غرناطة الأندلس
01-28-2010, 12:36 PM
أهم أسباب ودوافع الصليبيين
كان المجتمع الأوروبي الغربي في هذه الفترة تسوده المنازعات والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين مما يساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي ، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك، وهما البابا والأمبراطور أثر كبير في مجريات الأحداث الأوروبية، فلقد بلغت البابوية درجة عظيمة من القوة واتساع النفوذ في هذه الفترة، مما فتح أمامها المجال لكي تصبح القوة العالمية بمعنى أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب على حد سواء ، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، إذ أصرت كل منهما على أن تسود وجهة نظرها وأن تكون لها الأولوية على الأخرى ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 – 491ه) (1078 – 1097م) وجد في تنفيذها فرصة كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين والسيطرة على الكنسية الأرثوذكسية الشرقية وادماجها في الكنسية الغربية تحت زعامته، على أن يتم ذلك كله تحت ستار محاربة المسلمين وحماية البيزنطيين واسترداد الأراضي المقدسة في فلسطين هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسكها بفكرة الحرب المقدسة، منها التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات واستغلالها في الحرب المقدسة، عليها تفتح لهم بذلك منفذا لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات وقد اختلفت الأراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية والدوافع الكامنة وراءها فمنها ما هو مادي والبعض يرى أنها وليدة الحماس أو التعصب الديني التي عرفت بها أوروبا في العصور الوسطى، وأن الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة والحصول على الثروات الطائلة، وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى والحديثين تلك الحروب أنها حروب دينية، وأن العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين والأخرون يعتبروها أحد مظاهر التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى وحقيقة الأمر، أن الحروب الصليّبية كانت نتيجة لتفاعل هذه العوامل مجتمعة، لأنها قامت لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأتخذت الدين وقوداً أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة ، ولا يمكن التقليل من الدافع الديني في تلك الحروب بأي وجه من الوجوه وإليك تفصيل تلك الدوافع والأسباب :
أولاً : الدافع الديني :
كان الدافع الديني من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالجموع الصليبية إلى قلب المعركة، فقد كان شعار الحروب الصليبية ومما يظهر أهمية الجانب الديني أنهم قد وضعوا إشارة الصليب على أسلحتهم والأمتعة الخاصة بهم وقصدوا فلسطين بالذات ، وقد كانت حركة الإحياء الديني قد ظهرت في غرب أوروبا في القرن العاشر الميلادي، وبلغت أشدها في القرن الحادي عشر، قد أدت إلى تقوية مركز البابوية، وإثارة الحماسة الدينية في نفوس الناس، هذه الحماسة استغلتها الكنيسة في متنفس خارجي وعندما ظهرت فكرة الحرب الصليبية اتخذت الكنائس الغرب الأوروبي ميداناً واسعاً لاستغلال نشاطه المكبوت وحماسته المنطلقة ، وكان ذلك باسم تخليص القدس من أيدي المسلمين ، ومن أشهر من تبنى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو " أوربان الثاني" والذي يعتبر المسؤول الأول عن الترويج لحرب المسلمين والتحريض على إرسال الحملة الأولى إلى بلاد الشام وكانت الظروف مهيأة، فسارع إلى عقد اجتماع في مدينة " كليرمنت" في فرنسا واستمر المؤتمر عشرة أيام حضره أكثر من ثلاثمائة من رجال الكنيسة كما حضره أمراء من مختلف أنحاء أوروبا، ومندبون عن الإمبراطور البيزنطي، وممثلون عن المدن الإيطالية .. واستطاع البابا أن يثير حماس السامعين في " خطابه " فتجاوب في أرجاء المجتمع هتاف بترديد عبارة " هكذا أراد الله " وبادر الحاضرون إلى اتخاذ الصليب شارة لهم ، كما أن البابا أشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبا من جهة القسطنطينية، وأعلن أن الناس في المشرق يعانون من ظلم المسلمين، وأن الكنائس والأديرة، قد أصابها الدمار، وحث الحاضرين على الانتقام من
المسلمين ، والحقيقة إن ما أثاره البابا من تعرض نصارى المشرق إلى اضطهاد هو إدعاء باطل، لا يتفق وروح الإسلام وطبيعة الدعوة إليه، وما أحاط النصارى به، من رعاية وعناية . وكان من الشعارات التي رفعت في هذه الحرب أن الحجاج من النصارى كانوا يتعرضون للاضطهاد والعدوان وهم في طريقهم إلى بيت المقدس – قبيل الحروب الصليبية وهذا إدعاء باطل كذلك ، يقول أحد كبار المؤرخين الأوروبيين : إن حالات الاضطهاد الفردية التي تعرض لها المسيحيون في البلدان الإسلامية في الشرق الأدنى في القرن العاشر الميلادي بالذات لا يصح أن تتخذ بأي حال سبباً حقيقياً للحركة الصليبية، لأن المسيحين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية وغير الدينية في ظل الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة، وإنما سمع لهم أيضاً بتشييد كنائس وأديرة جديدة جمعوا في مكتباتها كتبا دينية متنوعة في اللاهوت . كما أن الإدعاء بتخريب الكنائس وهدم الأديرة أو مصادرتها لم يقم عليه دليل : وإنما هي شائعات ربما أدى إليه تصرف بعينه في قرية بعينها، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتبر هو الأصل في معاملة المسلمين للمسيحيين وكنائسهم في البلاد الإسلامية . ويقرر اكثر من مؤرخ منصف أن النصارى الذين خضعوا لحكم السلاجقة، كانوا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها، وما وجد أي دليل على اضطهاد السلاجقة للنصارى في المشرق . إلا أن صيحات البابا كانت محمومة حاقدة لا تعقل ولا تفكر في العواقب الوخيمة لأنفسكم، فإنها كما تقول التوراة، تفيض لبناً وعسلاً . وقد وعد البابا الجموع المشاركين بالحرب، برفع العقوبات عن المذنبين منهم، وبإعفائهم من الضرائب، كما وعدهم برعاية الكنسية لأسرهم مدة غيابهم ، ولعل ما يدخل ضمن الدافع الديني أيضاً أنه ذاعت في الغرب أخبار الكرامات والمعجزات التي بثتها الكنسية، وساد الاعتقاد بأن نزول المسيح ثانية إلى الأرض أصبح وشيكاً ولا بد من المضي في الاستغفار وعمل الخير، قبل هبوطه، كما ساد تصور مفاده أنه ينبغي استرداد الأرض قبل عودة المسيح وقد أدرك البابا أن فورة الحماس الديني لن تستمر طويلاً، فدعاً إلى القسم وبأن تؤدي الصلاة في كنيسة القيامة، وأشاع أن اللعنة سيق النقمة، ستحل على كل من يستولي عليه الجبن والضعف أو نكص على عقبيه، وهدد بأن يتعرض كل من لا يلبي نداء الكنيسة بالتوجه صوب الديار الإسلامية بالحرمان من الكنيسة . لقد أثرت الكنيسة لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوروبا في تلك العصور على الدعوة بهذه الغزوة، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجاً في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي . ولا ننسى الحقد الصليبي على الإسلام وأهله، فقد انتزع من أيديهم أرضاً كانت تحت سلطتهم وحرر منهم عبيداً كان يرزحون تحت وطأتهم واستلب منهم ملكاً كان في قبضتهم، فغلت مراجل الحقد في صدورهم، وتأججت نار العداوة في قلوبهم، وأخذوا يتحينون الفرص يستردوا ما فقدوا وانتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم، ومزقوا مملكتهم ، وهذا المستشرق المشهور الأميرليون كايتاني (1869م إلى 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ لحركة الفتح الإسلامي في كتابه المعروف : حوليات الإسلام يوضح لنا سر الحقد على الإسلام والمسلمين في مقدمة كتابه حيث يقول : إنه إنما يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به نبياً ورسولاً ، قال تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير " (البقرة، آية :120) وقال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "
( البقرة ، آية : 217).
ثانياً : الدافع السياسي :
كان الملوك والأمراء الذين أسهموا في الحركة الصليبية يسعون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها سواء قبل وصولهم الشام وفلسطين أو بعد استقرارهم فيهما والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائماً بالأرض وبقدر ما يكون الإقطاع كبيراً والأرض واسعة بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع وفي ظل هذا النظام كانت المشكلة الكبرى التي يمكن أن تواجه الأمير والفارس هي عدم وجود أقطاع أو أرض له، مما يجعله عديم الأهمية مسلوب النفوذ وأدى هذا إلى بقاء عدد كبير من الفرسان والأمراء بدون أرض، لأن من القواعد الأساسية في هذا النظام أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الإقطاع فإذا مات صاحب الإقطاع انتقل الإقطاع بأكمله إلى أكبر أبنائه ، وهذا يعني لفناء بقية الأبناء دون أرض، وهو وضع ممقوت في المجتمع الإقطاعي، الأمر الذي جعل الفرسان والأمراء المحرومين من الأرض يتحايلون للتغلب على هذه العقبة عن طريق الزواج من وريثة إقطاع، أو الالتجاء إلى العدوان والحرب للحصول على إقطاع وكان إن ظهرت الحركة الصليبية لتفتح باباً جديداً أمام ذلك النفر من الأمراء والفرسان، فلبوا نداء البابوية، وأسرعوا إلى الإسهام في تلك الحركة لعلهم ينجحون في تأسيس إمارات لأنفسهم في الشرق، تعوضهم ما فاتهم في الغرب. أما الأمراء والفرسان الذين كانوا يمتلكون إقطاعات فقد وجدوا في المشاركة في الحركة الصليبية فرصة طيبة لتحقيق مجد أكبر والحصول على جاه أعظم وبدارستنا لمراجع الحروب الصليبية نرى أن أطماع أمراء الحملة الأولى تجلت في عدة مظاهر سياسية، فقد أخذوا يقسمون الغنيمة وهم في الطريق أي قبل أن يستولوا على الغنيمة فعلاً، وسوف نرى بإذن الله تعالى كيف استحكم النزاع فيما بينهم أمام أنطاكية لرغبة كل واحد منهم في الفوز بها وكيف من استطاع منهم أن يحقق لنفسه كسباً في الطريق قنع به وتخلى عن مشاركة بقية الصليبيين في الزحف على البيت المقدس، وهو الهدف الأساسي للحملة وكثيراً مادب الخلاف بينهم – بعد استقرارهم – حول إمارة أو الفوز