدافعين عن المذهب الشيعي الإسماعيلي[3].
الصليبيون
وقد جاءوا إلى الشرق مستغلين ضعف المسلمين وتفرقهم، فكان من نتائج الحملة الصليبية الأولى أن سقطت نيقية عاصمة سلطنة سلاجقة الروم عام 490هـ/ 1097م بيد الصليبيين، وتأسيس إمارة الرّها الصليبية عام 491هـ/ 1098م، وأنطاكية عام 491هـ/ 1098م، ومملكة بيت المقدس عام 492هـ/ 1099م، وطرابلس عام 502 هـ/ 1109م[4].
________________________________________
[1] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص18.
[2] السابق نفسه، ص18،19.
[3] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص28.
[4] السابق نفسه، ص33: 38.
نشأة الدولة الزنكية
كان آق سُنْقُر والد عماد الدين زنكي من أصحاب السلطان ملكشاه الأول، وقيل: إنه كان لصيقه، ومن أخصِّ أصدقائه؛ فقد نشأ الرجلان وترعرعا معًا، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجبًا له، وحظي عنده فكان من المقربين، وأنس إليه ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته.
وقد قال عنه ابن كثير: "كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص"[1].
عمل آق سنقر على توطيد حكمه في حلب، وكان في صراع مع تتش أخي السلطان ملكشاه الأول الذي فشل في التخلص من آق سنقر في فترة حكم أخيه بسبب العلاقات الطيبة بين آق سنقر والسلطان، ولكن بعد وفاة ملكشاه حدث نزاع بين تتش وآق سنقر انتهى بوقوع آق سنقر في الأسر بعد موقعة تل السلطان وقتله هو وبوزان، وأسر كربوغا[2].
وتُعدّ الفترة الأولى من قيام الدولة الزنكية مرحلة تمهيد لقيام دولة قوية استطاعت أن توحد المسلمين، وتقف في وجه الصليبيين؛ وذلك للأسباب الآتية:
- إقامة أحكام الشريعة.
- تبني سياسة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين.
- طرد اللصوص وقطاع الطرق والقضاء عليهم، والتخلص من المفسدين.
- القضاء على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد[3].
- معاملة الحكام لأهل البلاد معاملة حسنة؛ فنجد مثلاً أنَّ آق سنقر عامل أهل حلب بالحسنى حتى "توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر" على حدِّ قول ابن الأثير[4].
* أبرز الشخصيات في الدولة الزنكية
ظهرت عدة شخصيات كان لها دور كبير في التمهيد لظهور عماد الدين زنكي ونور الدين محمود؛ إذ حملوا لواء الجهاد ضد الصليبيين، وحافظوا على جذوة الجهاد متقدةً في صدور المسلمين؛ ومن هؤلاء:
1- قوام الدولة كربوغا (489- 495هـ/ 1096- 1102م) الذي تزعم حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، ومن ذلك مساندته القوة الإسلامية في أنطاكية أثناء تعرضها للحصار الصليبي في عام (490هـ- 1097م)، ولكنه فشل في حملته بعد الصراع والانشقاق بين قادته.
بعد ذلك انغمس كربوغا في النزاعات السلجوقية الداخلية إلى أن تُوُفِّي في مراغة بأذربيجان في (شهر ذي القعدة 494هـ/ شهر أيلول عام 1101م)[5].
2- شمس الدولة جكرمش (495- 500هـ/ 1102- 1106م):
فبعد وفاة كربوغا قامت نزاعات على تولي حكم الموصل انتهت بفوز جكرمش بحكم الموصل، ولكن أثناء هذه الصراعات حاول بلدوين الثاني دي بورج، صاحب الرها القيام بحملة على حران في (أواسط عام 497هـ/ ربيع عام 1104م)، فما كان من جكرمش إلا أن قام بالاتحاد مع سُقْمان بن أُرْتُق صاحب ماردين وديار بكر، واجتمعوا عند رأس العين ودارت معركة بينهم وبين الصليبيين في (شعبان 497هـ/ 1104م) على ضفة نهر البليخ، وانتصر المسلمون على الصليبيين على ضفاف نهر البليخ، ووقع بلدوين أمير الرّها وجوسلين صاحب تل باشر في أيدي المسلمين[6].
3- شرف الدولة مودود (501- 507هـ/ 1108- 1113م):
الذي بعد تولِّيه إمارة الموصل كان متمسكًا بفكرة الجهاد ضد الصليبيين؛ لذلك اتحد مع جيرانه من المسلمين وأعدَّ حملة عسكرية في (503هـ/ 1110م) لانتزاع مدينة الرها، وقد سانده إيلغازي الأرتقي أمير ماردين بعساكره من التركمان، وسقمان القطبي أمير أرمينية، وكانت هذه أول مرة يجتمع فيها هذا العدد من الأمراء المسلمين لقتال الصليبيين، وحاصروا الرها لمدة شهرين دون أن يتمكنوا من اختراق استحكاماتها، فرفعوا الحصار عنها خصوصًا بعد قدوم جيش الصليبيين من القدس[7].
4- آق سنقر البرسقي:
وقد تولى فترتين: الفترة الأولى من 507- 509هـ/ 1113- 1115م، والفترة الثانية من 515- 520هـ/1121- 1126م. وقام في فترته الأولى بالهجوم على الرّها في 508هـ/ 1115م، واكتفى بعد حصارها بتخريب بعض القرى المجاورة مثل سروج، وبلد، وربض الرها، وسميساط. وقام بمحاولات عديدة في محاربة الصليبيين[8].
