المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهم أسباب ودوافع الصليبيين لشن الحروب الصليبية


غرناطة الأندلس
01-28-2010, 12:36 PM
أهم أسباب ودوافع الصليبيين
كان المجتمع الأوروبي الغربي في هذه الفترة تسوده المنازعات والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين مما يساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي ، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك، وهما البابا والأمبراطور أثر كبير في مجريات الأحداث الأوروبية، فلقد بلغت البابوية درجة عظيمة من القوة واتساع النفوذ في هذه الفترة، مما فتح أمامها المجال لكي تصبح القوة العالمية بمعنى أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب على حد سواء ، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، إذ أصرت كل منهما على أن تسود وجهة نظرها وأن تكون لها الأولوية على الأخرى ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 – 491ه) (1078 – 1097م) وجد في تنفيذها فرصة كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين والسيطرة على الكنسية الأرثوذكسية الشرقية وادماجها في الكنسية الغربية تحت زعامته، على أن يتم ذلك كله تحت ستار محاربة المسلمين وحماية البيزنطيين واسترداد الأراضي المقدسة في فلسطين هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسكها بفكرة الحرب المقدسة، منها التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات واستغلالها في الحرب المقدسة، عليها تفتح لهم بذلك منفذا لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات وقد اختلفت الأراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية والدوافع الكامنة وراءها فمنها ما هو مادي والبعض يرى أنها وليدة الحماس أو التعصب الديني التي عرفت بها أوروبا في العصور الوسطى، وأن الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة والحصول على الثروات الطائلة، وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى والحديثين تلك الحروب أنها حروب دينية، وأن العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين والأخرون يعتبروها أحد مظاهر التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى وحقيقة الأمر، أن الحروب الصليّبية كانت نتيجة لتفاعل هذه العوامل مجتمعة، لأنها قامت لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأتخذت الدين وقوداً أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة ، ولا يمكن التقليل من الدافع الديني في تلك الحروب بأي وجه من الوجوه وإليك تفصيل تلك الدوافع والأسباب :
أولاً : الدافع الديني :
كان الدافع الديني من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالجموع الصليبية إلى قلب المعركة، فقد كان شعار الحروب الصليبية ومما يظهر أهمية الجانب الديني أنهم قد وضعوا إشارة الصليب على أسلحتهم والأمتعة الخاصة بهم وقصدوا فلسطين بالذات ، وقد كانت حركة الإحياء الديني قد ظهرت في غرب أوروبا في القرن العاشر الميلادي، وبلغت أشدها في القرن الحادي عشر، قد أدت إلى تقوية مركز البابوية، وإثارة الحماسة الدينية في نفوس الناس، هذه الحماسة استغلتها الكنيسة في متنفس خارجي وعندما ظهرت فكرة الحرب الصليبية اتخذت الكنائس الغرب الأوروبي ميداناً واسعاً لاستغلال نشاطه المكبوت وحماسته المنطلقة ، وكان ذلك باسم تخليص القدس من أيدي المسلمين ، ومن أشهر من تبنى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو " أوربان الثاني" والذي يعتبر المسؤول الأول عن الترويج لحرب المسلمين والتحريض على إرسال الحملة الأولى إلى بلاد الشام وكانت الظروف مهيأة، فسارع إلى عقد اجتماع في مدينة " كليرمنت" في فرنسا واستمر المؤتمر عشرة أيام حضره أكثر من ثلاثمائة من رجال الكنيسة كما حضره أمراء من مختلف أنحاء أوروبا، ومندبون عن الإمبراطور البيزنطي، وممثلون عن المدن الإيطالية .. واستطاع البابا أن يثير حماس السامعين في " خطابه " فتجاوب في أرجاء المجتمع هتاف بترديد عبارة " هكذا أراد الله " وبادر الحاضرون إلى اتخاذ الصليب شارة لهم ، كما أن البابا أشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبا من جهة القسطنطينية، وأعلن أن الناس في المشرق يعانون من ظلم المسلمين، وأن الكنائس والأديرة، قد أصابها الدمار، وحث الحاضرين على الانتقام من
المسلمين ، والحقيقة إن ما أثاره البابا من تعرض نصارى المشرق إلى اضطهاد هو إدعاء باطل، لا يتفق وروح الإسلام وطبيعة الدعوة إليه، وما أحاط النصارى به، من رعاية وعناية . وكان من الشعارات التي رفعت في هذه الحرب أن الحجاج من النصارى كانوا يتعرضون للاضطهاد والعدوان وهم في طريقهم إلى بيت المقدس – قبيل الحروب الصليبية وهذا إدعاء باطل كذلك ، يقول أحد كبار المؤرخين الأوروبيين : إن حالات الاضطهاد الفردية التي تعرض لها المسيحيون في البلدان الإسلامية في الشرق الأدنى في القرن العاشر الميلادي بالذات لا يصح أن تتخذ بأي حال سبباً حقيقياً للحركة الصليبية، لأن المسيحين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية وغير الدينية في ظل الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة، وإنما سمع لهم أيضاً بتشييد كنائس وأديرة جديدة جمعوا في مكتباتها كتبا دينية متنوعة في اللاهوت . كما أن الإدعاء بتخريب الكنائس وهدم الأديرة أو مصادرتها لم يقم عليه دليل : وإنما هي شائعات ربما أدى إليه تصرف بعينه في قرية بعينها، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتبر هو الأصل في معاملة المسلمين للمسيحيين وكنائسهم في البلاد الإسلامية . ويقرر اكثر من مؤرخ منصف أن النصارى الذين خضعوا لحكم السلاجقة، كانوا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها، وما وجد أي دليل على اضطهاد السلاجقة للنصارى في المشرق . إلا أن صيحات البابا كانت محمومة حاقدة لا تعقل ولا تفكر في العواقب الوخيمة لأنفسكم، فإنها كما تقول التوراة، تفيض لبناً وعسلاً . وقد وعد البابا الجموع المشاركين بالحرب، برفع العقوبات عن المذنبين منهم، وبإعفائهم من الضرائب، كما وعدهم برعاية الكنسية لأسرهم مدة غيابهم ، ولعل ما يدخل ضمن الدافع الديني أيضاً أنه ذاعت في الغرب أخبار الكرامات والمعجزات التي بثتها الكنسية، وساد الاعتقاد بأن نزول المسيح ثانية إلى الأرض أصبح وشيكاً ولا بد من المضي في الاستغفار وعمل الخير، قبل هبوطه، كما ساد تصور مفاده أنه ينبغي استرداد الأرض قبل عودة المسيح وقد أدرك البابا أن فورة الحماس الديني لن تستمر طويلاً، فدعاً إلى القسم وبأن تؤدي الصلاة في كنيسة القيامة، وأشاع أن اللعنة سيق النقمة، ستحل على كل من يستولي عليه الجبن والضعف أو نكص على عقبيه، وهدد بأن يتعرض كل من لا يلبي نداء الكنيسة بالتوجه صوب الديار الإسلامية بالحرمان من الكنيسة . لقد أثرت الكنيسة لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوروبا في تلك العصور على الدعوة بهذه الغزوة، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجاً في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي . ولا ننسى الحقد الصليبي على الإسلام وأهله، فقد انتزع من أيديهم أرضاً كانت تحت سلطتهم وحرر منهم عبيداً كان يرزحون تحت وطأتهم واستلب منهم ملكاً كان في قبضتهم، فغلت مراجل الحقد في صدورهم، وتأججت نار العداوة في قلوبهم، وأخذوا يتحينون الفرص يستردوا ما فقدوا وانتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم، ومزقوا مملكتهم ، وهذا المستشرق المشهور الأميرليون كايتاني (1869م إلى 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ لحركة الفتح الإسلامي في كتابه المعروف : حوليات الإسلام يوضح لنا سر الحقد على الإسلام والمسلمين في مقدمة كتابه حيث يقول : إنه إنما يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به نبياً ورسولاً ، قال تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير " (البقرة، آية :120) وقال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "
( البقرة ، آية : 217).