بمدينة، وعبثاً حاولت البابوية أن تتدخل لفض المنازعات بين الأمراء وتحذرهم بأن المسلمين يحيطون بهم، وأن الواجب الصليبي يستدعي تضامنهم لدفع الخطر عن أنفسهم ولكن تلك الصيحات ذهبت أدراج الرياح، لأن هدف الأمراء كان ذاتياً سياسياً، ولم يكن يهمهم كثيراً أرضاً البابا أو سخطه، بل إن بعض الأمراء لم يحجموا عن مخالطة القوى الإسلامية المجاورة ضد إخوانهم الصليبيين مما يدل على أن الوازع الديني كثيراً ما ضعف عند أولئك الأمراء أمام مصالحهم السياسية ، أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي (الكسيوس) فإنه لم يعترض على أهداف أمراء الحملة، لأنه إذا تسنى للدولة البيزنطية استرداد ما كان لها من أملاك قبل غارات الأتراك عليها، جاز أن تقوم في تخومها إمارات مسيحية حاجزة، لها حق السيادة عليها، ولضمان الحصول على ذلك حرص الإمبراطور على الحصول على يمين الولاء من أمراء الغرب، وبذلك توافقت مصالح كلا الجانبين المسيحيين في القيام بالحرب والعدوان على الأرض الإسلامية والواقع أنه من العسير الفصل بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي دفعت المسيحيين إلى الحروب الصليبية، فالفقر والرغبة في الكسب، وروح المغامرة كانت عوامل هيأت الجو المناسب للحروب، غير أن هذه العوامل لم تظهر إلا بما نجم عن فكرة للحرب " المقدسة " وتخليص الأرض، من حماس ديني، والواضح أن فكرة الحرب نبعت من السياسة البابوية، وسياسة الدولة البيزنطية والحروب الأسبانية الإسلامية، فمما سهل أمر إعلان الحرب على المشرق الإسلامي، ما درج عليه الأسبان والفرنسيون في قتال المسلمين في بلاد الأندلس، حيث أتخذ هذا القتال صفة الحرب المقدسة، سواء من جهة المسلمين، حيث أثار " المرابطون " في المغرب الإسلامي الجهاد الديني، أو من جهة المسيحيين في الحالة النفسية التي اقترنت بتوجيه الحرب الصليبية إلى الشرق، حتى أن المؤرخ الكبير (ابن الأثير) نظر إلى الخطر الخارجي نظرة شمولية، واعتبر أي عدوان على طرف من أطراف العالم الإسلامي – سواء في الشرق والغرب – رافد يصب في النهر الأكبر، وهو الغزو الأجنبي المنظم على أكبر قوة حضارية في العصور الوسطى، وهو الدولة الإسلامية . الأندلس، صقلية، الشام – فلسطين " والتي تكمن في الفرقة، والأطماع الذاتية، وفقدان الروح الوثابة التي تميز بها الحكام والمسلمون الأوائل بناة الدولة الإسلامية هذا وقد كان واضح للعيان أن الكنيسة الغربية كانت محمومة لتوسيع رقعتها الإقطاعية، والسيطرة على الكنائس الشرقية، إضافة إلى رغبتها في حرب المسلمين، ومن حقائق التعصب الديني، وجود الجماعات الدينية التي كانت ترتبط بالكنيسة مباشرة وكانت ذات أثر فعال في تلك الحروب، منها فرسان الاسبتارية الذين كانوا ملتزمين بالدفاع عن ممتلكات الصليبيين في المشرق، وحماية الأماكن المقدسة وكانوا يرتبطون بالبابا مباشرة، وكانت كنائس بيت المقدس قد خصصت عشر دخلها لمساعدتهم في أداء رسالتهم الدينية المزعومة، وهناك هيئة الفرسان الداوية التي أتخذت مقرها في جزء من هيكل سليمان عليه السلام في المسجد الأقصى، وسميت باسم : فرسان المعبد، ثم حرفت إلى اسم الداوية هذا وقد كانت للبابوية ورجال الكنيسة القدرة على التأثير والضغط والتهديد بالنسبة لمن لا ينفذ رغبة الكنيسة بإصدار قرارات الحرمان التي تقضي بالحرمان من النعيم في الآخرة ونبذ طاعته في الدنيا على حد زعمهم.
ثالثاً : الدافع الاجتماعي :
ساد المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى، تمايز طبقي كبير، فقد سادت فيه طبقة رجال الدين وطبقة المحاربين من النبلاء والفرسان ، وكانت طبقة الفلاحين تمثل الأكبر المغلوبة على أمرها، والتي كان أفرادها يكدحون، ليسدوا حاجة الطبقتين الأوليين. كان الفلاح الأوروبي مغلوباً على أمره، وكان مطالباً بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال الفلاحين الكادحين، فوعدهم بإلغاء التزاماتهم نحو أسيادهم وأغراهم بخيرات الشرق الإسلامي، كان آلاف الفلاحين يعيشون عيشة منحطة في نظام الإقطاع، حيث شيدوا لأنفسهم أكواخاً من جذوع الأشجار وفروعها وغطيت سقوفها بالطين والقش، دون أن يكون لها نوافذ، ولا يوجد داخلها أثاث بل كان ما يجمعه الفلاح، يعتبر ملكاً خاصاً للسيد الإقطاعي، كما يعتبر محروم من الملكية الشخصية . وكانوا مثقلين بالالتزامات من منتجاتهم وبذلك تظهر مدى التعاسة والبؤس الذي كان يعيشه غالبية شعوب أوروبا في القرن الحاد عشر الميلادي وهكذا لم ظهرت الدعوة الصليبية، وجدت هذه الغالبية العظمى فرصتها للخلاص من حياتها الشاقة المليئة بالذل والهوان، ونظروا إلى أخطار الاشتراك في هذا الغزو. نظرة هينة أمام ما كانوا يعيشون فيه فإن ماتوا في هذه الحرب كان لهم الخلاص وإن نجوا، كانت لهم حياة جديدة أفضل مما كانوا عليه ، ولقد عرفت الكنيسة كيف تلعب بعقول هؤلاء، وتوغر صدورهم ضد الإسلام وأهله، وخدعتهم بأنهم سيحررون بيت المقدس والقبر المقدس، يباركهم الرب، والبابا، لذلك لم يردعهم رادع عن الذبح والقتل، بل كان قتل المسلم مرضاة ينال عليها الصليبي ثواباً يوم الدنيونة .