________________________________________
[1] ابن كثير: البداية والنهاية، 12/147.
[2] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص57:50.
[3] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص47.
[4] ابن الأثير: الكامل 8/ 152.
[5] محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص60 :63.
[6] السابق نفسه، ص62: 68.
[7] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص69.
[8] السابق نفسه، ص78،79.
عماد الدين زنكي وبداية الازدهار
تبدأ فترة الازدهار الفعلية للدولة الزنكية منذ عهد عماد الدين زنكي الذي كان الولد الوحيد لقسيم الدولة آق سنقر، وقد قتل هذا القائد في دفاعه عن الدولة السلجوقية ضد الخارجين عليها، ولم يترك وراءه سوى بطلنا الفذ ورائد الجهاد ضد الصليبيين عماد الدين زنكي وهو في العاشرة من عمره.
تولى الأمير كربوغا أمير الموصل تربية عماد الدين زنكي وتعهده بالعناية والرعاية وتعليمه فنون الفروسية والقيادة والقتال، وترقى في سلك الجندية حتى صار مقدم عساكر مدينة واسط، ثم ظهرت كفاءته القتالية سنة 517هـ/ 1123م في قتاله مع الخليفة العباسي المسترشد بالله ضد أحد الثوار الشيعة واسمه (دبيس بن صدقة)؛ مما جعل السلطان السلجوقي محمود يرقيه ليصبح قائدًا لشرطة بغداد سنة 521هـ/ 1127م، ويعطيه لقب الأتابك أي (مربي الأمير)؛ ذلك لأنه توسم فيه الخير والصلاح والنجابة، فعهد إليه بتربية ولديه ألب أرسلان وفروخ شاه.
وبعد وفاة أمير الموصل "عز الدين مسعود" حاول بعض المنتفعين تولية ولده الصغير مكانه، لكن عندما ذهب قاضي الموصل بهاء الدين الشهرزوري، وصلاح الدين محمد الياغسياني إلى السلطان محمود طلبا منه تعيين أمير قوي وكفء للموصل التي على حدود الشام حيث الوجود الصليبي، فقرر السلطان محمود أن يسند ولاية الموصل وأعمالها إلى عماد الدين زنكي، وذلك عام 521هـ/ 1127م[1].
وباعتلاء عماد الدين زنكي سدة الحكم في الموصل قامت الدولة الزنكية[2].
جهاد عماد الدين زنكي
كان عماد الدين زنكي قائدًا محنكًا من دواهي العصر فطنةً وذكاءً وحدةَ بصيرة، كما كان من أشجع الناس وأقواهم وأجرَئِهم على القتال، لا يجاريه أحد من جنده في ذلك، وكذلك كان مربيًا وقائدًا قدوة يعرف كيف يحمس الشباب والنشء ويحفز طاقاتهم، فقبل فتح مدينة الرها وضع مائدته للطعام وقال: "لا يأكل معي على المائدة إلا من يطعن معي غدًا باب الرها"، وهي كناية عن شدة القتال والشجاعة؛ لأن طاعن الباب يكون أول فارس في الجيش يصل إلى باب المدينة، ولا يفعل ذلك إلا أشجع الناس، فلم يجلس معه على المائدة إلا صبي صغير؛ فقيل له: "ارجع؛ ما أنت في هذا المقام؟!" فقال له عماد الدين زنكي: "دعوه؛ فواللهِ إني أرى وجهًا لا يتخلَّف عني". وبالفعل أثمرت هذه الكلمات طاقةً جبارةً عند الصبي، فكان أول طاعنٍ، وأول بطل في هذه المعركة[3].
تراوحت علاقة عماد الدين زنكي بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بين التعاون المثمر والعداء الشديد وفقًا للمصلحة العامة والشخصية في نفس الوقت، على أن هذه التقلبات لم تؤثر على مركزه في ولاية الموصل والجزيرة وبلاد الشام.
وفي خضم النزاعات السلجوقية سعى كل طامع في السلطة في العراق إلى استقطاب عماد الدين زنكي للاستفادة من قدراته العسكرية[4].
وكان للحروب التي حدثت بين السلاجقة فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، واشتراك عماد الدين زنكي فيها، نتائجُ مهمة على وضعيه: السياسي والعسكري منها:
* اتسعت شهرته كأمير ذي قوة مؤثرة في الصراع الدائر في المنطقة.
* خرج من تلك الحروب وقد تعرف على عائلة بني أيوب، مما سيكون له أثر كبير في تطور هذه العائلة وازدياد نشاطها.
* تدهورت العلاقات بينه وبين الخلافة العباسية[5].
عماد الدين زنكي يوحد البلاد لمواجهة الصليبيين
بعد تثبيت أقدامه في الموصل التفت عماد الدين زنكي إلى تنفيذ الشق الأول من خطته القاضي بإنشاء دولة وتوسيعها عن طريق ضم الإمارات الإسلامية في الجزيرة وبلاد الشام، والمناطق الشرقية وتوحيدها مع إمارة الموصل، تمهيدًا للانتقال إلى الشق الثاني من الخطة، وهو مجابهة الصليبيين.