ثانياً : الدافع السياسي :
كان الملوك والأمراء الذين أسهموا في الحركة الصليبية يسعون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها سواء قبل وصولهم الشام وفلسطين أو بعد استقرارهم فيهما والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائماً بالأرض وبقدر ما يكون الإقطاع كبيراً والأرض واسعة بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع وفي ظل هذا النظام كانت المشكلة الكبرى التي يمكن أن تواجه الأمير والفارس هي عدم وجود أقطاع أو أرض له، مما يجعله عديم الأهمية مسلوب النفوذ وأدى هذا إلى بقاء عدد كبير من الفرسان والأمراء بدون أرض، لأن من القواعد الأساسية في هذا النظام أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الإقطاع فإذا مات صاحب الإقطاع انتقل الإقطاع بأكمله إلى أكبر أبنائه ، وهذا يعني لفناء بقية الأبناء دون أرض، وهو وضع ممقوت في المجتمع الإقطاعي، الأمر الذي جعل الفرسان والأمراء المحرومين من الأرض يتحايلون للتغلب على هذه العقبة عن طريق الزواج من وريثة إقطاع، أو الالتجاء إلى العدوان والحرب للحصول على إقطاع وكان إن ظهرت الحركة الصليبية لتفتح باباً جديداً أمام ذلك النفر من الأمراء والفرسان، فلبوا نداء البابوية، وأسرعوا إلى الإسهام في تلك الحركة لعلهم ينجحون في تأسيس إمارات لأنفسهم في الشرق، تعوضهم ما فاتهم في الغرب. أما الأمراء والفرسان الذين كانوا يمتلكون إقطاعات فقد وجدوا في المشاركة في الحركة الصليبية فرصة طيبة لتحقيق مجد أكبر والحصول على جاه أعظم وبدارستنا لمراجع الحروب الصليبية نرى أن أطماع أمراء الحملة الأولى تجلت في عدة مظاهر سياسية، فقد أخذوا يقسمون الغنيمة وهم في الطريق أي قبل أن يستولوا على الغنيمة فعلاً، وسوف نرى بإذن الله تعالى كيف استحكم النزاع فيما بينهم أمام أنطاكية لرغبة كل واحد منهم في الفوز بها وكيف من استطاع منهم أن يحقق لنفسه كسباً في الطريق قنع به وتخلى عن مشاركة بقية الصليبيين في الزحف على البيت المقدس، وهو الهدف الأساسي للحملة وكثيراً مادب الخلاف بينهم – بعد استقرارهم – حول إمارة أو الفوز بمدينة، وعبثاً حاولت البابوية أن تتدخل لفض المنازعات بين الأمراء وتحذرهم بأن المسلمين يحيطون بهم، وأن الواجب الصليبي يستدعي تضامنهم لدفع الخطر عن أنفسهم ولكن تلك الصيحات ذهبت أدراج الرياح، لأن هدف الأمراء كان ذاتياً سياسياً، ولم يكن يهمهم كثيراً أرضاً البابا أو سخطه، بل إن بعض الأمراء لم يحجموا عن مخالطة القوى الإسلامية المجاورة ضد إخوانهم الصليبيين مما يدل على أن الوازع الديني كثيراً ما ضعف عند أولئك الأمراء أمام مصالحهم السياسية ، أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي (الكسيوس) فإنه لم يعترض على أهداف أمراء الحملة، لأنه إذا تسنى للدولة البيزنطية استرداد ما كان لها من أملاك قبل غارات الأتراك عليها، جاز أن تقوم في تخومها إمارات مسيحية حاجزة، لها حق السيادة عليها، ولضمان الحصول على ذلك حرص الإمبراطور على الحصول على يمين الولاء من أمراء الغرب، وبذلك توافقت مصالح كلا الجانبين المسيحيين في القيام بالحرب والعدوان على الأرض الإسلامية والواقع أنه من العسير الفصل بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي دفعت المسيحيين إلى الحروب الصليبية، فالفقر والرغبة في الكسب، وروح المغامرة كانت عوامل هيأت الجو المناسب للحروب، غير أن هذه العوامل لم تظهر إلا بما نجم عن فكرة للحرب " المقدسة " وتخليص الأرض، من حماس ديني، والواضح أن فكرة الحرب نبعت من السياسة البابوية، وسياسة الدولة البيزنطية والحروب الأسبانية الإسلامية، فمما سهل أمر إعلان الحرب على المشرق الإسلامي، ما درج عليه الأسبان والفرنسيون في قتال المسلمين في بلاد الأندلس، حيث أتخذ هذا القتال صفة الحرب المقدسة، سواء من جهة المسلمين، حيث أثار " المرابطون " في المغرب الإسلامي الجهاد الديني، أو من جهة المسيحيين في الحالة النفسية التي اقترنت بتوجيه الحرب الصليبية إلى الشرق، حتى أن المؤرخ الكبير (ابن الأثير) نظر إلى الخطر الخارجي نظرة شمولية، واعتبر أي عدوان على طرف من أطراف العالم الإسلامي – سواء في الشرق والغرب – رافد يصب في النهر الأكبر، وهو الغزو الأجنبي المنظم على أكبر قوة حضارية في العصور الوسطى، وهو الدولة الإسلامية . الأندلس، صقلية، الشام – فلسطين " والتي تكمن في الفرقة، والأطماع الذاتية، وفقدان الروح الوثابة التي تميز بها الحكام والمسلمون الأوائل بناة الدولة الإسلامية هذا وقد كان واضح للعيان أن الكنيسة الغربية كانت محمومة لتوسيع رقعتها الإقطاعية، والسيطرة على الكنائس الشرقية، إضافة إلى رغبتها في حرب المسلمين، ومن حقائق التعصب الديني، وجود الجماعات الدينية التي كانت ترتبط بالكنيسة مباشرة وكانت ذات أثر فعال في تلك الحروب، منها فرسان الاسبتارية الذين كانوا ملتزمين بالدفاع عن ممتلكات الصليبيين في المشرق، وحماية الأماكن المقدسة وكانوا يرتبطون بالبابا مباشرة، وكانت كنائس بيت المقدس قد خصصت عشر دخلها لمساعدتهم في أداء رسالتهم الدينية المزعومة، وهناك هيئة الفرسان الداوية التي أتخذت مقرها في جزء من هيكل سليمان عليه السلام في المسجد الأقصى، وسميت باسم : فرسان المعبد، ثم حرفت إلى اسم الداوية هذا وقد كانت للبابوية ورجال الكنيسة القدرة على التأثير والضغط والتهديد بالنسبة لمن لا ينفذ رغبة الكنيسة بإصدار قرارات الحرمان التي تقضي بالحرمان من النعيم في الآخرة ونبذ طاعته في الدنيا على حد زعمهم.