رابعاً : الدافع الاقتصادي :
يعتبر التطلع إلى خيرات المشرق الإسلامي، من أقوى دوافع الحروب الصليبية بعد الدوافع الدينية وقد عبر البابا (أوروبا) نفسه في خطابه عن أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لواقع أوروبا آنذاك فقال : لا تدعوا شيئاً يقعد بكم .. ذلك أن الأرض التي تسكنونها الآن، والتي تحيط بها البحار وقلل الجبال ضيقة على سكانها الكثيرين، وتكاد تعجز عن كفايتهم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، ويلتهم بعضكم بعضاً .. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها بل هي فردوس المباهج وإن جميع الوثائق تشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غرب أوروبا في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت فرنسا بالذات تعاني من مجاعة شاملة قبيل الحملة الصليبية الأولى، ولذلك كانت نسبة المشاركين منها تفوق نسبة الآخرين، فقد كانت الأزمة طاحنة حيث الجأت الناس إلى أكل الحشائش والأعشاب، وبذلك جاءت هذه الحرب لتفتح أمام أولئك الجائعين بابا جديدة للخلاص من أوضاعهم الصعبة وهذا ما يفسر أعمال السلب والنهب للحملة الأولى ضد الشعوب النصرانية التي مروا في أراضيها ، كذلك اشترك عدد كبير من تجار المدن الإيطالية والفرنسية والإسبانية في الحروب الصليبية بغرض استغلالي بحث من أجل السيطرة على الطرق التجارية للسلع الشرقية التي أصبحت مصدر ثراء للمشتغلين بها، لذلك قامت أساطيلهم بدور فعال في الاستيلاء على المراكز الرئيسة في الشام، فساعد الجنوية الفرنج في الاستيلاء على أنطاكية سنة 490ه - 1097م، وأسهم البنادقة بعد ذلك بعامين في استيلاء اللاتين على بيت المقدس، وكان هدف هذه الجاليات الأول والأخير هو الربح الكسب المادي ولم يكن بعينها الباعث الديني إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها، ويكفي أن نعرف أن شعار البنادقة الذين عرفوا به وقتذاك كان : لنكن أولاً بنادقة ثم لنكن بعد ذلك مسيحيين ، ولذلك قامت جمهوريات إيطاليا (جنوا – بيزا – البندقية) بعقد معاهدات مع أمراء الصليبيين بالمشرق حصلت بمقتضاها على امتيازات اقتصادية هامه .
خامساً : تبدل ميزان القوى في حوض البحر المتوسط منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) لصالح الغرب الأوروبي مركز الحركة الصليبية، فضعف الدولة البيزنطية وترنحها تحت ضربات السلاجقة القوية جعلها تسارع إلى الاستنجاد بأوروبا الغربية من ناحية، ثم اختلال أوضاع المسلمين في الجناح الغربي من العالم الإسلامي خاصة في الأندلس وصقلية، وما قابل ذلك من تيسير أسباب القوة والظهور لدى أعدائهم، مما جعل الغرب الأوروبي يرفد النصارى الأسبان بشتى صنوف الدعم والمساندة في صراعهم مع مسلمي الأندلس، وتسليط النورمان على صقلية، الأمر الذي أجبر مسلمي الأندلس على الاستنجاد بالمرابطين، ومسلمي صقلية على الاستنجاد بإفريقية من ناحية ثانية كل ذلك أدى إلى دخول الحركة الصليبية في طورها الجديد الذي اتخذ صفة
العالمية . وكانت البابوية تدعم هذه الحرب بالموافقة والتوجيه والدعاية والدعم المعنوي، فهذه حروب صليبية متقدمة على إعلان البابا أوربان الثاني بدء الزحف الصليبي إلى المشرق سنة
488ه - 1095م . وتعتبر إفريقية بمدلولها التاريخي إحد هذه الميادين في الصراع الصليبي، فقد كانت الجبهة الإفريقية ميدانا نشطت فيه قوى العدوان الصليبي لعدة قرون، يتمثل ذلك في حملات عديدة وجهت إليها الواحدة تلو الأخرى، ولم تفتر للصليبيين في ذلك همة ولم يوهن الفشل لهم عزيمة، فكما أن بلدان المغرب الإسلامي كانت أول من اكتوى من البلاد الإسلامية بنار الاستعمار الأوروبي الحديث، كانت بلدان الجناح الغربي من العالم الإسلامي ومن ضمنها إفريقية هي التي تلقت الضربات الأولى للصليبيين، والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات جغرافية وتاريخية من أهمها قربها الشديد من غرب أوروبا مركز الحركة الصليبية ومعرفة الأوروبيين الواسعة نسبياً لأوضاع المسلمين في هذه المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لسهولة الاتصال بين الطرفين، ثم الحقد الشديد الذي كان يكنه الأوروبيون للمسلمين المغاربة ، وبالذات لكونهم هم الذين تولوا عبء الجهاد في أوروبا أكثر من غيرهم من المسلمين، وما كان يشعر به الأوروبيون من خطر هؤلاء إذ تهيأت لهم الوحدة والقيادة المخلصة، لكل ذلك كانت أوروبا تتربص بمسلمي هذه المنطقة الدوائر وتتحفز للوثوب عليهم منتظرة الفرصة المناسبة، وأخذت هذه الفرصة التي طالما انتظرها محركو قوى العدوان الصليبي تتهيأ منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد)، إذ أصاب الجناح الغربي من العالم الإسلامي من التمزق ما جعله يسير بخطى حثيثة نحو التردي إلى الهاوية، ولم يكن وضع إخوانهم في المشرق بأحسن حال منهم، فكان هذا التمزق وافتراق الكلمة هو السبب الأهم في البلاء الذي نزل بالمسلمين في المشرق والمغرب على حد سواء وما أشبه اليوم بالأمس، لقد كان ولا يزال تفرق العرب والمسلمين هو الباب الواسع الذي يدخل إليهم أعداؤهم منه لضربهم في عقر ديارهم، فكان أن انطلقت القوى الصليبية في موجة عاتية تضرب المسلمين في ثلاث جبهات في آن واحد في الأندلس وصقلية وإفريقية .