ففي عام 522هـ/ 1128م استطاع عماد الدين زنكي ضم حلب، وفي أواخر العام السابق ضم سنجار، وفي العام التالي استولى على حماة، وفي نفس العام 523هـ/ 1129م ضمَّ حران، وأقطعها أحد ضباطه وهو سوتكين الكرجي الذي كان ذا نزعات استقلالية، فاستقل بحران ولم تسنح الفرصة لعماد لدين زنكي لبسط سيطرته عليها إلا في عام 533هـ/ 1139م، وفي عام 526هـ/ 1132م ضم إربل إلى أملاكه، وفي عام 529هـ/ 1135م ضم الرقة، ثم ضم دقوقا في عام 531هـ/ 1137م عنوة، ودخل بعد ثلاث سنوات قلعة شهرزور، ثم توالت فتوحاته وتوسعاته حتى استولى على حمص سنة (532هـ/ 1143م)؛ وبذلك صار الطريق ممهدًا أمامه لتوجيه ضربة قوية للصليبيين، وجاءت هذه الضربة سنة 539هـ/ 1144م حين استطاعت قوات عماد الدين زنكي أن تستولي على الرها بعد حصار دام ثمانية وعشرين يومًا فقط، وكانت الرها ذات مكانة كبيرة لدى الصليبيين؛ إذ كانت أول إمارة صليبية تقوم على أرض الشرق العربي الإسلامي، وكان سقوطها صدمة نفسية مؤلمة وعنيفة للصليبيين ترددت أصداؤها في كل مكان؛ إذ إن المدينة كانت ترتبط بتراث المسيحية الباكر[6].
وفاته
بينما كان عماد الدين زنكي يحاصر قلعة جَغْبَر عام (541هـ/ 1146م) الواقعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين على الطريق إلى دمشق، انقض عليه وهو نائم أحد مماليكه المكلفين بحراسته ويدعى "يرنقش"، فقتله وهرب إلى القلعة المذكورة، وأعلم سكانها بحقيقة الأمر ففتحوا له الأبواب، وما أن انتشر نبأ الاغتيال في معسكره حتى اضطرب أمر جيشه وسادت الفوضى صفوفه، فاضطر قادته إلى فك الحصار والرحيل[7].
استطاع عماد الدين زنكي أن يؤسس خلال مدة قصيرة نسبيًّا دولة قوية متماسكة شملت حدودها ما بين شهرزور شرقًا إلى سواحل بلاد الشام غربًا، ومن آمد وديار بكر وجبال الأكراد شمالاً إلى الحُديثة جنوبًا[8].
وقد ترك عماد الدين زنكي أربعة أولاد من الذكور هم: سيف الدين غازي وهو أكبرهم، ونور الدين محمود، ونصرة الدين أمير أميران، وأبو الملوك قطب الدين مودود وهو أصغرهم.
لم يصادف هؤلاء الإخوة صعوبة في الاحتفاظ بملك أبيهم بفضل مساعدة اثنين من رجال عماد الدين زنكي الأوفياء هما: جمال الدين محمد الأصفهاني، وصلاح الدين الياغسياني[9].
ولم يشكِّل الأخوان الأخيران (نصرة الدين وأبو الملوك قطب الدين) أية عقبة في اقتسام الإرث الزنكي، فقد كان قطب الدين مودود في رعاية أخيه سيف الدين غازي الأول في الموصل، في حين كان حُكم نصرة الدين لحَرَّان تابعًا لأخيه نور الدين محمود، وهكذا انقسمت مملكة عماد الدين زنكي إلى قسمين: القسم الشرقي تحت حكم ابنه الأكبر سيف الدين غازي الأول ومقره الموصل، والقسم الغربي تحت حكم ابنه نور الدين محمود ومقره حلب، وكان نهر الخابور وهو الحد الفاصل بين أملاك الأخوين[10].
وأدَّى ذلك التقسيم إلى أن:
- يرث سيف الدين غازي الأول المشاكل الداخلية مع كل من الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية في العراق.
- يحمي حدود الإمارة من غارات سلاجقة فارس.
- يحمي ثغور الإمارة الشمالية من تعديات سلاجقة الروم والدانشمنديين والبيزنطيين في آسيا الصغرى.
- أمّا القسم الغربي فقد ورث نور الدين محمود المشكلتين الكبيرتين المتمثلتين بأتابكية دمشق والإمارات الصليبية المنتشرة في مختلف بلاد الشام[11].
اتحاد أبناء عماد الدين زنكي
وكان من الطبيعي أن تنشأ بين البيتين الزنكيين في كل من الموصل وحلب علاقات وثيقة بفعل الروابط الأسرية من جهة، واشتراك آل زنكي بعامة بهدف واحد هو الجهاد ضد الصليبيين في بلاد الشام، وكانت حلب تشكل بالنسبة للموصل خط الدفاع الأول وصمام الأمان ضد أي خطر تتعرض له، فنشأت نتيجة ذلك علاقات جيدة بين سيف الدين غازي الأول صاحب الموصل، وأخيه نور الدين محمود صاحب حلب، ثم بين الأمراء الذين توالوا على حكم الموصل بعد غازي الأول، إلا أن هذه العلاقات الودية القائمة على التعاون والدفاع المشترك، شهدت في بعض الأوقات فتورًا عامًّا، كان لا يلبث أن يتلاشى لتعود المحبة والألفة[12].
ولعل أول ثمار التعاون بين الأخوين هو اشتراكهما في التصدي للصليبيين ضد الحصار الذي فرضه هؤلاء على دمشق في شهر ربيع الأول عام 543هـ/ شهر تموز عام 1148م.