ثالثاً : الدافع الاجتماعي :
ساد المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى، تمايز طبقي كبير، فقد سادت فيه طبقة رجال الدين وطبقة المحاربين من النبلاء والفرسان ، وكانت طبقة الفلاحين تمثل الأكبر المغلوبة على أمرها، والتي كان أفرادها يكدحون، ليسدوا حاجة الطبقتين الأوليين. كان الفلاح الأوروبي مغلوباً على أمره، وكان مطالباً بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال الفلاحين الكادحين، فوعدهم بإلغاء التزاماتهم نحو أسيادهم وأغراهم بخيرات الشرق الإسلامي، كان آلاف الفلاحين يعيشون عيشة منحطة في نظام الإقطاع، حيث شيدوا لأنفسهم أكواخاً من جذوع الأشجار وفروعها وغطيت سقوفها بالطين والقش، دون أن يكون لها نوافذ، ولا يوجد داخلها أثاث بل كان ما يجمعه الفلاح، يعتبر ملكاً خاصاً للسيد الإقطاعي، كما يعتبر محروم من الملكية الشخصية . وكانوا مثقلين بالالتزامات من منتجاتهم وبذلك تظهر مدى التعاسة والبؤس الذي كان يعيشه غالبية شعوب أوروبا في القرن الحاد عشر الميلادي وهكذا لم ظهرت الدعوة الصليبية، وجدت هذه الغالبية العظمى فرصتها للخلاص من حياتها الشاقة المليئة بالذل والهوان، ونظروا إلى أخطار الاشتراك في هذا الغزو. نظرة هينة أمام ما كانوا يعيشون فيه فإن ماتوا في هذه الحرب كان لهم الخلاص وإن نجوا، كانت لهم حياة جديدة أفضل مما كانوا عليه ، ولقد عرفت الكنيسة كيف تلعب بعقول هؤلاء، وتوغر صدورهم ضد الإسلام وأهله، وخدعتهم بأنهم سيحررون بيت المقدس والقبر المقدس، يباركهم الرب، والبابا، لذلك لم يردعهم رادع عن الذبح والقتل، بل كان قتل المسلم مرضاة ينال عليها الصليبي ثواباً يوم الدنيونة .
رابعاً : الدافع الاقتصادي :
يعتبر التطلع إلى خيرات المشرق الإسلامي، من أقوى دوافع الحروب الصليبية بعد الدوافع الدينية وقد عبر البابا (أوروبا) نفسه في خطابه عن أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لواقع أوروبا آنذاك فقال : لا تدعوا شيئاً يقعد بكم .. ذلك أن الأرض التي تسكنونها الآن، والتي تحيط بها البحار وقلل الجبال ضيقة على سكانها الكثيرين، وتكاد تعجز عن كفايتهم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، ويلتهم بعضكم بعضاً .. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها بل هي فردوس المباهج وإن جميع الوثائق تشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غرب أوروبا في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت فرنسا بالذات تعاني من مجاعة شاملة قبيل الحملة الصليبية الأولى، ولذلك كانت نسبة المشاركين منها تفوق نسبة الآخرين، فقد كانت الأزمة طاحنة حيث الجأت الناس إلى أكل الحشائش والأعشاب، وبذلك جاءت هذه الحرب لتفتح أمام أولئك الجائعين بابا جديدة للخلاص من أوضاعهم الصعبة وهذا ما يفسر أعمال السلب والنهب للحملة الأولى ضد الشعوب النصرانية التي مروا في أراضيها ، كذلك اشترك عدد كبير من تجار المدن الإيطالية والفرنسية والإسبانية في الحروب الصليبية بغرض استغلالي بحث من أجل السيطرة على الطرق التجارية للسلع الشرقية التي أصبحت مصدر ثراء للمشتغلين بها، لذلك قامت أساطيلهم بدور فعال في الاستيلاء على المراكز الرئيسة في الشام، فساعد الجنوية الفرنج في الاستيلاء على أنطاكية سنة 490ه - 1097م، وأسهم البنادقة بعد ذلك بعامين في استيلاء اللاتين على بيت المقدس، وكان هدف هذه الجاليات الأول والأخير هو الربح الكسب المادي ولم يكن بعينها الباعث الديني إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها، ويكفي أن نعرف أن شعار البنادقة الذين عرفوا به وقتذاك كان : لنكن أولاً بنادقة ثم لنكن بعد ذلك مسيحيين ، ولذلك قامت جمهوريات إيطاليا (جنوا – بيزا – البندقية) بعقد معاهدات مع أمراء الصليبيين بالمشرق حصلت بمقتضاها على امتيازات اقتصادية هامه .
خامساً : تبدل ميزان القوى في حوض البحر المتوسط منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) لصالح الغرب الأوروبي مركز الحركة الصليبية، فضعف الدولة البيزنطية وترنحها تحت ضربات السلاجقة القوية جعلها تسارع إلى الاستنجاد بأوروبا الغربية من ناحية، ثم اختلال أوضاع المسلمين في الجناح الغربي من العالم الإسلامي خاصة في الأندلس وصقلية، وما قابل ذلك من تيسير أسباب القوة والظهور لدى أعدائهم، مما جعل الغرب الأوروبي يرفد النصارى الأسبان بشتى صنوف الدعم والمساندة في صراعهم مع مسلمي الأندلس، وتسليط النورمان على صقلية، الأمر الذي أجبر مسلمي الأندلس على الاستنجاد بالمرابطين، ومسلمي صقلية على الاستنجاد بإفريقية من ناحية ثانية كل ذلك أدى إلى دخول الحركة الصليبية في طورها الجديد الذي اتخذ صفة
العالمية . وكانت البابوية تدعم هذه الحرب بالموافقة والتوجيه والدعاية والدعم المعنوي، فهذه حروب صليبية متقدمة على إعلان البابا أوربان الثاني بدء الزحف الصليبي إلى المشرق سنة
488ه - 1095م . وتعتبر إفريقية بمدلولها التاريخي إحد هذه الميادين في الصراع الصليبي، فقد كانت الجبهة الإفريقية ميدانا نشطت فيه قوى العدوان الصليبي لعدة قرون، يتمثل ذلك في حملات عديدة وجهت إليها الواحدة تلو الأخرى، ولم تفتر للصليبيين في ذلك همة ولم يوهن الفشل لهم عزيمة، فكما أن بلدان المغرب الإسلامي كانت أول من اكتوى من البلاد الإسلامية بنار الاستعمار الأوروبي الحديث، كانت بلدان الجناح الغربي من العالم الإسلامي ومن ضمنها إفريقية هي التي تلقت الضربات الأولى للصليبيين، والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات جغرافية وتاريخية من أهمها قربها الشديد من غرب أوروبا مركز الحركة الصليبية ومعرفة الأوروبيين الواسعة نسبياً لأوضاع المسلمين في هذه المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لسهولة الاتصال بين الطرفين، ثم الحقد الشديد الذي كان يكنه الأوروبيون للمسلمين المغاربة ، وبالذات لكونهم هم الذين تولوا عبء الجهاد في أوروبا أكثر من غيرهم من المسلمين، وما كان يشعر به الأوروبيون من خطر هؤلاء إذ تهيأت لهم الوحدة والقيادة المخلصة، لكل ذلك كانت أوروبا تتربص بمسلمي هذه المنطقة الدوائر وتتحفز للوثوب عليهم منتظرة الفرصة المناسبة، وأخذت هذه الفرصة التي طالما انتظرها محركو قوى العدوان الصليبي تتهيأ منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد)، إذ أصاب الجناح الغربي من العالم الإسلامي من التمزق ما جعله يسير بخطى حثيثة نحو التردي إلى الهاوية، ولم يكن وضع إخوانهم في المشرق بأحسن حال منهم، فكان هذا التمزق وافتراق الكلمة هو السبب الأهم في البلاء الذي نزل بالمسلمين في المشرق والمغرب على حد سواء وما أشبه اليوم بالأمس، لقد كان ولا يزال تفرق العرب والمسلمين هو الباب الواسع الذي يدخل إليهم أعداؤهم منه لضربهم في عقر ديارهم، فكان أن انطلقت القوى الصليبية في موجة عاتية تضرب المسلمين في ثلاث جبهات في آن واحد في الأندلس وصقلية وإفريقية .