كان المجتمع الأوروبي الغربي في هذه الفترة تسوده المنازعات والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين مما يساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي ، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك، وهما البابا والأمبراطور أثر كبير في مجريات الأحداث الأوروبية، فلقد بلغت البابوية درجة عظيمة من القوة واتساع النفوذ في هذه الفترة، مما فتح أمامها المجال لكي تصبح القوة العالمية بمعنى أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب على حد سواء ، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، إذ أصرت كل منهما على أن تسود وجهة نظرها وأن تكون لها الأولوية على الأخرى ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 – 491ه) (1078 – 1097م) وجد في تنفيذها فرصة كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين والسيطرة على الكنسية الأرثوذكسية الشرقية وادماجها في الكنسية الغربية تحت زعامته، على أن يتم ذلك كله تحت ستار محاربة المسلمين وحماية البيزنطيين واسترداد الأراضي المقدسة في فلسطين هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسكها بفكرة الحرب المقدسة، منها التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات واستغلالها في الحرب المقدسة، عليها تفتح لهم بذلك منفذا لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات وقد اختلفت الأراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية والدوافع الكامنة وراءها فمنها ما هو مادي والبعض يرى أنها وليدة الحماس أو التعصب الديني التي عرفت بها أوروبا في العصور الوسطى، وأن الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة والحصول على الثروات الطائلة، وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى والحديثين تلك الحروب أنها حروب دينية، وأن العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين والأخرون يعتبروها أحد مظاهر التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى وحقيقة الأمر، أن الحروب الصليّبية كانت نتيجة لتفاعل هذه العوامل مجتمعة، لأنها قامت لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأتخذت الدين وقوداً أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة ، ولا يمكن التقليل من الدافع الديني في تلك الحروب بأي وجه من الوجوه وإليك تفصيل تلك الدوافع والأسباب :
أولاً : الدافع الديني :
كان الدافع الديني من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالجموع الصليبية إلى قلب المعركة، فقد كان شعار الحروب الصليبية ومما يظهر أهمية الجانب الديني أنهم قد وضعوا إشارة الصليب على أسلحتهم والأمتعة الخاصة بهم وقصدوا فلسطين بالذات ، وقد كانت حركة الإحياء الديني قد ظهرت في غرب أوروبا في القرن العاشر الميلادي، وبلغت أشدها في القرن الحادي عشر، قد أدت إلى تقوية مركز البابوية، وإثارة الحماسة الدينية في نفوس الناس، هذه الحماسة استغلتها الكنيسة في متنفس خارجي وعندما ظهرت فكرة الحرب الصليبية اتخذت الكنائس الغرب الأوروبي ميداناً واسعاً لاستغلال نشاطه المكبوت وحماسته المنطلقة ، وكان ذلك باسم تخليص القدس من أيدي المسلمين ، ومن أشهر من تبنى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو " أوربان الثاني" والذي يعتبر المسؤول الأول عن الترويج لحرب المسلمين والتحريض على إرسال الحملة الأولى إلى بلاد الشام وكانت الظروف مهيأة، فسارع إلى عقد اجتماع في مدينة " كليرمنت" في فرنسا واستمر المؤتمر عشرة أيام حضره أكثر من ثلاثمائة من رجال الكنيسة كما حضره أمراء من مختلف أنحاء أوروبا، ومندبون عن الإمبراطور البيزنطي، وممثلون عن المدن الإيطالية .. واستطاع البابا أن يثير حماس السامعين في " خطابه " فتجاوب في أرجاء المجتمع هتاف بترديد عبارة " هكذا أراد الله " وبادر الحاضرون إلى اتخاذ الصليب شارة لهم ، كما أن البابا أشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبا من جهة القسطنطينية، وأعلن أن الناس في المشرق يعانون من ظلم المسلمين، وأن الكنائس والأديرة، قد أصابها الدمار، وحث الحاضرين على الانتقام من
المسلمين ، والحقيقة إن ما أثاره البابا من تعرض نصارى المشرق إلى اضطهاد هو إدعاء باطل، لا يتفق وروح الإسلام وطبيعة الدعوة إليه، وما أحاط النصارى به، من رعاية وعناية . وكان من الشعارات التي رفعت في هذه الحرب أن الحجاج من النصارى كانوا يتعرضون للاضطهاد والعدوان وهم في طريقهم إلى بيت المقدس – قبيل الحروب الصليبية وهذا إدعاء باطل كذلك ، يقول أحد كبار المؤرخين الأوروبيين : إن حالات الاضطهاد الفردية التي تعرض لها المسيحيون في البلدان الإسلامية في الشرق الأدنى في القرن العاشر الميلادي بالذات لا يصح أن تتخذ بأي حال سبباً حقيقياً للحركة الصليبية، لأن المسيحين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية وغير الدينية في ظل الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة، وإنما