فقد استنجد معين الدين أَنُر الذي تولى زمام الأمور في دمشق بأمير الموصل سيف الدين غازي الأول وهو أقوى الأمراء المسلمين في ذلك الوقت، يستصرخه ويخبره بشدة بأس الصليبيين.
لبى سيف الدين غازي الأول نداء الاستغاثة، فخرج من الموصل على وجه السرعة، وعبر الفرات على رأس جيش كبير مصطحبًا معه أخاه نور الدين محمود، ونزل الأخوان مدينة حمص، واجتمع لديهما سبعون ألف مقاتل، وبعد حصار دام خمسة أيام لدمشق أجبر الأخوان الصليبيين على الرحيل عن دمشق.
وعندما توجه نور الدين محمود لفتح حصن العريمة ـ إحدى قلاع الساحل الشامي ـ وانتزاعه من أيدي الصليبيين، أرسل إلى أخيه سيف الدين غازي الأول في حمص ليمده بالعساكر، فأرسل إليه قوة عسكرية بقيادة عز الدين أبي بكر الدبيسي، وتمكن المسلمون من فتح الحصن، فدمروه وأسروا من كان فيه، وعاد نور الدين محمود إلى حلب، في حين عادت عساكر الموصل إلى حمص.
وفاة سيف الدين غازي الأول
كان حكم سيف الدين غازي الأول للموصل قصيرًا؛ إذ لم يلبث أن توفي في شهر جمادى الآخرة عام 544هـ/ شهر تشرين عام 1149م، بعد أن حكم ثلاث سنوات وشهرًا وعشرين يومًا، وخلفه أخوه قطب الدين مودود؛ فتسلم ما كان لأخيه من البلاد التابعة للموصل، وسانده الأميران جمال الدين الأصفهاني، وزين الدين علي كوجك[13].
________________________________________
[1] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص87، 88. شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص137، 138.
[2] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص88.
[3] شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص141: 143.
[4] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص89: 91.
[5] السابق نفسه، ص91: 93.
[6] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص112،113.
[7] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص159.
[8] السابق نفسه، ص162.
[9] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص167.
[10] السابق نفسه، ص168.
[11] السابق نفسه، ص168، 169.
[12] السابق نفسه، ص169.
[13] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص174: 177.
إن السيرة النبوية تعتبر من أجلِّ العلوم وأفضلها بالنسبة للمسلم؛ فهي تدرس سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله U، فقد وصفه رب العزة بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. وإذا كانت دراسة السيرة مهمة في زمن من الأزمان فهي في زماننا أهم؛ لأن واقع الأمة الآن متأخر في كل المجالات؛ تأخر عسكري واقتصادي واجتماعي وأخلاقي.
ولا ريب أن الأمل معقود في الله U لإعادة البناء، بَيْدَ أن النهوض يحتاج إلى أمرين مهمين: يقين بضرورة بناء الأمة من جديد، ودور عملي لكل منا؛ فاليقين أن نوقن في كلام رسول الله r، فقد بشَّر الصحابة في غزوة الخندق بفتوح الشام وفارس واليمن وغيرها، وألاَّ نعتمد اعتمادًا كُليًّا على الحسابات المادية، رغم أهميتها، فالأحزاب قد اعتمدوا على الجانب المادي لكنهم لم ينجحوا، وأن يكون لنا دور لإعادة إعمار الكون، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
عشنا طويلاً في ظل مجموعة من الأيديولوجيات والأفكار المختلفة التي تحكم المجتمع والدولة، وكلها باءت بالفشل مثل الاشتراكية والرأسمالية وغيرها، ندور حول هذه الأفكار متناسين سيرة نبينا وأصوليتنا الدينية التي أدارت المجتمعات الإسلامية القديمة بخلافاتها ودولها، ومع هذا فإننا لا ننادي باستقصاء كل وقعة وفعلة وحدث في السيرة؛ فهذا ضرب من المستحيل لكننا ننادي بدراسة الأحداث العظيمة والجليلة في هذه السيرة؛ فهي مما يتكرر يومًا بعد يوم، ندرس غزوة أُحد وبدر والخندق؛ لأن واقعنا قد وجد حدثًا مشابهًا وهو حرب أكتوبر 1973م، وهو - لا شك - من الأحداث التي يتم تحليلها منذ وقعت وحتى وقتنا الراهن.
ويجب أن ندرس السيرة النبوية من جوانب عدة، وقواعد معلومة؛ ليتسنى لنا حصد ثمارها، والعمل بما فيها: (1) أن نفهم أن السيرة من المواقف التشريعية التي تدخل في إطار السنة؛ فالعلماء لهم دور كبير في استنباط الأحكام منها. (2) ندرك أن رسول الله r لا يخطو خطوة إلا بوحي من الله أو تعديل من الوحي. (3) أن نتعلم كيف نحب رسول الله r من كل موقف من مواقف حياته r. (4) أن نتعلم الحكمة في اختياره للآراء، وفي اختياره للأفعال في أثناء السيرة النبوية من أوَّلها إلى آخرها.
وسيتركز جُلّ اهتمامنا على استنباط القواعد المهمة في بناء الأمة الإسلامية، ونهتم بالأحداث التي تشبه واقعنا المعاصر، ولا يكون اهتمامنا منصبًّا على الأحداث الشائقة، وإنما على ما يفيد واقعنا المعاصر.