غرناطة الأندلس
01-28-2010, 12:38 PM
الأندلس : فقد شهدت الجبهة الأندلسية منُذ أواسط ذلك القرن نشاطاً ملحوظاً تمثل في شن هجوم قوي مستمر من قبِل النصارى الأسبان بزعامة مملكة قشتالة على مسلمي الأندلس، حيث أخذت المدن والمعاقل الإسلامية تسقط في أيديهم تباعاً، وأحرزوا النصر على المسلمين في معارك عديدة وتوجت تلك الانتصارات بسقوط مدينة طليطلة سنة 478ه في يد الفونسو السادس ملك قشتالة تلك الكارثة التي روعت العالم الإسلامي بأسره وحيال هذا الضغط المتواصل من النصارى الأسبان اضطر مسلمو الأندلس إلى الاستنجاد بالمرابطين من العدوة المغربية، فكانوا يرسلون الاستغاثة تلو الأخرى لهذه القوة الفتية، حتى إذا ما قضى أميرها يوسف بن تاشفين على جيوب المقاومة لدولته في المغرب عبر البحر إلى الأندلس بجموع غفيرة حيث التقى بألفونسو السادس في معركة الزلاقة سنة 479ه التي سيطر المرابطون ومن ساعدهم من الأندلسيين بانتصارهم الرائع فيها صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد الإسلامي، وانتصار المسلمين في تلك المعركة أوقف المد المسيحي الأسباني حتى تهيأت له ظروف أخرى فيما بعد.
صقلية : وأما الجبهة الصقلية فقد أدى ظهور النومان كقوة جديدة في ميدان السياسة الدولية إلى تغير ميزان القوى في غرب المتوسط لصالح القوى النصرانية، إذ ما كاد هؤلاء القادمون الجدد يجدون موطئ قدم لهم في جنوب إيطاليا ويحصل جيسكارد أكبر زعمائهم على اعتراف البابا نقولا الثاني به في مؤتمر ملفي سنة 1059م وأعلن عن مشروعه في توجيه قواه ضد مسلمي صقلية إرضاء للبابوية التي كانت ترى في ذلك تحقيقاً لأهدافها الصليبية من ناحية وإبعاداً للخطر النورماني عن ممتلكاتها من ناحية أخرى، فشجعت هذا المشروع، وكدليل على موافقتها وتشجيعها أرسل البابا إلى جيسكارد راية مقدسة لينال هو وجنده ببركتها النصر على المسلمين وأصر على أن الفتوحات المرتقبة من أجل المسيح عليه السلام هي أكثر أهمية من إرسال الهدايا إلى روما ، وتّم الاستيلاء على الجزيرة في سنة 484ه في عهد رجار الأول ثم وثبت قواته على مالطة في العام التالي واحتلتها وأخذ يتحين الفرصة للانقضاض على إفريقية .
إفريقية : وأما الجبهة الإفريقية، فقد نالت حظها هي الأخرى من العدوان الصليبي في تلك الآونة بفعل قوة ناشئة هي المدن البحرية الإيطالية، فقد استغلت هذه المدن غياب القوى البحرية القديمة المتمثلة في الأسطولين الإسلامي والبيزنطي عن مياه البحر الأبيض المتوسط منُذ أوائل ذلك القرن لانشغال كلا الطرفين بمشاكله الداخلية، وأخذت أساطيلها تمخر مياه ذلك البحر القريبة من الشواطئ الأوروبية أولاً خوفاً من أسطول مجاهد العامري صاحب دانية الذي استطاع تجميد نشاطها لفترة من الوقت حتى إذا ما تمكنت من إزالة ذلك الخطر بدأت منُذ أواسط القرن المذكور تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط شرقاً وغرباً، وقد وضعت هذه المدن قوتها البحرية في خدمة الأهداف الصليبية منُذ البداية لتحقيق مكاسب خاصة بها فبتشجيع البابا لاون التاسع استولى تحالف من جنوة وبيزا على جزيرة سردينيا الإسلامية سنة 442ه- 1063م حيث خرب أرباضها وميناءها وغنم غنائم كبيرة، وكما اشتركت هذه الأساطيل في حروب الجبهة الصقلية اشتركت في حروب الجبهة الأندلسية، فأسهمت في مطاردات المسلمين الأندلسيين عن طريق البحر وأخذت نصيبها من الغنيمة، وفرضت حصاراً بحرياً على المرية حتى دفعت لها تلك المدينة فدية ضخمة تقدر بمبلغ 113 ألف دينار ذهبي، كما أجبرت بلنسية على دفع أتاوة مماثلة تقدر بمبلغ 20 ألف دينار ذهبي لتفتدي نفسها بذلك من النهب والسلب ، وهاجمت الجزائر الشرقية (جزر البليار) عدة مرات. ونتيجة لذلك، أصبحت القوة البحرية الإيطالية هي المتحكمة في مياه البحر الأبيض المتوسط مما دفعها إلى مزيد من المغامرة، فوجهت نشاطها إلى إفريقية التي كانت لا تزال تحتفظ بقوة بحّرية بمّد يد المساعدة لإخوانهم في صقلية أو غيرها من ناحية ثانية، ثم لتحقيق أهدف الحركة الصليبية في إفريقية من ناحية ثالثة، فقامت قوة بحرية ضخمة مكونة من أسطولي جنوة وبيزا مدعومة بفرق من مدينة أمالفي وقوة عسكرية أخرى أمدهما بها البابا بمهاجمة مدينة المهدية 480ه/1087م أي بعد الاستيلاء على طليطلة بعامين وقبيل الاستيلاء الكامل على صقلية وأستولت عليها باستثناء قلعتها، وظلت في يدها إلى أن دفع صاحبها تميم بن المعز للقوى المتحالفة فدية مالية ضخمة وعقد مع الغزاة معاهدة نصّ أحد بنودها على تعهّد تميم بعدم التعرض للسفن الإيطالية في المياه الإفريقية، ومنحهم امتيازات تجارية في بلاده كما سيذكر في موضعه ومما تقدم يتضح أن هذا الهجوم الصليبي على القسم الغربي من العالم الإسلامي منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) والذي كانت تدير دفته البابوية قد احتدم في ثلاث جبهات كانت إفريقية إحداها ولا شك أن هذا الهجوم كان وجهاً من أوجه الحركة الصليبية، وهذا يؤكد أن الحروب الصليبية بدأت في إفريقية قبل الزحف الصليبي إلى المشرق، ويؤكد هذه الحقيقة ما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 491ه إذ يفهم من النص الذي أورده أن تلك الحوادث كانت مترابطة يحركها محرك واحد وأنها كانت بداية لموجة الحروب الصليبية في ذلك الطور من أطوار الحركة الصليبية إذ يقول : كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس .. ثم قصدوا سنة أربعة وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها.. وتطرقوا إلى إفريقيا فملكوا منها شيئاً وأخذ منهم – ثم ملكوا غيره على ما تراه – فلما كان سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام ، وعلى الرغم من اتجاه معظم قوى الحركة الصليبية إلى المشرق، إلا أن ذلك لم يمنع من بقاء فكرة احتلال إفريقية ماثلة في أذهان ذوي الأفكار الصليبية وبقي تطلع النورمان للاستيلاء عليها قائماً حتى تم لهم ذلك في عهد رجار الثاني حيث استولى على معظم سواحلها من طرابلس شرقاً إلى مدينة تونس غرباً في سنة 543ه/1148م، فكانت الحرب الصليبية مشتعلة في الجبهة الإفريقية أثناء احتدامها في جبهة المشرق، وبقي الوجود النورماني ماثلاً فيها حتى قام عبد المؤمن بن علي زعيم دولة الموحدين بطردهم من المهدية آخر معاقلهم فيها سنة 555ه/1160م ، وعندما حدث نوع من تبدل ميزان القوى في المغرب الإسلامي نجد ذلك ساهم في جبهة المقاومة الإسلامية في المشرق في عهد نور الدين محمود زنكي وصلاح الدين الأيوبي، كما سيأتي بيانه بإذن الله في دراستنا عن الزنكيين والأيوبيين.