سمع لهم أيضاً بتشييد كنائس وأديرة جديدة جمعوا في مكتباتها كتبا دينية متنوعة في اللاهوت . كما أن الإدعاء بتخريب الكنائس وهدم الأديرة أو مصادرتها لم يقم عليه دليل : وإنما هي شائعات ربما أدى إليه تصرف بعينه في قرية بعينها، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتبر هو الأصل في معاملة المسلمين للمسيحيين وكنائسهم في البلاد الإسلامية . ويقرر اكثر من مؤرخ منصف أن النصارى الذين خضعوا لحكم السلاجقة، كانوا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها، وما وجد أي دليل على اضطهاد السلاجقة للنصارى في المشرق . إلا أن صيحات البابا كانت محمومة حاقدة لا تعقل ولا تفكر في العواقب الوخيمة لأنفسكم، فإنها كما تقول التوراة، تفيض لبناً وعسلاً . وقد وعد البابا الجموع المشاركين بالحرب، برفع العقوبات عن المذنبين منهم، وبإعفائهم من الضرائب، كما وعدهم برعاية الكنسية لأسرهم مدة غيابهم ، ولعل ما يدخل ضمن الدافع الديني أيضاً أنه ذاعت في الغرب أخبار الكرامات والمعجزات التي بثتها الكنسية، وساد الاعتقاد بأن نزول المسيح ثانية إلى الأرض أصبح وشيكاً ولا بد من المضي في الاستغفار وعمل الخير، قبل هبوطه، كما ساد تصور مفاده أنه ينبغي استرداد الأرض قبل عودة المسيح وقد أدرك البابا أن فورة الحماس الديني لن تستمر طويلاً، فدعاً إلى القسم وبأن تؤدي الصلاة في كنيسة القيامة، وأشاع أن اللعنة سيق النقمة، ستحل على كل من يستولي عليه الجبن والضعف أو نكص على عقبيه، وهدد بأن يتعرض كل من لا يلبي نداء الكنيسة بالتوجه صوب الديار الإسلامية بالحرمان من الكنيسة . لقد أثرت الكنيسة لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوروبا في تلك العصور على الدعوة بهذه الغزوة، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجاً في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي . ولا ننسى الحقد الصليبي على الإسلام وأهله، فقد انتزع من أيديهم أرضاً كانت تحت سلطتهم وحرر منهم عبيداً كان يرزحون تحت وطأتهم واستلب منهم ملكاً كان في قبضتهم، فغلت مراجل الحقد في صدورهم، وتأججت نار العداوة في قلوبهم، وأخذوا يتحينون الفرص يستردوا ما فقدوا وانتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم، ومزقوا مملكتهم ، وهذا المستشرق المشهور الأميرليون كايتاني (1869م إلى 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ لحركة الفتح الإسلامي في كتابه المعروف : حوليات الإسلام يوضح لنا سر الحقد على الإسلام والمسلمين في مقدمة كتابه حيث يقول : إنه إنما يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به نبياً ورسولاً ، قال تعالى " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير " (البقرة، آية :120) وقال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "
( البقرة ، آية : 217).
ثانياً : الدافع السياسي :
كان الملوك والأمراء الذين أسهموا في الحركة الصليبية يسعون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها سواء قبل وصولهم الشام وفلسطين أو بعد استقرارهم فيهما والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائماً بالأرض وبقدر ما يكون الإقطاع كبيراً والأرض واسعة بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع وفي ظل هذا النظام كانت المشكلة الكبرى التي يمكن أن تواجه الأمير والفارس هي عدم وجود أقطاع أو أرض له، مما يجعله عديم الأهمية مسلوب النفوذ وأدى هذا إلى بقاء عدد كبير من الفرسان والأمراء بدون أرض، لأن من القواعد الأساسية في هذا النظام أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الإقطاع فإذا مات صاحب الإقطاع انتقل الإقطاع بأكمله إلى أكبر أبنائه ، وهذا يعني لفناء بقية الأبناء دون أرض، وهو وضع ممقوت في المجتمع الإقطاعي، الأمر الذي جعل الفرسان والأمراء المحرومين من الأرض يتحايلون للتغلب على هذه العقبة عن طريق الزواج من وريثة إقطاع، أو الالتجاء إلى العدوان والحرب للحصول على إقطاع وكان إن ظهرت الحركة الصليبية لتفتح باباً جديداً أمام ذلك النفر من الأمراء والفرسان، فلبوا نداء البابوية، وأسرعوا إلى الإسهام في تلك الحركة لعلهم ينجحون في تأسيس إمارات لأنفسهم في الشرق، تعوضهم ما فاتهم في الغرب. أما الأمراء والفرسان الذين كانوا يمتلكون إقطاعات فقد وجدوا في المشاركة في الحركة الصليبية فرصة طيبة لتحقيق مجد أكبر والحصول على جاه أعظم وبدارستنا لمراجع الحروب الصليبية نرى أن أطماع أمراء الحملة الأولى تجلت في عدة مظاهر سياسية، فقد أخذوا يقسمون الغنيمة وهم في الطريق أي قبل أن يستولوا على الغنيمة فعلاً، وسوف نرى بإذن الله تعالى كيف استحكم النزاع فيما بينهم أمام أنطاكية لرغبة كل واحد منهم في الفوز بها وكيف من استطاع منهم أن يحقق لنفسه كسباً في الطريق قنع به وتخلى عن مشاركة بقية الصليبيين في الزحف على البيت المقدس، وهو الهدف الأساسي للحملة وكثيراً مادب الخلاف بينهم – بعد استقرارهم – حول إمارة أو الفوز بمدينة، وعبثاً حاولت