مزيد من التفاصيل
التعريف بالدولة الزنكية
حفل عصر الدولة العباسية بالعديد من الدول المستقلة التي أقام بعضها أهل الشقاق والأهواء، ونشأ بعضها الآخر على أكتاف عدد من المجاهدين الذين حملوا لواء الجهاد في مواجهة الصليبيين، ومن الصنف الأخير تبرز الدولة الزنكية في التاريخ الإسلامي.
وتُنسَب الدولة الزنكية إلى مؤسسها عماد الدين زنكي بن آق سنقر، وأمّا تسميتها بالأتابكية فنسبة إلى أتابك، وهو لقب كان يُلَقَّبُ به مُربُّو الملوك السلاجقة، ويعني الأمير الوالد، ثم أصبح هذا اللقب لقب شرف يمنحه السلاطين للمقربين من الأمراء وغيرهم[1].
________________________________________
[1] محمد ماهر حمادة: دراسة وثيقة للتاريخ الإسلامي ومصادره، ص243.
أحوال العالم الإسلامي قُبَيْل قيام الدولة الزنكية
فقدت الخلافة العباسية هيبتها السياسية منذ نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وتراجعت قوتها؛ فقامت في كنفها – كما ذكرنا - دول انفصالية مستقلة استقلالاً تامًّا أو جزئيًّا مع الاعتراف بسلطان الخليفة الروحي، ودخلت شعوب جديدة في المجتمع الإسلامي تمكنت من الوصول إلى الحكم، ووقع الخلفاء تحت تأثير نفوذهم؛ مما أدَّى إلى تحجيم دورهم السياسي الفاعل ففقدوا الاحترام الذي كان يتمتع به أسلافهم[1].
السلاجقة
ابتدأت العلاقات العباسية - السلجوقية بالظهور ابتداءً من عام (429هـ/ 1037م) عندما أعلن طُغْرُلْبَك (429 ـ 455هـ/ 1037 ـ 1063م) قيام دولته في خراسان، وأضحى السلاجقة منذ ذلك التاريخ يمثلون ظاهرة جديدة في حياة دولة الخلافة العباسية، فقد اختلف موقفهم منها عن موقف أسلافهم البويهيين الشيعة؛ إذ كانوا يحترمون الخلفاء تدينًا ينبع من عقيدتهم ونشأتهم السنية.
وظلت العلاقات الطيبة قائمة بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية ما يقارب ثمانية عشر عامًا منذ أن أعلن طغرلبك قيام دولته في خراسان، ولكن نشب الخلاف بين الطرفين إثر دخول العراق ضمن دائرة النفوذ السلجوقي، وسيطرة طغرلبك على بغداد في عام (447هـ/ 1055م)[2].
الدولة العُبَيدية (الفاطمية)
شكَّلَت الدولة العُبيدية (المسماة زورًا بالفاطمية) تحديًا للزعامة الدينية السنية في بغداد، فقد استطاعت بين أعوام (430 ـ 450 هـ/ 1038 ـ 1058م) أن تبسط نفوذها على مصر وملحقاتها في بلاد الشام حتى دمشق.
وقد ظلَّ العالم الإسلامي طوال قرنين من الزمان (358 ـ 567 هـ/ 969 ـ 1171م) منقسمًا على نفسه بين مذهبين مختلفين؛ مما ترك أثرًا خطيرًا على قوة المسلمين، ظهرت نتائجه في عهد الحروب الصليبية.
وشهد القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي صراعًا بين السلاجقة المدافعين عن المذهب السني، وبين العُبَيديين المدافعين عن المذهب الشيعي الإسماعيلي[3].
الصليبيون
وقد جاءوا إلى الشرق مستغلين ضعف المسلمين وتفرقهم، فكان من نتائج الحملة الصليبية الأولى أن سقطت نيقية عاصمة سلطنة سلاجقة الروم عام 490هـ/ 1097م بيد الصليبيين، وتأسيس إمارة الرّها الصليبية عام 491هـ/ 1098م، وأنطاكية عام 491هـ/ 1098م، ومملكة بيت المقدس عام 492هـ/ 1099م، وطرابلس عام 502 هـ/ 1109م[4].
________________________________________
[1] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص18.
[2] السابق نفسه، ص18،19.
[3] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص28.
[4] السابق نفسه، ص33: 38.
نشأة الدولة الزنكية
كان آق سُنْقُر والد عماد الدين زنكي من أصحاب السلطان ملكشاه الأول، وقيل: إنه كان لصيقه، ومن أخصِّ أصدقائه؛ فقد نشأ الرجلان وترعرعا معًا، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجبًا له، وحظي عنده فكان من المقربين، وأنس إليه ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته.
وقد قال عنه ابن كثير: "كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص"[1].
عمل آق سنقر على توطيد حكمه في حلب، وكان في صراع مع تتش أخي السلطان ملكشاه الأول الذي فشل في التخلص من آق سنقر في فترة حكم أخيه بسبب العلاقات الطيبة بين آق سنقر والسلطان، ولكن بعد وفاة ملكشاه حدث نزاع بين تتش وآق سنقر انتهى بوقوع آق سنقر في الأسر بعد موقعة تل السلطان وقتله هو وبوزان، وأسر كربوغا[2].
وتُعدّ الفترة الأولى من قيام الدولة الزنكية مرحلة تمهيد لقيام دولة قوية استطاعت أن توحد المسلمين، وتقف في وجه الصليبيين؛ وذلك للأسباب الآتية:
- إقامة أحكام الشريعة.
- تبني سياسة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين.
- طرد اللصوص وقطاع الطرق والقضاء عليهم، والتخلص من المفسدين.
- القضاء على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد[3].