سادساً : استنجاد أمبراطور بيزنطة بالبابا أوربان الثاني :
استنجاد الإمبراطور الكسيوس كومنين (1081 -1118م) ضد السلاجقة، لم يكن هذا الاستنجاد في الحقيقة الأول من نوعه بل سبقه استنجاد الأمبراطور (ميخائيل السابع) بالبابا (جريجوري السابع) عقب موقعه ملاذكرد 463ه السالفة الذكر، فالمعروف أن الحرب على الترك كان من الأغراض التي تنطوي عليها الدعوة البيزنطية، فالأناضول يعتبر أكثر أهمية من بيت المقدس عند الدولة البيزنطية ، ولذلك لما أصبحت عاصمة البيزنطيين مهددة من قبل السلاجقة كان لزاماً على الأمبراطور أن يستنجد بالغرب في مقابل اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية، وقد أرسل البابا جريجوري السابع إلى الأمبراطور ميخائيل السابع رداً مرضياً بدافع العاطفة المسيحية من جهة، وبدافع سياسي من جهة أخرى، فما يحشده من جيش سوف يقضي على الانشقاق بين الكنيستين ويزيد من نفوذ البابوية في الشرق مثلما زاد في الغرب. غير أن الحرب التي نشبت بين جريجوري السابع والامبراطور (هنرى الرابع) منعته في المضي في مشروعه ولما خلف الأمبراطور (الكسيوس كومنين) الأمبراطور ميخائيل السابع : بعث برسالة إلى البابا أربان الثاني وإلى كبار رجال الإقطاع سنة 487ه يدعوهم لإرسال المساعدات لنجدة إخوانهم في الشرق وحماية القسطنطينية ضد الخطر السلجوقي ، ولقد كان (الكسيوس) يرغب في أن يبعث له الغرب ببعض الجند المرتزقة ولكن البابا أوربان لم يشأ أن يجعل نفسه في خدمة الدولة البيزنطية، بل أراد أن تتولى البابوية تقديم المساعدة للمسيحيين في الشرق، وهذا التغيير في الفكرة يؤدي إلى أن يحشد العالم المسيحي اللاتيني جيشاً ضخماً، لا أن يبعث بجنود مرتزقة تخضع لأهواء الأمراء، وأشار هذا الاختلاف في التفكير إلى المتاعب منُذ البداية ما أساء العلاقات بين البيزنطيين والصليبيين والثابت تاريخياً أن المسؤل الأول عن قيام الحركة الصليبية هو البابا أوربان الثاني، فهو الذي أنذر بقيام تلك الحروب يؤيده في دعواه الجهاز الكنسي في الغرب، وينسب إليه جميع المؤرخين اللاتين المعاصرين له، الدور الرئيسي في تحقيق هذه الفكرة .
سابعاً : شخصية البابا أوربان الثاني ومشروعه الشامل للغزو الصليبي :
ولد أوربان الثاني عام 427ه/1035م في شاتيون سير مارن واسمه أودو، وقد درس على يدي القديس برنو الذي أسس نظام الكارسوسيين وفي عام 461ه/1068م أصبح راهباً في دير علوني بالقرب من ماكون، وقد التحق بخدمة البابا المتسلط المؤمن إيماناً راسخاً بتفوق البابوية على الإمبراطورية ونعني به جريحوري السابع وتم تعيينه كاردينالا أسقفاً لاوستياً في عام 473ه/1080م، وخدم الكنيسة في ألمانيا خلال المرحلة من 477ه/1084م، وقد ساند على نحو شرعي البابا جريجوري السابع في خلال صراعه مع الأمبراطور هنري الرابع، وقد ارتبط أربان الثاني بسينودس (مجمع كنس) في ساكسوني الذي عقد عام (478ه/1085م) وعند وفاة البابا فيكتور الثالث في 16 سبتمبر 1087م في مونت كاسينو ثم السيطرة على روما عن طريق كايمنت الثالث، وتم انتخاب أوربان الثاني بعد تأخير طويل في تراكينا إلى الجنوب من روما بالقرب من جايثا وحمل اسم أوربان الثاني
(481 – 493ه/1088 – 1099م) ونلاحظ من خلال سيرة هذا الرجل أنه اتسم بالنشاط الوافر، وأحكام سيطرته على كافة مناطق نفوذ الكنسية الأم، ولعل موقفه من أسبانيا يمثل لنا بعد مهما، فقد أيد ذلك البابا الحرب ضد المسلمين وعندما أمكن للأسبان اخضاع بعض المناطق التي كانت من قبل تحت سيادة أعدائهم سارع البابا بجعلها ضمن نفوذ كنيسة روما ولا شك أن أوربان الثاني في دعمه الحرب ضد المسلمين هناك كان سير على خطى وهدى البابا الكسندر الثاني، وهكذا يؤكد لنا على حقيقة محورية وهي وجود استراتيجية عليا عليا للبابوية في روما تتجه نحوها وتنفذها بحرص في القرن الحادي عشر الميلادي/ الخامس الهجري على نحو خاص بغض النظر عن تغير وتقلب البابوات، وأهم ملامح هذه الاستراتيجية هي توسيع نفوذ كنيسة روما، وتوحيد الكنائس، ومحاربة الإسلام أينما وجد باعتباره العدو اللدود الذي لا مناص من مواجهته ومحاولة الانتصار عليه بأي ثمن ، ومن الملاحظ أن من خلال الاستغاثات البيزنطية المتعددة، وانشغال من سبق أوربان الثاني بأمور متعددة، جاءت الفرصة السانحة لهذا البابا، وفي مجمع بباكنزا بإيطاليا في مارس 1095م ، 488ه اتجه إلى الاستجابة لدعوة الإمبراطور الكسيوس الأول كومنيونوس (474 – 512ه) (1081 – 1118م) غير أن مجمع بياكنزا أخفق فيه البابا في الدعوة لشن حرب صليبية ضد المسلمين في الشرق .
أوربان الثاني يعقد مجمعاً كنسياً في جنوب فرنسا : إن إخفاق مجمع بياكنزا لم يثن ذلك البابا العنيد الطموح عن تحقيق هدفه بكل الوسائل الممكنة، وقد اتجه إلى بلاده الأصلية فرنسا من أجل معاونته على نجاح مشروعه المرتقب، وقد دل ذلك الاختيار على ذكائه خاصة أن جنوب فرنسا التقليدي المحافظ كان بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها الأسبان ضد المسلمين في أسبانيا، بالإضافة إلى أن مجرد طرح الفكرة على الأرض الفرنسية كان من الممكن أن يحقق نجاحاً فورياً من خلال أنها الموطن الأصلي للبابا، وهو أدرى بشعابها، خاصة أنها – في نفس الحين – ذات تاريخ خاص مع الإسلام خلال معركة بواتيه المعروفة لدى المسلمين بمعركة بلاط الشهداء عام (114ه - 732م) والتي فيها هزم المسلمون وتم وقف المد الإسلامي وإعاقته عن الامتداد فيما وراء جبال البرانس، وسوف ندرك من خلال تحليل خطاب البابا في مجمع كليرمنت أن كافة تلك الزوايا، لم تغب عن ذهن ذلك الرجل الحاد الذكاء، القوي الإرادة منُذ أن تربى في أحضان حركة الكارسوسيان الرهبانية الصارمة، مهما يكن من أمر، فإن البابا اتجه إلى كليرمنت فران بجنوب فرنسا وعقد مجمعاً كنسياً هناك وفي اليوم العاشر عقد المجمع الذي تناول فيه العديد من القضايا التي تهم الكنيسة : ألقى البابا على مستمعيه خطاباً بالغ الأهمية والخطورة وذلك في يوم 27نوفمبر 1095م .