البابوية أن تتدخل لفض المنازعات بين الأمراء وتحذرهم بأن المسلمين يحيطون بهم، وأن الواجب الصليبي يستدعي تضامنهم لدفع الخطر عن أنفسهم ولكن تلك الصيحات ذهبت أدراج الرياح، لأن هدف الأمراء كان ذاتياً سياسياً، ولم يكن يهمهم كثيراً أرضاً البابا أو سخطه، بل إن بعض الأمراء لم يحجموا عن مخالطة القوى الإسلامية المجاورة ضد إخوانهم الصليبيين مما يدل على أن الوازع الديني كثيراً ما ضعف عند أولئك الأمراء أمام مصالحهم السياسية ، أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي (الكسيوس) فإنه لم يعترض على أهداف أمراء الحملة، لأنه إذا تسنى للدولة البيزنطية استرداد ما كان لها من أملاك قبل غارات الأتراك عليها، جاز أن تقوم في تخومها إمارات مسيحية حاجزة، لها حق السيادة عليها، ولضمان الحصول على ذلك حرص الإمبراطور على الحصول على يمين الولاء من أمراء الغرب، وبذلك توافقت مصالح كلا الجانبين المسيحيين في القيام بالحرب والعدوان على الأرض الإسلامية والواقع أنه من العسير الفصل بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي دفعت المسيحيين إلى الحروب الصليبية، فالفقر والرغبة في الكسب، وروح المغامرة كانت عوامل هيأت الجو المناسب للحروب، غير أن هذه العوامل لم تظهر إلا بما نجم عن فكرة للحرب " المقدسة " وتخليص الأرض، من حماس ديني، والواضح أن فكرة الحرب نبعت من السياسة البابوية، وسياسة الدولة البيزنطية والحروب الأسبانية الإسلامية، فمما سهل أمر إعلان الحرب على المشرق الإسلامي، ما درج عليه الأسبان والفرنسيون في قتال المسلمين في بلاد الأندلس، حيث أتخذ هذا القتال صفة الحرب المقدسة، سواء من جهة المسلمين، حيث أثار " المرابطون " في المغرب الإسلامي الجهاد الديني، أو من جهة المسيحيين في الحالة النفسية التي اقترنت بتوجيه الحرب الصليبية إلى الشرق، حتى أن المؤرخ الكبير (ابن الأثير) نظر إلى الخطر الخارجي نظرة شمولية، واعتبر أي عدوان على طرف من أطراف العالم الإسلامي – سواء في الشرق والغرب – رافد يصب في النهر الأكبر، وهو الغزو الأجنبي المنظم على أكبر قوة حضارية في العصور الوسطى، وهو الدولة الإسلامية . الأندلس، صقلية، الشام – فلسطين " والتي تكمن في الفرقة، والأطماع الذاتية، وفقدان الروح الوثابة التي تميز بها الحكام والمسلمون الأوائل بناة الدولة الإسلامية هذا وقد كان واضح للعيان أن الكنيسة الغربية كانت محمومة لتوسيع رقعتها الإقطاعية، والسيطرة على الكنائس الشرقية، إضافة إلى رغبتها في حرب المسلمين، ومن حقائق التعصب الديني، وجود الجماعات الدينية التي كانت ترتبط بالكنيسة مباشرة وكانت ذات أثر فعال في تلك الحروب، منها فرسان الاسبتارية الذين كانوا ملتزمين بالدفاع عن ممتلكات الصليبيين في المشرق، وحماية الأماكن المقدسة وكانوا يرتبطون بالبابا مباشرة، وكانت كنائس بيت المقدس قد خصصت عشر دخلها لمساعدتهم في أداء رسالتهم الدينية المزعومة، وهناك هيئة الفرسان الداوية التي أتخذت مقرها في جزء من هيكل سليمان عليه السلام في المسجد الأقصى، وسميت باسم : فرسان المعبد، ثم حرفت إلى اسم الداوية هذا وقد كانت للبابوية ورجال الكنيسة القدرة على التأثير والضغط والتهديد بالنسبة لمن لا ينفذ رغبة الكنيسة بإصدار قرارات الحرمان التي تقضي بالحرمان من النعيم في الآخرة ونبذ طاعته في الدنيا على حد زعمهم.
ثالثاً : الدافع الاجتماعي :
ساد المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى، تمايز طبقي كبير، فقد سادت فيه طبقة رجال الدين وطبقة المحاربين من النبلاء والفرسان ، وكانت طبقة الفلاحين تمثل الأكبر المغلوبة على أمرها، والتي كان أفرادها يكدحون، ليسدوا حاجة الطبقتين الأوليين. كان الفلاح الأوروبي مغلوباً على أمره، وكان مطالباً بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية أحوال الفلاحين الكادحين، فوعدهم بإلغاء التزاماتهم نحو أسيادهم وأغراهم بخيرات الشرق الإسلامي، كان آلاف الفلاحين يعيشون عيشة منحطة في نظام الإقطاع، حيث شيدوا لأنفسهم أكواخاً من جذوع الأشجار وفروعها وغطيت سقوفها بالطين والقش، دون أن يكون لها نوافذ، ولا يوجد داخلها أثاث بل كان ما يجمعه الفلاح، يعتبر ملكاً خاصاً للسيد الإقطاعي، كما يعتبر محروم من الملكية الشخصية . وكانوا مثقلين بالالتزامات من منتجاتهم وبذلك تظهر مدى التعاسة والبؤس الذي كان يعيشه غالبية شعوب أوروبا في القرن الحاد عشر الميلادي وهكذا لم ظهرت الدعوة الصليبية، وجدت هذه الغالبية العظمى فرصتها للخلاص من حياتها الشاقة المليئة بالذل والهوان، ونظروا إلى أخطار الاشتراك في هذا الغزو. نظرة هينة أمام ما كانوا يعيشون فيه فإن ماتوا في هذه الحرب كان لهم الخلاص وإن نجوا، كانت لهم حياة جديدة أفضل مما كانوا عليه ، ولقد عرفت الكنيسة كيف تلعب بعقول هؤلاء، وتوغر صدورهم ضد الإسلام وأهله، وخدعتهم بأنهم سيحررون بيت المقدس والقبر المقدس، يباركهم الرب، والبابا، لذلك لم يردعهم رادع عن الذبح والقتل، بل كان قتل المسلم مرضاة ينال عليها الصليبي ثواباً يوم الدنيونة .