- معاملة الحكام لأهل البلاد معاملة حسنة؛ فنجد مثلاً أنَّ آق سنقر عامل أهل حلب بالحسنى حتى "توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر" على حدِّ قول ابن الأثير[4].
* أبرز الشخصيات في الدولة الزنكية
ظهرت عدة شخصيات كان لها دور كبير في التمهيد لظهور عماد الدين زنكي ونور الدين محمود؛ إذ حملوا لواء الجهاد ضد الصليبيين، وحافظوا على جذوة الجهاد متقدةً في صدور المسلمين؛ ومن هؤلاء:
1- قوام الدولة كربوغا (489- 495هـ/ 1096- 1102م) الذي تزعم حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، ومن ذلك مساندته القوة الإسلامية في أنطاكية أثناء تعرضها للحصار الصليبي في عام (490هـ- 1097م)، ولكنه فشل في حملته بعد الصراع والانشقاق بين قادته.
بعد ذلك انغمس كربوغا في النزاعات السلجوقية الداخلية إلى أن تُوُفِّي في مراغة بأذربيجان في (شهر ذي القعدة 494هـ/ شهر أيلول عام 1101م)[5].
2- شمس الدولة جكرمش (495- 500هـ/ 1102- 1106م):
فبعد وفاة كربوغا قامت نزاعات على تولي حكم الموصل انتهت بفوز جكرمش بحكم الموصل، ولكن أثناء هذه الصراعات حاول بلدوين الثاني دي بورج، صاحب الرها القيام بحملة على حران في (أواسط عام 497هـ/ ربيع عام 1104م)، فما كان من جكرمش إلا أن قام بالاتحاد مع سُقْمان بن أُرْتُق صاحب ماردين وديار بكر، واجتمعوا عند رأس العين ودارت معركة بينهم وبين الصليبيين في (شعبان 497هـ/ 1104م) على ضفة نهر البليخ، وانتصر المسلمون على الصليبيين على ضفاف نهر البليخ، ووقع بلدوين أمير الرّها وجوسلين صاحب تل باشر في أيدي المسلمين[6].
3- شرف الدولة مودود (501- 507هـ/ 1108- 1113م):
الذي بعد تولِّيه إمارة الموصل كان متمسكًا بفكرة الجهاد ضد الصليبيين؛ لذلك اتحد مع جيرانه من المسلمين وأعدَّ حملة عسكرية في (503هـ/ 1110م) لانتزاع مدينة الرها، وقد سانده إيلغازي الأرتقي أمير ماردين بعساكره من التركمان، وسقمان القطبي أمير أرمينية، وكانت هذه أول مرة يجتمع فيها هذا العدد من الأمراء المسلمين لقتال الصليبيين، وحاصروا الرها لمدة شهرين دون أن يتمكنوا من اختراق استحكاماتها، فرفعوا الحصار عنها خصوصًا بعد قدوم جيش الصليبيين من القدس[7].
4- آق سنقر البرسقي:
وقد تولى فترتين: الفترة الأولى من 507- 509هـ/ 1113- 1115م، والفترة الثانية من 515- 520هـ/1121- 1126م. وقام في فترته الأولى بالهجوم على الرّها في 508هـ/ 1115م، واكتفى بعد حصارها بتخريب بعض القرى المجاورة مثل سروج، وبلد، وربض الرها، وسميساط. وقام بمحاولات عديدة في محاربة الصليبيين[8].
________________________________________
[1] ابن كثير: البداية والنهاية، 12/147.
[2] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص57:50.
[3] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص47.
[4] ابن الأثير: الكامل 8/ 152.
[5] محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص60 :63.
[6] السابق نفسه، ص62: 68.
[7] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص69.
[8] السابق نفسه، ص78،79.
عماد الدين زنكي وبداية الازدهار
تبدأ فترة الازدهار الفعلية للدولة الزنكية منذ عهد عماد الدين زنكي الذي كان الولد الوحيد لقسيم الدولة آق سنقر، وقد قتل هذا القائد في دفاعه عن الدولة السلجوقية ضد الخارجين عليها، ولم يترك وراءه سوى بطلنا الفذ ورائد الجهاد ضد الصليبيين عماد الدين زنكي وهو في العاشرة من عمره.
تولى الأمير كربوغا أمير الموصل تربية عماد الدين زنكي وتعهده بالعناية والرعاية وتعليمه فنون الفروسية والقيادة والقتال، وترقى في سلك الجندية حتى صار مقدم عساكر مدينة واسط، ثم ظهرت كفاءته القتالية سنة 517هـ/ 1123م في قتاله مع الخليفة العباسي المسترشد بالله ضد أحد الثوار الشيعة واسمه (دبيس بن صدقة)؛ مما جعل السلطان السلجوقي محمود يرقيه ليصبح قائدًا لشرطة بغداد سنة 521هـ/ 1127م، ويعطيه لقب الأتابك أي (مربي الأمير)؛ ذلك لأنه توسم فيه الخير والصلاح والنجابة، فعهد إليه بتربية ولديه ألب أرسلان وفروخ شاه.
وبعد وفاة أمير الموصل "عز الدين مسعود" حاول بعض المنتفعين تولية ولده الصغير مكانه، لكن عندما ذهب قاضي الموصل بهاء الدين الشهرزوري، وصلاح الدين محمد الياغسياني إلى السلطان محمود طلبا منه تعيين أمير قوي وكفء للموصل التي على حدود الشام حيث الوجود الصليبي، فقرر السلطان محمود أن يسند ولاية الموصل وأعمالها إلى عماد الدين زنكي، وذلك عام 521هـ/ 1127م[1].