الخطبة التي ألقاها أوربان الثاني : كان للخطبة التي ألقها البابا أوربان الثاني في المجمع الديني الذي انعقد في كليرمونت عام 488ه / 1095م أثرها البالغ في نفوس المسيحين المجتمعين في هذا المجتمع فقد الهبت حماسهم وأصابتهم بحالة غبر عنها المؤرخ جوستان لوبون في كتابه (حضارة العرب) : بأنها نوبة حادة من الجنون ، إذ قال البابا : يا شعب الفرنجة، يا شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد، وبلاد المسيحيين في الشرق، وقلب موائد القرابين المقدسة، ونهب الكنائس وخربها وأحرقها، وساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، ودنسوا الأماكن المقدسة برجسهم، وقطعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين على من أذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم. أنتم يا من حباكم الله أكثر من أي قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على أذلال رؤوس من يقفون في وجوهكم ؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم – أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا – الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لوثت ودنست – لا تدعوا شيئاًَ يقعدبكم من أملاككم أو من شؤون أسركم، ذلك بأن هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار، وتلل الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بما يكفيكم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، وتتحاربون ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية. طهروا قلوبكم إذن من الحقد، وأقضوا على ما بينكم من نزاع واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها. هي فردوس المباهج. إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها. فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السموات وهكذا كان لهذه الكلمات الحماسية التي ألقاها البابا أوربان الثاني أثرها البالغ في نفوس المسيحيين المجتمعين فبعد أن أنهى البابا خطبته مباشرة صاح المجتمعون صيحة رجل واحد قائلين هكذا أراد الله ولم يكد البابا أوربان الثاني ينتهي من خطابه هذا، حتى نهض إليه الأسقف أدهمير دي مونتيل، وركع أمام قدمي البابا، والتمس منه الإذن بأن يلحقه بالحملة المقدسة، وأمام هذا الموقف المؤثر تحركت مشاعر المجتمعين وتدافعوا بالمئات يركعون أمام البابا مثل أدهمير في حماس منقطع النظير وحملوا الصلبان وحلفوا جميعاً على تخليص المدينة المقدسة، ويعقب المؤرخ المعاصر للأحداث وهو – روبرت الراهب – فيقول : ياله من عدد كبير من الناس، من كل الأعمار ومن مختلف المستويات الذين تقلدوا الصلبان خلال مجمع كليرمونت، وقد حلفوا على تخليص المدينة المقدسة وقد وصل عددهم إلى 300 ألف وإزاء هذا الموقف المتحمسين لا دهمير – عينه البابا أوربان الثاني ممثلاً شخصياً ونائباً عنه ليوضح للجميع أن الحملة تحت إشراف الكنيسة، بل تحت إشرافه هو مباشرة .
ما يستنتج من خطاب البابا أوربان الثاني ؟ قام الدكتور محمد مؤنس عوض بدراسة واعية للحروب الصليبية واستفاد من مراجعهم وقام بتحليل لخطاب البابا من خلال أربعة نصوص لأربعة من المؤرخين المعاصرين، هم فوشيه الشارترى، وروبير الراهب وجوبرت النوجتي ويودريك الدولى، وهناك تصور بأن فوشيه الشارترى كان من بين الذين حضروا مجمع كليرمنت، وبصفة عامة، من الممكن عقد مقارنة بين النصوص الواردة في مؤلفات المؤرخين الأربعة من أجل التوصل إلى حقيقة ما أعلنه البابا في خطبته الشهيرة، وعند مقارنة تلك النصوص يمكن استنتاج الآتي :
- وجه البابا حديثه إلى جنس الفرنجة من أجل التركيز على البعد الأثني أو العرقي، وأوضح أن الله قد ميزهم بموقع بلادهم، وبعقيدتهم الكاثوليكية، وعمل على تذكيرهم بالبعد التاريخي من خلال أمجاد شارل مارتل وشارلمان وما قدماه للمسيحية من خدمات جليلة، على نحو عكس أهمية حافز "الذاكرة التاريخية" في تشكيل تلك الظاهرة التاريخية الكبرى .
- أشار البابا إلى أن هناك أخباراً مؤسفة ومزعجة قدمت من الشرق مفادها أن جنساً ملعوناً وهم عرق، عرق ملعون غريب تماماً عن الله وهم حقاً جيل لم يتوجه بقلبه أو يعهد بروحه إلى الله ، ويقصد بذلك الأتراك السلاجقة، ذبحوا المسيحيين الشرقيين، وحولوا الكنائس إلى أسطبلات لخيولهم وأن دماء أولئك المسيحيين تنادي مسيحيين الغرب من أجل إنقاذهم من براثن أعدائهم الكفار.
- عمل البابا على إثارة مطامع سامعيه في ثروات الشرق فأوضح أن الأرض في الغرب الأوروبي ولاسيما في فرنسا ضاقت بسكانها، وطلب من الناس الذهاب إلى الشرق حيث أرض كنعان التي تفيض لبناً وعسلاً وفي ذلك الدليل الجلي الذي لا يقبل ارتياب مرتاب على أن البعد الاقتصادي للحركة الصليبية، قد تم الإعلان عنه بصراحة كاملة منُذ اللحظات الأولى لميلادها.
- وعد البابا كل من يحمل السلاح ويتجه إلى الشرق بأن تغفر ذنوبه وآثامه وبمعنى آخر قدم لهم الغفران الكنسي، أما إذا استشهد المرء في سبيل تحقيق هدفه فإنه يعد شهيداً من شهداء المسيحية الأبرار وجميعها مغريات مهمة في عصر سادته ظاهرة الهوس الديني العاطفي في العالم المسيحي الأوروبي.
- اتجه البابا إلى الإشارة إلى بيت المقدس، وهي الجنة الأرضية قلب العالم، التي شهدت ميلاد السيد المسيح وطهرها بموته وذكر لمستمعيه أنها تناديكم من أجل تخليصها من براثن محتليها من الكفار، وأود أن أقرر هنا أن تلك المدينة مثلت محوراً على قدر عظيم من الأهمية : من أجل إثارة الشعور الديني لدى مستمعي البابا وفي أغلب النصوص التي وردت إلينا بشأن الخطاب المذكور نجد أن بيت المقدس تحتل مكاناً بارزاً ومحورياً، وهو أمر منطقي تماماً من خلال مكانتها وقداستها الدينية، كذلك أنها مثلت الحلم الجماعي الخاص بالحج المسيحي في ذلك العصر.
- حرص البابا على تدعيم خطابه بعدد من النصوص الواردة في الكتاب المقدس من أجل إثارة الشعور الديني لمستمعيه، أو ربما من أجل أن يعطي لخطابه قداسة خاصة مثل عبارات ذلك الكتاب في العقل الجمعي الأوروبي في ذلك العصر، ومن أمثلة ذلك العبارة الواردة في إنجيل متى وهي : من أحب أباً وأمَّاً أكثر منى فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني . كذلك العبارة القائلة : من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني . والتي وردت في نفس الأنجيل المذكور.