رابعاً : الدافع الاقتصادي :
يعتبر التطلع إلى خيرات المشرق الإسلامي، من أقوى دوافع الحروب الصليبية بعد الدوافع الدينية وقد عبر البابا (أوروبا) نفسه في خطابه عن أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لواقع أوروبا آنذاك فقال : لا تدعوا شيئاً يقعد بكم .. ذلك أن الأرض التي تسكنونها الآن، والتي تحيط بها البحار وقلل الجبال ضيقة على سكانها الكثيرين، وتكاد تعجز عن كفايتهم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، ويلتهم بعضكم بعضاً .. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها بل هي فردوس المباهج وإن جميع الوثائق تشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غرب أوروبا في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت فرنسا بالذات تعاني من مجاعة شاملة قبيل الحملة الصليبية الأولى، ولذلك كانت نسبة المشاركين منها تفوق نسبة الآخرين، فقد كانت الأزمة طاحنة حيث الجأت الناس إلى أكل الحشائش والأعشاب، وبذلك جاءت هذه الحرب لتفتح أمام أولئك الجائعين بابا جديدة للخلاص من أوضاعهم الصعبة وهذا ما يفسر أعمال السلب والنهب للحملة الأولى ضد الشعوب النصرانية التي مروا في أراضيها ، كذلك اشترك عدد كبير من تجار المدن الإيطالية والفرنسية والإسبانية في الحروب الصليبية بغرض استغلالي بحث من أجل السيطرة على الطرق التجارية للسلع الشرقية التي أصبحت مصدر ثراء للمشتغلين بها، لذلك قامت أساطيلهم بدور فعال في الاستيلاء على المراكز الرئيسة في الشام، فساعد الجنوية الفرنج في الاستيلاء على أنطاكية سنة 490ه - 1097م، وأسهم البنادقة بعد ذلك بعامين في استيلاء اللاتين على بيت المقدس، وكان هدف هذه الجاليات الأول والأخير هو الربح الكسب المادي ولم يكن بعينها الباعث الديني إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها، ويكفي أن نعرف أن شعار البنادقة الذين عرفوا به وقتذاك كان : لنكن أولاً بنادقة ثم لنكن بعد ذلك مسيحيين ، ولذلك قامت جمهوريات إيطاليا (جنوا – بيزا – البندقية) بعقد معاهدات مع أمراء الصليبيين بالمشرق حصلت بمقتضاها على امتيازات اقتصادية هامه .
خامساً : تبدل ميزان القوى في حوض البحر المتوسط منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) لصالح الغرب الأوروبي مركز الحركة الصليبية، فضعف الدولة البيزنطية وترنحها تحت ضربات السلاجقة القوية جعلها تسارع إلى الاستنجاد بأوروبا الغربية من ناحية، ثم اختلال أوضاع المسلمين في الجناح الغربي من العالم الإسلامي خاصة في الأندلس وصقلية، وما قابل ذلك من تيسير أسباب القوة والظهور لدى أعدائهم، مما جعل الغرب الأوروبي يرفد النصارى الأسبان بشتى صنوف الدعم والمساندة في صراعهم مع مسلمي الأندلس، وتسليط النورمان على صقلية، الأمر الذي أجبر مسلمي الأندلس على الاستنجاد بالمرابطين، ومسلمي صقلية على الاستنجاد بإفريقية من ناحية ثانية كل ذلك أدى إلى دخول الحركة الصليبية في طورها الجديد الذي اتخذ صفة
العالمية . وكانت البابوية تدعم هذه الحرب بالموافقة والتوجيه والدعاية والدعم المعنوي، فهذه حروب صليبية متقدمة على إعلان البابا أوربان الثاني بدء الزحف الصليبي إلى المشرق سنة
488ه - 1095م . وتعتبر إفريقية بمدلولها التاريخي إحد هذه الميادين في الصراع الصليبي، فقد كانت الجبهة الإفريقية ميدانا نشطت فيه قوى العدوان الصليبي لعدة قرون، يتمثل ذلك في حملات عديدة وجهت إليها الواحدة تلو الأخرى، ولم تفتر للصليبيين في ذلك همة ولم يوهن الفشل لهم عزيمة، فكما أن بلدان المغرب الإسلامي كانت أول من اكتوى من البلاد الإسلامية بنار الاستعمار الأوروبي الحديث، كانت بلدان الجناح الغربي من العالم الإسلامي ومن ضمنها إفريقية هي التي تلقت الضربات الأولى للصليبيين، والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات جغرافية وتاريخية من أهمها قربها الشديد من غرب أوروبا مركز الحركة الصليبية ومعرفة الأوروبيين الواسعة نسبياً لأوضاع المسلمين في هذه المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لسهولة الاتصال بين الطرفين، ثم الحقد الشديد الذي كان يكنه الأوروبيون للمسلمين المغاربة ، وبالذات لكونهم هم الذين تولوا عبء الجهاد في أوروبا أكثر من غيرهم من المسلمين، وما كان يشعر به الأوروبيون من خطر هؤلاء إذ تهيأت لهم الوحدة والقيادة المخلصة، لكل ذلك كانت أوروبا تتربص بمسلمي هذه المنطقة الدوائر وتتحفز للوثوب عليهم منتظرة الفرصة المناسبة، وأخذت هذه الفرصة التي طالما انتظرها محركو قوى العدوان الصليبي تتهيأ منُذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد)، إذ أصاب الجناح الغربي من العالم الإسلامي من التمزق ما جعله يسير بخطى حثيثة نحو التردي إلى الهاوية، ولم يكن وضع إخوانهم في المشرق بأحسن حال منهم، فكان هذا التمزق وافتراق الكلمة هو السبب الأهم في البلاء الذي نزل بالمسلمين في المشرق والمغرب على حد سواء وما أشبه اليوم بالأمس، لقد كان ولا يزال تفرق العرب والمسلمين هو الباب الواسع الذي يدخل إليهم أعداؤهم منه لضربهم في عقر ديارهم، فكان أن انطلقت القوى الصليبية في موجة عاتية تضرب المسلمين في ثلاث جبهات في آن واحد في الأندلس وصقلية وإفريقية .