وباعتلاء عماد الدين زنكي سدة الحكم في الموصل قامت الدولة الزنكية[2].
جهاد عماد الدين زنكي
كان عماد الدين زنكي قائدًا محنكًا من دواهي العصر فطنةً وذكاءً وحدةَ بصيرة، كما كان من أشجع الناس وأقواهم وأجرَئِهم على القتال، لا يجاريه أحد من جنده في ذلك، وكذلك كان مربيًا وقائدًا قدوة يعرف كيف يحمس الشباب والنشء ويحفز طاقاتهم، فقبل فتح مدينة الرها وضع مائدته للطعام وقال: "لا يأكل معي على المائدة إلا من يطعن معي غدًا باب الرها"، وهي كناية عن شدة القتال والشجاعة؛ لأن طاعن الباب يكون أول فارس في الجيش يصل إلى باب المدينة، ولا يفعل ذلك إلا أشجع الناس، فلم يجلس معه على المائدة إلا صبي صغير؛ فقيل له: "ارجع؛ ما أنت في هذا المقام؟!" فقال له عماد الدين زنكي: "دعوه؛ فواللهِ إني أرى وجهًا لا يتخلَّف عني". وبالفعل أثمرت هذه الكلمات طاقةً جبارةً عند الصبي، فكان أول طاعنٍ، وأول بطل في هذه المعركة[3].
تراوحت علاقة عماد الدين زنكي بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بين التعاون المثمر والعداء الشديد وفقًا للمصلحة العامة والشخصية في نفس الوقت، على أن هذه التقلبات لم تؤثر على مركزه في ولاية الموصل والجزيرة وبلاد الشام.
وفي خضم النزاعات السلجوقية سعى كل طامع في السلطة في العراق إلى استقطاب عماد الدين زنكي للاستفادة من قدراته العسكرية[4].
وكان للحروب التي حدثت بين السلاجقة فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، واشتراك عماد الدين زنكي فيها، نتائجُ مهمة على وضعيه: السياسي والعسكري منها:
* اتسعت شهرته كأمير ذي قوة مؤثرة في الصراع الدائر في المنطقة.
* خرج من تلك الحروب وقد تعرف على عائلة بني أيوب، مما سيكون له أثر كبير في تطور هذه العائلة وازدياد نشاطها.
* تدهورت العلاقات بينه وبين الخلافة العباسية[5].
عماد الدين زنكي يوحد البلاد لمواجهة الصليبيين
بعد تثبيت أقدامه في الموصل التفت عماد الدين زنكي إلى تنفيذ الشق الأول من خطته القاضي بإنشاء دولة وتوسيعها عن طريق ضم الإمارات الإسلامية في الجزيرة وبلاد الشام، والمناطق الشرقية وتوحيدها مع إمارة الموصل، تمهيدًا للانتقال إلى الشق الثاني من الخطة، وهو مجابهة الصليبيين.
ففي عام 522هـ/ 1128م استطاع عماد الدين زنكي ضم حلب، وفي أواخر العام السابق ضم سنجار، وفي العام التالي استولى على حماة، وفي نفس العام 523هـ/ 1129م ضمَّ حران، وأقطعها أحد ضباطه وهو سوتكين الكرجي الذي كان ذا نزعات استقلالية، فاستقل بحران ولم تسنح الفرصة لعماد لدين زنكي لبسط سيطرته عليها إلا في عام 533هـ/ 1139م، وفي عام 526هـ/ 1132م ضم إربل إلى أملاكه، وفي عام 529هـ/ 1135م ضم الرقة، ثم ضم دقوقا في عام 531هـ/ 1137م عنوة، ودخل بعد ثلاث سنوات قلعة شهرزور، ثم توالت فتوحاته وتوسعاته حتى استولى على حمص سنة (532هـ/ 1143م)؛ وبذلك صار الطريق ممهدًا أمامه لتوجيه ضربة قوية للصليبيين، وجاءت هذه الضربة سنة 539هـ/ 1144م حين استطاعت قوات عماد الدين زنكي أن تستولي على الرها بعد حصار دام ثمانية وعشرين يومًا فقط، وكانت الرها ذات مكانة كبيرة لدى الصليبيين؛ إذ كانت أول إمارة صليبية تقوم على أرض الشرق العربي الإسلامي، وكان سقوطها صدمة نفسية مؤلمة وعنيفة للصليبيين ترددت أصداؤها في كل مكان؛ إذ إن المدينة كانت ترتبط بتراث المسيحية الباكر[6].
وفاته
بينما كان عماد الدين زنكي يحاصر قلعة جَغْبَر عام (541هـ/ 1146م) الواقعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين على الطريق إلى دمشق، انقض عليه وهو نائم أحد مماليكه المكلفين بحراسته ويدعى "يرنقش"، فقتله وهرب إلى القلعة المذكورة، وأعلم سكانها بحقيقة الأمر ففتحوا له الأبواب، وما أن انتشر نبأ الاغتيال في معسكره حتى اضطرب أمر جيشه وسادت الفوضى صفوفه، فاضطر قادته إلى فك الحصار والرحيل[7].
استطاع عماد الدين زنكي أن يؤسس خلال مدة قصيرة نسبيًّا دولة قوية متماسكة شملت حدودها ما بين شهرزور شرقًا إلى سواحل بلاد الشام غربًا، ومن آمد وديار بكر وجبال الأكراد شمالاً إلى الحُديثة جنوبًا[8].
وقد ترك عماد الدين زنكي أربعة أولاد من الذكور هم: سيف الدين غازي وهو أكبرهم، ونور الدين محمود، ونصرة الدين أمير أميران، وأبو الملوك قطب الدين مودود وهو أصغرهم.
لم يصادف هؤلاء الإخوة صعوبة في الاحتفاظ بملك أبيهم بفضل مساعدة اثنين من رجال عماد الدين زنكي الأوفياء هما: جمال الدين محمد الأصفهاني، وصلاح الدين الياغسياني[9].
ولم يشكِّل الأخوان الأخيران (نصرة الدين وأبو الملوك قطب الدين) أية عقبة في اقتسام الإرث الزنكي، فقد كان قطب الدين مودود في رعاية أخيه سيف الدين غازي الأول في الموصل، في حين كان حُكم نصرة الدين لحَرَّان تابعًا لأخيه نور الدين محمود، وهكذا انقسمت مملكة عماد الدين زنكي إلى قسمين: القسم الشرقي تحت حكم ابنه الأكبر سيف الدين غازي الأول ومقره الموصل، والقسم الغربي تحت حكم ابنه نور الدين محمود ومقره حلب، وكان نهر الخابور وهو الحد الفاصل بين أملاك الأخوين[10].
وأدَّى ذلك التقسيم إلى أن:
- يرث سيف الدين غازي الأول المشاكل الداخلية مع كل من الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية في العراق.
- يحمي حدود الإمارة من غارات سلاجقة فارس.
- يحمي ثغور الإمارة الشمالية من تعديات سلاجقة الروم والدانشمنديين والبيزنطيين في آسيا الصغرى.
- أمّا القسم الغربي فقد ورث نور الدين محمود المشكلتين الكبيرتين المتمثلتين بأتابكية دمشق والإمارات الصليبية المنتشرة في مختلف بلاد الشام[11].
اتحاد أبناء عماد الدين زنكي
وكان من الطبيعي أن تنشأ بين البيتين الزنكيين في كل من الموصل وحلب علاقات وثيقة بفعل الروابط الأسرية من جهة، واشتراك آل زنكي بعامة بهدف واحد هو الجهاد ضد الصليبيين في بلاد الشام، وكانت حلب تشكل بالنسبة للموصل خط الدفاع الأول وصمام الأمان ضد أي خطر تتعرض له، فنشأت نتيجة ذلك علاقات جيدة بين سيف الدين غازي الأول صاحب الموصل، وأخيه نور الدين محمود صاحب حلب، ثم بين الأمراء الذين توالوا على حكم الموصل بعد غازي الأول، إلا أن هذه العلاقات الودية القائمة على التعاون والدفاع المشترك، شهدت في بعض الأوقات فتورًا عامًّا، كان لا يلبث أن يتلاشى لتعود المحبة والألفة[12].
ولعل أول ثمار التعاون بين الأخوين هو اشتراكهما في التصدي للصليبيين ضد الحصار الذي فرضه هؤلاء على دمشق في شهر ربيع الأول عام 543هـ/ شهر تموز عام 1148م.
فقد استنجد معين الدين أَنُر الذي تولى زمام الأمور في دمشق بأمير الموصل سيف الدين غازي الأول وهو أقوى الأمراء المسلمين في ذلك الوقت، يستصرخه ويخبره بشدة بأس الصليبيين.
لبى سيف الدين غازي الأول نداء الاستغاثة، فخرج من الموصل على وجه السرعة، وعبر الفرات على رأس جيش كبير مصطحبًا معه أخاه نور الدين محمود، ونزل الأخوان مدينة حمص، واجتمع لديهما سبعون ألف مقاتل، وبعد حصار دام خمسة أيام لدمشق أجبر الأخوان الصليبيين على الرحيل عن دمشق.
وعندما توجه نور الدين محمود لفتح حصن العريمة ـ إحدى قلاع الساحل الشامي ـ وانتزاعه من أيدي الصليبيين، أرسل إلى أخيه سيف الدين غازي الأول في حمص ليمده بالعساكر، فأرسل إليه قوة عسكرية بقيادة عز الدين أبي بكر الدبيسي، وتمكن المسلمون من فتح الحصن، فدمروه وأسروا من كان فيه، وعاد نور الدين محمود إلى حلب، في حين عادت عساكر الموصل إلى حمص.
وفاة سيف الدين غازي الأول
كان حكم سيف الدين غازي الأول للموصل قصيرًا؛ إذ لم يلبث أن توفي في شهر جمادى الآخرة عام 544هـ/ شهر تشرين عام 1149م، بعد أن حكم ثلاث سنوات وشهرًا وعشرين يومًا، وخلفه أخوه قطب الدين مودود؛ فتسلم ما كان لأخيه من البلاد التابعة للموصل، وسانده الأميران جمال الدين الأصفهاني، وزين الدين علي كوجك[13].
________________________________________
[1] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص87، 88. شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص137، 138.
[2] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص88.
[3] شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص141: 143.
[4] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص89: 91.
[5] السابق نفسه، ص91: 93.
[6] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص112،113.
[7] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص159.
[8] السابق نفسه، ص162.
[9] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص167.
[10] السابق نفسه، ص168.
[11] السابق نفسه، ص168، 169.
[12] السابق نفسه، ص169.
[13] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص174: 177.