غرناطة الأندلس
01-28-2010, 12:42 PM
- ترتيب الأولويات عند البابا أوربان الثاني : كان البابا أوربان الثاني بارعاً في عرض أفكاره وكذلك في إخفاء بعضها، وقد ركز على أمر بيت المقدس حتى يقدم طريقاً واحداً على الغرب الأوروبي السير فيه دون تردد ويخلق لمعاصريه (وحدة الهدف) من خلال وحدة المؤسسة الدينية الداعية له في صورة البابوية، وعلى هذا الأساس، لم يرد في الخطاب المذكور أية عبارات عن رغبته العارمة في توحيد الكنائس وإخضاع كنيسة القسطنطينية لسيطرة الكنيسة الأم في روما كذلك لم يرد فيه ما يدل على الهدف التنصيري وهو هدف محوري للبابوية من خلال المشروع المرتقب، وتعليل ذلك الإخفاء، يكمن في أن البابوية أدركت أن هناك أولويات في طرح المشروع ينبغي عدم تخطيها، وأن وحدة العالم المسيحي تتطلب عدم تشعيب الأهداف وطرحها حتى لا يغيب الأمر منُذ اللحظات الأولى، ويلاحظ هنا أن لغة البابوية في الخطاب ذات طابع متكتم في عرض الأهداف الأخرى لها، أما فيما بعد نجاح المشروع والاستيلاء على الرمز الديني المسيحي في صورة بيت المقدس، وجدنا – والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى – الإفصاح عن الأهداف الأخرى بوضوح وصراحة كاملتين وفي هذا دليل واضح على أن تلك المؤسسة الدينية ذات التأثير الفعال رأت تحقيق أهدافها جزءاً جزءاً وليس دفعة واحدة، وهو أخطر ما في المشروع برمته، وفي تقديري ، أن البابا أوربان الثاني لم يغيب عن تفكيره ذلك الجانب بحكم أنه المهندس الأول للمشروع والداعي الأصلي لفكرته، وفي واقع الأمر : أن الخطاب الذي القاه البابا في مجمع كليرمنت يعد على جانب كبير من الأهمية التاريخية، فلم نسمع من قبل في تاريخ أوروبا القرون الوسطى أن خطاباً كان معبراً عن عصره بمثل هذه الصورة كما لم نسمع عن خطاب حرك الجماهير الأوروبية الغفيرة عن مواطنها الأصلية إلى الشرق بمثل تلك الدرجة التي تحدثنا بها المصادر التاريخية المعاصرة، ولذلك لا ننظر إليه على أنه مجرد خطاب عادي، بل أنه إعلان ما يشبه " الحرب العالمية " في العصور الوسطى من جانب الغرب الأوروبي ضد الشرق الإسلامي، وذلك دونما مبالغة أو قولية أو اعتساف في الأحكام، بل من خلال شواهد التاريخ التي وقعت في أعقابه. ويلاحظ أنه في أعقاب إلقاء البابا لخطابه صاح الحاضرون صيحة واحدة وهي الله يريد ذلك، وكانت صيحة المسيحية لمحاربة الإسلام وأهله، وأتخذوا الصليب شعاراً ومن هنا كانت تسميتهم
بالصليبيين .
- قدرة البابا أوربان الثاني على تقديم مشروع عام : استطاع أوربان الثاني أن يوحَّد شعوب الغرب في مشروع عام على الرغم من أن لغات هذه الشعوب وعاداتها المحلية، واهتمامات أبنائها كانت تختلف اختلافاً بيناً. ولكن الفكرة الصليبية التي جمعت جماهير الغرب الأوروبي لم تكن لتنجح لو لم تكن متوافقة مع حركة المجتمع، هذا التوافق بين الفكر والواقع، بين التبرير الأخلاقي للحرب، وحركة المجتمع هو الذي خلق الإيديولوجية التي تحركت الجماهير الأوروبية في إطارها، فعلى المستوى الشعبي كان تفكير الناس في أوروبا الغربية في القرن الحادي عشر يتوازى مع السياسة البابوية وفكرة الحرب المقدسة إلى حدما، إذ أن أوروبا كانت قد بدأت حركة إحياء دينية مع مشرق شمس القرن الحادي عشر. ومع اقتراب الألف الأولى بعد المسيح من اكتمالها سرت موجة بالإحساس بالذنب والرغبة في التوبة في غرب أوروبا، فقد تعمق لدى الإنسان الغربي الشعور بالخطيئة والإحساس بالذنب، والحقيقة أن من يقرأ مصادر تاريخ القرن الحادي عشر في غرب أوروبا لا يمكن أن يغفل إصرار الناس في ذلك الزمان على أن يضمنوا لأنفسهم غفران خطاياهم وكان هذا نتاجاً للمشاعر الألفية والأخروية التي ملكت على الناس وجدانهم وعقولهم مع توقعاتهم لمجئ الدينونة، وانتشر الوعاظ الجوالون في كل أنحاء الغرب الأوروبي يحثون الناس على الزهد والتوبة والتشبه بحياة الفقر التي عاشها الحواريون وفي غمرة هذا التدين العاطفي الذي حكم تصرفات المجتمعات الغربية سادت مشاعر الكراهية والتعصب ضد أتباع الديانات الأخرى، بل، وضد من يعتنقون مذهباً غير المذهب الكاثوليكي. وثمة دليل قوى على هذا في طيات الملحمة الصليبية المعروفة باسم " أنشودة أنطاكية" التي تعكس، بشكل أمين، روح الانتقام التي سرت في المجتمع الكاثوليكي ضد "الوثنيين المخذولين" – على حد زعمهم – كما أن القصيدة لا تعتبر أن الأمة المعادية للمسيح هم المسلمون فقط، وإنما يصدق هذا الوصف أيضاً على كافة من لا يعترفون بعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وهي بهذا تجسد التفكير الشعبي في أوروبا القرن الحادي عشر، هذا التفكير الشعبي كان هو الآخر واحداً من ملامح الإيديولوجية العامة التي أفرزت الحركة الصليبية، لقد تمثل نجاح أوربان الثاني في أن خطبته التي دعا فيها إلى الحملة الصليبية كانت بمثابة بؤرة تجمعت فيها كل الأفكار التي مثلت الإطار الإيديولوجي لحركة المجتمع الغربي آنذاك على الرغم من الاختلافات اللغوية والعادات والتقاليد وهكذا لم تكن استجابة جماهير المستمعين إلى البابا في كليرمون مجرد رد فعل لبلاغة كلماته، وإنما كانت هذه الاستجابة تعبيراً عن فرحة أولئك المستمعين بالمشروع الذي مسى أوتار الآمال التي كانت تداعب كلامتهم تقريباً، وجاءت الحرب المقدسة ستاراً مدهشاً يمكن للجميع أن يتحركوا من خلاله لضمان تحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي ويوسعنا أن نورد عشرات التعبيرات الواردة في المصادر التاريخية والحوليات المعاصرة تصف الصليبيين بأنهم "فرسان المسيح" و"رجال المسيح" أولئك الذين يكونون جيش المسيح و " الشعب المقدس" و " شعب الرب " وهي كلها تعبيرات تشير بأن فكرة الحرب الصليبية كانت قد رسخت في الأذان بحيث كان الناس على اقتناع كامل بأنهم حين يشاركون في هذه الحملة لا يفعلون ذلك استجابة لأوامر أي مخلوق، ولا حتى البابا نفسه، وإنما هم يطيعون الرب .

غرناطة الأندلس
01-28-2010, 12:45 PM
الاجتماع الاستشاري للبابا بعد خطابه : كان البابا أوربان الثاني يجتمع مع رجال الدين النصراني ويستشيرهم في حشد الطاقات الرسمية والشعبية لغزو المسلمين، فقد اجتمع مع أساقفته وبعد هذا الاجتماع الاستشاري خرجوا بالقرارات الآتية :
كل من ارتكب جرماً يعاقب عليه، يصبح في حل من العقوبة إذا اشترك في هذه الحرب المقدسة.
كل مال من عقار أو متاع يتركه المحارب الذاهب إلى الأرض المقدسة يكون تحت حماية الكنيسة أثناء غيابه .. وترده كاملاً حين يعود المحارب إلى وطنه.
ينبغي لكل مشترك في الحملة أن يحمل علامة الصليب.
على كل من اتخذ الصليب أن يفي بالوعد بالمسير إلى بين المقدس فإذا رجع عن عزمه طرد من الكنيسة.
كل بلد يخلص من أيدي الكفار " المسلمين " يجب أن يرد للكنيسة.
ينبغي أن يكون كل فرد جاهزاً لمغادرة وطنه في عيد العذراء.
ينبغي أن تلتقي الجيوش في القسطنطينية. ولقد قام البابا هذا فأرسل أساقفته بهذه القرارات لتبليغها لملوك العالم المسيحي وأمرائه في الغرب .
حملة الدعاية الصليبية : افتتح خطاب البابا أوربان الثاني مرحلة على جانب كبير من الأهمية في صورة الدعاية الصليبية وهي دعاية قامت على أساس الانتقال الشخصي للعديد من المواقع، ومخاطبة قطاعات مختلفة من البشر، وقد كان لها دورها الفعال من أجل إنجاح ذلك المشروع، ومن الممكن ملاحظة أن الحملة الصليبية الأولى – على نحو خاص – تم الإعداد الدعائي لها بمنتهى البراعة والاتقان منُذ الخطاب المذكور وفي هذا الصدد تم حشد جيش من الدعاة من أجل مخاطبة كافة قطاعات المجتمع الأوروبي كل على قدر تصوره، وقد قام البابا أوربان الثاني بعد عقد مجمع كليرمنت بالانتقال إلى مدن تور، وبوردو، ونمييز ومكث تسعة أشهر داعياً لمشروعه الجديد ، كذلك فإنه قام بإرسال العديد من الخطابات، من أجل الدعوة لمشروعه الصليبي، ومن ذلك الرسائل التي أرسلها كافة المؤمنين بالمسيحية – في القلاندروز، وكذلك إلى بولونا وقالوا مبروز وكذلك إلى كونتات سردانيا وروسيللون، وبيسالون وامبورياس، ويلاحظ أن الخطابات المذكورة لا يمكن فصلها عن دور البابا في مجمع كليرمنت فهي تكملة ومواصلة حقيقية لدوره الدعائي للحروب الصليبية .
العقلية التنظيمية لأوربان الثاني : ويلاحظ أن الخطابات التي أرسلها البابا من أجل مشروعه الصليبي، تقدم لنا عدداً من التفصيلات التي لم ترد في خطاب كليرمونت ومن بينها تقريره بدور المندوب البابوي أدهيمار أسقف لي بوى، ويذكر ضرورة طاعة أوامره كأنها صادرة من البابا شخصياً، كذلك قرر أنه لا يسمح للرهبان أو القساوسة بالاتجاه إلى الشرق إلا بعد الحصول على إذن من أساقفتهم، وكذلك مقدمي الأديرة تجنباً للتمرد والفوضى وينبغي أن ندرك : أن تلك المصادر الوثائقية التي بأيدينا تكشف لنا عن العقلية التنظيمية الدقيقة لأوربان الثاني، ولذلك نراه أمتلك رؤية شاملة للمشروع الصليبي – في تلك المرحلة المبكرة على الأقل – وقد حرص الحرص أجمعه على نصيحة من سيشاركون في الرحلة إلى الشرق بضرورة الطاعة العمياء لأوامره، وكذلك أوامر رؤسائهم المباشرين، كما نستشعر أن البابا ألح على فكرة وحدة العالم المسيحي، وكأن ما حدث في الشرق للمسيحيين – في زعم الدعاية الأوروبية المغرضة – هو أمر يدخل في صلب اهتمامات قاطن الغرب الأوروبي، وأن مساعدة الفرنجة وغيرهم للمسيحيين الشرقيين هو جزء رئيسي من واجباتهم كمسيحيين ، على أية حال، فإن الثمرة الطبيعية للدور التنظيمي والتخطيطي والدعائي الذي قام به البابا وكبار رجال الكنيسة الذين معه قيام الحرب الصليبية ومما ساعدهم على ذلك اختيار التوقيت المناسب للحرب.
بطرس الناسك : تأثر بطرس الناسك بخطاب البابا أوروبان الثاني وكان له تأثير شديد على كل من يركب حماراً – ينتقل به من بلد إلى آخر، وكان يسير حافي القدمين ويرتدي ملابس رثة، ويتحدث المؤرخ روبرت الراهب عنه فيقول : إن بطرس هذا هو رائد الحرب الصليبية، وأنه كان يفوق في ورعه القسيسين والأساقفة، وكان ممتنعاً عن تناول الخبز واللحم بل جعل غذاءه السمك، وكان لا يسمح لنفسه إلا بقليل من النبيذ وبعض الطعام الغليظ . وعلى الرغم من مظهر بطرس الناسك وحالته الرثة إلا أنه كانت له قوة غريبة تثير حماس الرجال والنساء وتجذب الجماهير إليه، فاستطاع أن يجذب وراءه حوالي خمسة عشرة ألف شخص من الفقراء الذين كانوا يتبعونه من بلد إلى آخر بحماس شديد على الرغم من أن غالبيتهم كانوا لا يدرون شيئاً عن استعمال السلاح أو الفروسية، بل لم يشتركوا في أي حرب من قبل إلا أن تأثرهم بكلمات بطرس الناسك الحماسية ومظهره جعلهم يندفعون في حماس جارف وراءه دون التفكير في أي احتمالات أخرى، فلقد كانت خطبه نارية ممزوجة بالبكاء والعويل وصب اللعنات على الكافرين، وبوعد الرب للذين يزحفون لانقاذ قبر المسيح بالمغفرة، وتؤثر فصاحته التمثيلية الخيالية في قلوب الجموع . ومما نحب الإشارة إليه أن الوعاظ الذين قاموا بدور مماثل لبطرس الناسك في التبشير بالحروب الصليبية والدعاية لها إنما كانوا يعدون بالمئات والآلاف وقد تأثر الناس بهؤلاء الوعاظ ويصف المؤرخ بودري بوصفه معاصراً لأحداث هذه الفترة الزمنية أن بعض العامة من المسيحيين كانوا يرسمون على صدورهم علامة الصليب بواسطة الحديد المحمي على النار ليتباهوا بإظهار حماسهم وليوهموا الآخرين بأن هذه العلامات إنما جاءتهم عن طريق معجزة وهكذا انطلق الجميع يتجهزون للذهاب للأراضي المقدسة بالشام بعد تلك الكلمات التي سمعوها، وكان معظمهم يبيعون ما يملكون ليجهزوا أنفسهم للرحيل طمعاً في محو ذنوبهم ورضاء الله عنهم وكان الآباء سعداء برؤية أولادهم يرحلون، كما كانت الزوجات في غاية الفرح لدى رؤيتهن لأزواجهن وهم يتأهبون للرحيل، فحماس الجميع كان منقطع النظير، واقتناعهم بهذا العمل كان شديداً ، وعلى قدر الفرحة الكبيرة التي شعر بها أولئك الذين غادروا بلادهم للالتحاق بالحملة الصليبية الأولى كان الأسى والحزن يخيم على أولئك الذين لم يخرجوا في تلك الحملة .
غفلة المسلمين عما يدبر لهم : كانت الدولة الإسلامية في العهد الأموي مثلاً لها جهاز استخبارات اخترقت البلاط البيزنطي وقد بينت ذلك في كتابي عن الدولة الأموية وأما بالنسبة في عهد الدولة العباسية فإننا لم نعثر في المصادر الإسلامية على أية خطبة حماسية لأي من الخليفتين العباسي أو الفاطمي كرد فعل على خطبة البابا أوربان الثاني أو على الأقل نشعر من أن المسلمين علموا بما جرى في مؤتمر كليرمونت. ولعل السب في ذلك يرجع إلى إنشغال كل من الدولتين العباسية والفاطمية بالتنازع فيما بينهما ومحاولة كل منهما التغلب على الأخرى لتكون لها السيادة، فظلوا في سبات عميق حتى وصلت الحملة الصليبية الأولى بالفعل إلى بلاد الشام ، ولعل ما يؤكد هذا ما جاء في كتابات ابن القلانسي من أن أخبار الصليبيين لم تصل للمسلمين في بلاد الشام إلا في سنة 490ه/1097م، فيقول في ذلك وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الإسلام فعظم القلف وزاد الخوف والفرق ، ومع ذلك فإن رد الفعل الإسلامي الوحيد الذي ظهر قبيل وصول الحملة الصليبية الأولى في بلاد الشام، كان من جهة السلاجقة في آسيا الصغرى عندما استطاعوا القضاء بكل سهولة على القسم الأول من القوات الصليبية المعروفة باسم " حملة العامة " فضلاً عما قاموا به من عمليات دفاعية عن ممتلكاتهم في آسيا الصغرى ،
الموضوع مقتبس من كتب الدكتور علي محمد الصلابي

المعتمد بن عباد
01-28-2010, 06:11 PM
ان الطغاة كانوا دائما جسر الغزاة

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

المعتمد بن عباد
01-28-2010, 06:11 PM
ان الطغاة كانوا دائما جسر الغزاة

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .