المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معــــــــــــــــركة نهاونــــــــــــــــــــد


غرناطة الأندلس
02-18-2010, 05:57 PM
معركة نهاوند
عُزِل سيدنا سعد بن أبي وقاص t عن الكوفة، وأُقِرَّ سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان في وقت كانت المنطقة تحتاج فيه إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص؛ فبعد انتصار المسلمين في تُسْتَر والسُّوس تجهز لهم مائة وخمسون ألفًا من الفرس في مدينة نهاوند، وهذه هي أكبر قوة من الفرس تقاتل المسلمين، مع أن الفرس في موقعة القادسية كان عددهم مائتين وأربعين ألفًا إلا أنهم انقسموا إلى فرقتين: مائة وعشرين ألفًا في حرب المسلمين، ومائة وعشرين ألفًا قوة احتياطية لا تدخل المعركة وتعسكر خلف نهر العتيق، فكان المشتركون في القتال مائةً وعشرين ألفًا، أما هذه المعركة فكان تعدادهم مائة وخمسين ألفًا؛ فكان الأمر شديدًا على المسلمين، وفي الوقت نفسه يُعزَل سيدنا سعد بن أبي وقاص t، وفي الوقت نفسه تتجمع قوات فارسية أخرى في أذربيجان.
تقع مدينة نهاوند في عمق الدولة الفارسية، وتقع أذربيجان في جنوب هذه المنطقة، ويتجمع فيها تجمعات أخرى للفرس غير تجمع نهاوند.
ووصلت رسالة إلى سيدنا عمر بن الخطاب t من أمير الكوفة سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان الذي أصبح أمير منطقة فارس وأمير كل الجيوش الإسلامية في هذه المنطقة، يقول لسيدنا عمر بن الخطاب: "لقد تجمع للفرس مائة وخمسون ألفًا في نهاوند؛ فَأْذَن لنا بقتالهم، فإن جاءوا علينا ازدادوا جرأة وقوة، وإن أتيناهم غلبناهم". وكان سيدنا عمر بن الخطاب قد منع المسلمين الانسياح في بلاد فارس في أواخر العام السادس عشر من الهجرة اكتفاءً بما أخذه المسلمون من غنائم، وخوفًا من بسط الدنيا على المسلمين، ولم يقاتل المسلمون إلا في تستر والسوس، وكان قتالهم بعد نقض عهد الهرمزان، ولم يبدءوا القتال في المعركتين، فبعث له سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليأذن له في ملاقاة الفرس.
وتحيَّر سيدنا عمر بن الخطاب t في الأمر؛ فاستشار الصحابة ومن لهم خبرة في الحرب حتى قابل الأحنف بن قيس، فقال له: "ما اجتمع ملكان قطُّ في بلد إلا أخرج أحدهما الآخر، فسيرسل لك يزدجرد الجيوش ما دام حيًّا، فأَرْسِلْ إليه جيشًا يستأصله تهُن لك فارس، ويهُن لك جيش فارس". فهذه نصيحة سيدنا الأحنف بن قيس لسيدنا عمر بن الخطاب t وأعداد فارس لا تنتهي، فقال سيدنا عمر بن الخطاب للأحنف: "لقد شرحت الأمر عن حقه، والله لأغزوَنَّ فارس". ولم يصرّ أو يستكبر على رأيه الذي قرره منذ ثلاث سنوات، واستشار سيدنا عمر بن الخطاب t الهرمزان في غزو أذربيجان أولاً أو غزو نهاوند، فقال الهرمزان: إن فارس الآن طائر له رأس وجناحان: رأسه في نهاوند مع الفيرزان، والجناحان في أذربيجان. فقال له سيدنا عمر: ما العمل؟ فقال: اقطع الجناحين يضعف الرأس. فقال سيدنا عمر بن الخطاب t: كذبت يا عدو الله، بل أقطع الرأس يهون الجناحان. وعلى إثر ذلك يقرر سيدنا عمر بن الخطاب غزو نهاوند، واستشار سيدنا عمر بن الخطاب t من لهم رأي في الحرب، وكان له مجلس يستشيره في مثل تلك الأمور، وكان هذا المجلس مكونًا من سيدنا طلحة بن عبيد الله، وسيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا العباس بن عبد المطلب، وسيدنا الزبير بن العوام، وسيدنا عبد الرحمن بن عوف، وسيدنا سعد بن أبي وقاص؛ وهذا يُعَدُّ دليلاً أن سيدنا عمر لم يعزل سيدنا سعدًا عن عجز أو خيانة، وما كان ليضعه في مجلس يستشيره في الحرب وهو يلهو بالصيد عن القتال في سبيل الله، ولا يغزو في السرية.
ومن المفارقات أن كل من في مجلس الحرب من العشرة المبشرين بالجنة باستثناء العباس بن عبد المطلب، وبدأ سيدنا عمر بن الخطاب قوله: بأن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، ألا إني قد هممت بأمر، وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أخبروني، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أفمن الرأي أن أسير بمن قِبَلِي حتى أنزل منزلاً وسطًا بين المِصْرَين "البصرة والكوفة" فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءًا حتى يفتح الله علينا ويقضي ما أحب؟
فقام سيدنا طلحة بن عبيد الله مشيرًا: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، واحتنكتك التجارب، وأنت ورأيك إليك هذا الأمر، فمُرْنا نطعْ، وادعنا نجبْ، وقدنا ننقدْ؛ فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوتَ وجربت. ومن خلال كلام سيدنا طلحة يتبين موافقته لسيدنا عمر بن الخطاب في الخروج بنفسه t للقتال، فيسمع منه سيدنا عمر بن الخطاب ويقول: إن هذا اليوم له ما بعده من أيام فزيدوني رأيًا. فيقوم سيدنا عثمان بن عفان -وكان رأي سيدنا عثمان t موافقًا لرأي سيدنا أبي عبيد بن الجراح في خروج أمير المؤمنين، وموافقًا لأمير المؤمنين في خروج عدد كبير من المسلمين- ثم يقول: يا أمير المؤمنين، فلتكتبْ إلى أهل الشام فيَقدِمُوا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيأتوا من يمنهم، وتخرج أنت بجيشك من المدينة، واذهب بكل ذلك؛ فإنك إن سرت بمن معك وعندك، هان في نفسك ما تكاثر من عدد الفرس. ثم يقول سيدنا عثمان: يا أمير المؤمنين، إن هذا اليوم له ما بعده من أيام، فاشهده برأيك ولا تَغِبْ عنه.
ويعترض سيدنا الزبير بن العوام على الرأيين قائلاً: فبإزائهم أعلام العرب ووجوههم وفرسانهم ورؤساؤهم ومَنْ فَضَّ جموعَ الفرس، ومن قتل ملوكهم، ومن ملك أرضهم، ومن غنم أموالهم ونساءهم وذراريهم، وقد استأذنوك ولم يستصرخوك، فأرى أن تبقى في مكانك هنا؛ فإنك إن قتلت لم يعد للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود وادْعُ لهم.
ووافق سيدنا عبد الرحمن بن عوف سيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنهما، فقام العباس بن عبد المطلب وعضَّد رأي الزبير بن العوام.
وقال سيدنا علي بن أبي طالب: لقد أصاب القوم الرأي يا أمير المؤمنين، فمكانك مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحلَّ تفرَّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا، وإنك إنْ أشخصتَ أهلَ الشام رجعت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصتَ أهلَ اليمن ذهبت الحبش إلى ذراريهم، وإن شخصت بنفسك من المدينة انقلبت عليك الأرض، وما تدعه وراءك في المدينة أهم إليك مما بين يديك، فأَقِمْ وأَقْرِن هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان إلى نهاوند، ويقيم الثلث مع النساء والذراري، واكتب إلى أهل البصرة واجعلهم ثلاث فرق، ففرقة في الحرم والذراري، وفرقة منهم في الأهواز تمنع نقض عهد فارس، والفرقة الأخيرة تكون مددًا لأهل الكوفة في نهاوند. وأما ما ذكرت من مسير القوم (يقصد تجمع الفرس)، فإن الله أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل في ما مضى بالكثرة، وإن هذا الأمر لم يكن نصره أو خذلانه لكثرة أو قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعز وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود الله وتأييد الملائكة. وما أن أتم سيدنا عليٌّ مقالته حتى شرح الله لها قلب سيدنا عمر بن الخطاب، ثم قال: وما أمرك يا سعد؟ وكان رأي سيدنا سعد بن أبي وقاص في غاية الأهمية؛ فقد عاصر الحروب بين المسلمين والفرس وعاش معهم فترة من الزمان، فيقول سيدنا سعد بن أبي وقاص: "أرى أن تبقى يا أمير المؤمنين، وهَوِّنْ عليكَ فما جُمِعُوا إلا لنقمة" (أي جمعهم الله I لنقمته عليهم ليقضي عليهم المسلمون). ونأمل جمع اليهود في فلسطين لنقمة، فقد يكون جمع اليهود كما يذكر بعض المفسرين في سورة الإسراء {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104]، وكان هناك وعد الأولى وهو دخول الفرس على اليهود وجاسوا خلال الديار، وقتلوا من اليهود من قتلوا، ووعد الآخرة يذكر فيه بعض المفسرين أن الله سيجمع اليهود الموجودين في العالم في مكان واحد، ثم يحدث نصر لأهل الحق على هؤلاء القوم في بلد واحد، حيث يُقضى عليهم مرة واحدة؛ فكانت نظرة سيدنا سعد مطمئنة للمسلمين، فهم قد جمعوا لنقمة.
فقرر سيدنا عمر بن الخطاب ألاّ يخرج على رأس الجيوش، وألاّ يستدعي أهل الشام أو أهل اليمن، ولكن سيكتب إلى الشام طالبًا منهم مددًا قليلاً لنجدة المسلمين في فارس، وكانت فرقة صغيرة وعلى رأسها القعقاع بن عمرو التميمي، وهذا ما أضافه سيدنا عمر بن الخطاب t، ثم قال عمر: أشيروا عليَّ بمن أولِّيه أمر الحرب، وليكن عراقيًّا (أي من الجيش الموجود بالعراق).
فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين.
فقال: "أما والله لأُوَلِّينَّ رجلاً يكون أَوَّلَ الأسِنَّة إذا لقيها غدًا".
قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مُقَرِّن.
فقالوا: هو له. ونذكر مقالة سيدنا عبد الله بن عباس: إن للإيمان بيوتًا وللنفاق بيوتًا، وإن بيت بني مُقَرِّن من بيوت الإيمان. وسيدنا النعمان بن مقرن أحد إخوة كلهم يقاتلون في سبيل الله وهم أحد عشر رجلاً، وقد نزل فيهم قول الله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99]. وكان سيدنا النعمان مشاركًا في الحروب الفارسية، وبعد معركة تُسْتَر عينه سيدنا سعد بن أبي وقاص جابيًا على "كَسْكَر" يعيش في أمان بعيدًا عن أرض المعركة ولا تتعرض نفسه للخطر، ولكن كانت نفس سيدنا النعمان بن مقرن تواقة إلى الجهاد، فكتب إلى عمر -وهو على كَسْكَر- وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند؛ فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له. وفي الوقت نفسه تصل رسالة من سيدنا سويد بن مقرن إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وكان -أيضًا- جابيًا من قبل سيدنا سعد بن أبي وقاص على منطقة أخرى، وكان في الرسالة نفس ما قاله سيدنا النعمان بن مقرن، فيرسل سيدنا عمر بن الخطاب رسالة إلى النعمان يقول فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد.. فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فَسِرْ بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا فتؤذِيَهم، ولا تمنعهم حقًّا فتكفِّرَهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلاً من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار (وقد كان المسلم أيضًا أغلى وأَحَبُّ عند النبي r؛ فقال r: "لحرمة دم المسلم أغلى عند الله من الكعبة"[3]).
فَسِرْ في وجهك ذلك حتى تأتي "مَاه" (على بُعد مائة وثلاثين كيلو مترًا غربي نهاوند) فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فَسِرْ إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا بالله، وأَكْثِروا من لا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليك".
ثم كتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان في الكوفة بأن يرسل ثلثي الجيش إلى النعمان بن مُقَرِّن ويقابله في "ماه"، وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان (كاتم سر النبي r) حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قُتِل النعمان فحذيفة، فإن قتل فنعيم بن مقرن (وهو أخو النعمان بن مقرن t). وكتب إلى أبي موسى بتقسيم جيشه إلى ثلاث فرق إحداها في الحريم والذراري، والفرقة الثانية إلى الأهواز، وفرقة تخرج إلى "ماه" وأنت على رأسها ليقابل سيدنا النعمان بن مقرن في "ماه" ويكون تحت إمرته.
وكتب سيدنا عمر بن الخطاب إلى المسلمين في منطقة الأهواز منهم: سيدنا حرقوص بن زهير، وسلمى بن القين، وحرملة بن مريطة يأمرهم في رسالته بشغل الفرس عن إخوانهم في أرض نهاوند، ومع أن هذه المنطقة تحت حكم الدولة الإسلامية إلا أن بها عددًا من الفرس، وقد أعطى بعضُهم عهدًا للمسلمين، وبعضهم هُزِمَ من المسلمين.
وما إن وصلت الرسائل حتى تحركت الجيوش إلى مدينة "ماه"، وبعد أن وصلت رسالة تولية سيدنا النعمان بن مقرن يقوم بإرسال مجاشع بن مسعود من صحابة النبي r بجيش إلى مكان يسمى "غُضَيّ شجر"، وهذه المنطقة تقع بين نهاوند وبين جنوب فارس، والغرض من إرسال هذه الفرق أمران: الأمر الأول: أن تحمي مجنبة الجيش المتحرك من السوس إلى ماه؛ لأن الطريق من السوس إلى ماه في منتهى الصعوبة، فهو طريق جبلي وعر جدًّا، فأراد أن يؤمِّن الطريق خوفًا من أن تأتي فرقة من فرق الفرس من الجبال فتهجم على المسلمين من خلف الجيش، فقد تعلّم من مدرسة سيدنا خالد بن الوليد، فكان أول من دخل منطقة فارس وأول من أَمَّن الجيوش.
والغرض الثاني لجيش سيدنا مجاشع بن مسعود: قطع إمدادات أهل فارس في الجنوب عن أهل نهاوند في الشمال، فكان لهذا الجيش غرض تأميني، وغرض قطع الإمدادات عن الجيش الفارسي في نهاوند.
وبعد أن تجمعت الجيوش في منطقة "ماه" بدأ سيدنا النعمان بن مقرن بتجهيز الجيوش ليضع خطة حربه في نهاوند؛ فبدأ بإرسال فرق استكشافية تستكشف له الطريق وتستكشف أرض الفرس، فأرسل ثلاثة أشخاص هم: عمرو بن أبي سلمى، وعمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، ولهذين الاثنين تاريخ طويل في العمليات الاستكشافية، وقد كان لسيدنا طليحة بن خويلد الأسدي باع طويل في الاستكشافات داخل الأراضي الفارسية، فأرسل الثلاثة ليأتوا بخبر القوم، فسارت الطليعة يومًا وليلة، فرجع عمرو بن أبي سلمى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم، وقتلت أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالِمُها.
ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب وقال: لم نَرَ أحدًا؛ وخفت أن يُؤْخَذَ علينا الطريق. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم فيه ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحَبَّ، ثم رجع إلى النعمان بعد ستة أيام من خروجه حتى قال الناس: ارتد طليحةُ الثانية. فعلم كلام القوم ورجع، فلما رأوه كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: والله لو لم يكن دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة. فأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد.
وقد خشي بعض المسلمين أن يكون سيدنا طليحة بن خويلد قد ارتدَّ ولجأ إلى معسكر الفرس، وقد ادَّعى سيدنا طلحة بن خويلد النبوة في عهد النبي r {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]، وتاب الله عليه بعد ذلك وحسن إسلامه، وكانت له جهود عظيمة في حروب المسلمين مع الفرس حتى نال الشهادة في سبيل الله.
وعاد سيدنا طليحة إلى سيدنا النعمان ليخبره بخبر الفرس، وأن تجمعهم خارج نهاوند وعلى رأسه الفيرزان، وعلى الميمنة الزردق، وعلى الميسرة رجل اختلف فيه المؤرخون وقالوا: هو بهمن جاذويه؛ ولكن الواقع أن بهمن جاذويه قُتِلَ في القادسية، وهذا القائد شخص آخر بالتأكيد، وأخبره أن الطريق من هنا إلى نهاوند ليس فيه فارسي واحد.
فقرر سيدنا النعمان بن مقرن التحرك إلى الفرس، وعبَّأ جيشه قبل أن يتحرك إلى الفرس في نهاوند ليأخذ بكل أنواع الحذر، فلو حدث أن قابل الفرس في الطريق يكون قد أخذ أهبته واستعداده، فيجعل على المقدمة نعيمَ بن مقرن، والقعقاع بن عمرو التميمي على فرقة من الخيول وتسير هذه الفرقة مع المقدمة، والنعمان بن مقرن نفسه على وسط الجيش، وعلى الميمنة حذيفة بن اليمان، وعلى الميسرة سويد بن مقرن، وعلى المؤخرة مجاشع بن مسعود، ويتوجه الجيش إلى نهاوند.
ومما يذكر أيضًا في ذلك التحرك أن جيش نعيم بن مقرن والقعقاع كان على مسافة أبعد من مرمى البصر من جيش النعمان بن مقرن، حتى إذا لاقى الفرس مقدمة المسلمين ظنوا أنه جيش المسلمين كله وليس وراءه جيوش أخرى، ويتقدم سيدنا النعمان حتى يصل إلى نهاوند. أما عن تفاصيل هذه المعركة التي سُمِّيت في كتب التاريخ بـ"فتح الفتوح"، والخُطَّة التي وضعها أحد المسلمين في هذه المعركة، ومن أول شهيد في هذه المعركة؛ فهذا ما نعرفه في المقال القادم إن شاء الله.
[3] لم يرد حديث بهذا اللفظ، لكن الثابت هو أن النبي r نظر إلى الكعبة فقال: "... والمؤمن أعظم حرمة منك". انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد 1/254، 255. وروي موقوفًا على ابن عمر t أنه نظر إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك! وما أعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك". رواه الترمذي (2032)، وقال الألباني: حديث حسن صحيح. انظر حديث رقم (2339) في صحيح الترغيب والترهيب.

المصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــدر
http://www.islamstory.com/عزل_سـعد_بن_أبى_وقاص

غرناطة الأندلس
02-18-2010, 06:02 PM
موقعة نهاوند
مقدمة
نبدأ في هذا المقال الحديث عن موقعة نَهاوَنْد، وكما ذكرنا من قبل كان النعمان بن مُقَرِّن على رأس الجيوش الإسلامية متوجهًا إلى نَهاوَنْد بعد أن تجمعت الجيوش الفارسية في مدينة (ماه) على بُعد مائة وثلاثين كيلو مترًا منها، وعندما وصلت الجيوش وجد المسلمون أن الجيش الفارسي عسكر خارج مدينة نَهاوَنْد وعلى رأسه الفيرزان؛ فحَفَّز سيدنا النعمان الجيش وبدأ في التكبيرات، وكان التكبير شعار المسلمين في الحروب الفارسية، ولما كبر المسلمون تزلزلت الأعاجم وخُلِعَت قلوبهم، وكان تعداد الجيش الفارسي كما ذكرنا من قبل مائة وخمسين ألف فارسي، وتعداد الجيش الإسلامي ثلاثون ألف مسلم، ونشب القتال وكان قتالاً عنيفًا وشديدًا، يشبهه المؤرخون بقتال القادسية وجَلُولاء وكانا من أشد قتال مرَّ بالمسلمين، ويمضي يوم على القتال بين المسلمين والفرس وما زالت الحرب سجالاً بين الطرفين، ولم يحقق أيُّ الفريقين انتصارًا، وبقدوم الليل توقف القتال لتعاد الكَرَّة في الصباح، وانتهى اليوم الثاني وما زالت المعركة سجالاً بين الجيشين، على الرغم من كثرة تعداد الفرس وأنهم خمسة أضعاف الجيش الإسلامي، فكان جهدًا عظيمًا بُذِلَ من قبل المسلمين، وأدرك الفرس أن المعركة إن استمرت على تلك الحالة ستكون الغلبة للمسلمين.
انسحاب الفرس
بعد أن انتهى اليوم الثاني، أدرك الفرس أنه لا مناص من الهزيمة التي حتمًا ستلحق بهم، فانسحب الجيش الفارسي ليتحصن بداخل مدينة نَهاوَنْد، وصبحهم المسلمون في اليوم الثالث فلم يجدوا جيش الفرس كما عهدوا في أول يومين في المعركة، فقد انسحب بداخل نَهاوَنْد وأغلق على نفسه الحصون العالية، ومنطقة نَهاوَنْد كما ذكرنا منطقة جبلية، وحصن نَهاوَنْد فوق جبل عالٍ، ومكان الحصن كان يعطي قوة كبيرة للفرس، فبينما هم بالداخل كان المسلمون أسفل الحصن، وبإمكان الفرس أن يصلوا إلى المسلمين بسهامهم، ومن الصعوبة أن يصل المسلمون إلى الفرس بسهامهم، فكان الحصار فيه مشقة كبيرة على المسلمين، لكن صَبَرَ المسلمون -كعادتهم- في القتال واستمروا في حصار الحصن فترة تقترب من الشهر، وكانت من أشد الفترات على المسلمين، وكان الحصار أصعب من حصار "تُسْتَر" بالرغم من أن حصار تستر استمر عامًا ونصفًا، إلا أن هذا الشهر كان في غاية الصعوبة فقد تزامن مع فصل الشتاء، وكان الجو شديد البرودة خاصة في المرتفعات، ولم يتعود المسلمون من قبل على مثل هذا الجو من البرد، فقد نشأ غالبيتهم في مكة والمدينة حيث شدة الحر، ولم يكن مع المسلمين سوى الخيام القليلة وقليل من الملابس تحميهم من البرد، ورابط المسلمون وتحملوا المشقة والمجهود منتظرين نصر الله تعالى القريب.
حركة القعقاع بن عمرو التميمي
لما طال على المسلمين هذا الحال واستمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد، فتكلم النعمان فقال: "قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟".
فتكلم عمرو بن ثُبَيٍّ أولاً -وهو أَسَنُّ من كان هناك- فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.
فرد الجميع عليه وقالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا.
وتكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم.
فردوا جميعًا عليه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران أعوان لهم علينا. فكان من الحكمة عدم التسرع حتى لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، بوضع خطة ناجحة لا تؤدي إلى هلكة المسلمين ويكون بها النصر.
وقام طليحة الأسدي t -ومنذ دخوله في حروب فارس كان له الأثر الواضح البين في المعركة، وكأنه يريد أن يكفر عن الذنب العظيم القديم- فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن ينسحب الجيش الإسلامي من أمامهم بكامله، ثم تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم، فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابًا، فإذا استطردوا وراءهم وأرّزوا (تجمعوا) إلينا عزمنا أيضًا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكُّون في الهزيمة، فيخرجون من حصونهم على بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا. واستجاد الناس هذا الرأي، وفكر سيدنا النعمان في القيام بهذه المهمة الصعبة، ومن يختار لها، ووقع اختياره على فارس من فرسان المسلمين قال عنه الصديق: إنه بألف رجل. فأمر النعمان القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فتحرك في الظلام ناحية مدينة نَهاوَنْد، وفي الوقت نفسه ينسحب الجيش الإسلامي ويختفي وراء جبل من الجبال البعيدة، ولم يظهر أمام نَهاوَنْد إلا القوات التي مع القعقاع بن عمرو التميمي. وفي بداية الصباح يبدأ المسلمون برشق السهام الكثيرة، وكانوا فرقة من الرماة المهرة استطاعت أن تصل سهامهم إلى داخل حصون نَهاوَنْد، ووجد الفرس أن هذه الفرقة تسبب لهم الأذى رغم أنها قليلة العدد؛ فَغَرَّهم ذلك وخرجوا للقتال، ونشب القتال وكانت معركة من أشد المعارك حتى على القعقاع نفسه كما يقول هو، وكان الجيش يقاتل ولا يريد النصر، فبعقليته العسكرية لا يريد أن يحقق نصرًا صغيرًا بل أراد أن يظهر أمامهم الهزيمة حتى يخرجهم من حصونهم، وبدأ القعقاع في تنفيذ الخطة التي اتفق عليها المسلمون، فأظهر الهزيمة حتى أخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم بعضًا كل سبعة في قِرَان، وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا. فلما خرجوا نكص ثم نكص، واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة، وقالوا: هي هي. فلم يبقَ أحدٌ إلا من يقوم على الأبواب، ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع، والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعة في صدر النهار، وكان الجيش الإسلامي يقف خلف جبل يراقب الموقف من بعيد، وأصبح القتال من الشدة بمكان على الفرقة الإسلامية التي يقودها سيدنا القعقاع بن عمرو؛ فقد أنشب القتال بينه وبين الفرس من الفجر إلى قبل الظهر بقليل، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، لئلا ينسحب الفرس، فما زالت بقية الجيوش الفارسية داخل حصونهم، ففعل المسلمون واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.
وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه، فما تنتظر بهم؟ ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدًا رويدًا. فكان النعمان رابط الجأش حليمًا على شدته وضراوته في القتال؛ فقد قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب t: لأولين عليهم رجلاً أسبقَ من الأسنة. فهو يقاتل بحكمة وغير متسرع في القتال، وظل على موقفه حتى جاءه المغيرة بن شعبة وقال: إن القتال قد اشتد على القعقاع ومن معه، ولا أرى ذلك رأيًا، ولو كنت مكانك لناهدتهم. فقال سيدنا النعمان: رويدًا رويدًا ترى أمرك، نحن نرجو في المكث ما ترجو أنت في الخروج. فيتألم المغيرة لما يحدث بالمسلمين، وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله r أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال، وصلَّى الجيش صلاة الظهر، ووقف النعمان يخطب في المسلمين، وكانت هذه الخطبة من الخطب التاريخية المشهورة (ومنها خطبة سيدنا سعد بن أبي وقاص في القادسية، وخطبة سيدنا عتبة بن غزوان في فتح الأبلة، ومنها خطبة سيدنا النعمان بن مُقَرِّن في فتح نَهاوَنْد)، فقام النعمان فيهم خطيبًا وقال: "قد علمت ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم أوله وسيلحق بكم آخره، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم، وما اخترتم وما اختاروا لكم، فأما ما اختاروا لكم فهذه الرِّثَّة وما ترون من هذا السواد، وأما ما اخترتم لهم فدينكم، ولا سواء ما اخترتم وما اختاروا، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحمى منكم على دينكم، وأتقى عبادِ الله رجلٌ صَدَقَ الله، وأبلى بنفسه فأحسن البلاء، وإنكم تنتظرون إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيٍّ مرزوقٍ أو فتح قريب، فليكفِ كل رجل ما يليه، ولا يكلْ أحدكم قرنه إلى أخيه، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فعلى المسلم أن يكفي نفسه ويحاول أن يكفي غيره، فكل رجل منكم مُسلَّط على ما يليه".
فلما كان قريبًا من تلك الساعة التي كان يقاتل فيها النبي r ركب فرسَه وسار في الناس، ووقف على كل راية يذكرهم ويحرِّضهم ويمنِّيهم الظفر، وقال: إذا قضيت أمري فإني مكبرٌ ثلاثًا، فإذا كبرت الأولى شد الرجل شعثه، وأصلح من شأنه، وليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية شدَّ الرجل إزاره، وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض وليتهيأ لوجه حملته، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا. وقال: اللهم إني أسألك أن تُقِرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عِزُّ الإسلام، واقبضني شهيدًا، واجعلني أول شهيد؛ أَمِّنوا يرحمكم الله. فأَمَّن المسلمون، وبكى الناس جميعًا.
وبدأ القعقاع بالتراجع مُظهِرًا الهزيمة أمام الفرس، متجلدًا لقتالهم حتى وصل إلى مقدمة الجيوش الإسلامية المختبئة خلف الجبال.
وقد اختار الجيش الإسلامي مكانًا فسيحًا للقتال، ويقع بين الجبل الذي يختبئ وراءه المسلمون والناحية الأخرى هاوية سحيقة، وأراد المسلمون حصار الفرس في هذه المنطقة، فكان ظهر المسلمين الجبل وكانت هذه الهاوية السحيقة في ظهر الفرس، فإذا ضغط المسلمون على الفرس ضغطًا شديدًا، فسيكون السقوط في الهاوية أحد عوامل الهزيمة غير سيوف المسلمين، فكان اختيار الأرض موفقًا.
ويكبر سيدنا النعمان التكبيرات الثلاث التي اتفق عليها المسلمون، ويحمل راية المسلمين النعمان بن مقرن، ورأى المسلمون الراية تتجه نحو الفُرْسِ بسرعة الصقر، فقد كان سيدنا النعمان من أسرع المقاتلين في الحرب كما وصفه سيدنا عمر بن الخطاب؛ ولما رأى المسلمون الراية تتجه ناحية الفرس هجموا هجومًا عنيفًا على الفرس، وتلتقي السيوف في لقاء شديد؛ يقول سيدنا جبير: والله ما علمت من المسلمين أحدًا يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتلَ أو يَظفَر. والله تعالى يقول في سورة النساء: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]. فليس هناك خيار ثالث بالنسبة للمسلم، فهو أمام خيارين: إما النصر وإما الشهادة؛ يقول جبير: فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا صوت الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة من شدة ثبات الفرس للقتال. ويقول جبير: فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح القتال انهزموا. وتذكرنا هذه المقالة بمقالة سيدنا خالد بن الوليد في الرسالة التي بعثها إلى ملوك فارس قائلاً لهم: جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
ويبدأ القتال الشديد العنيف، ويروي من حضر هذه المعركة من المسلمين أنهم لم يروا مثل شدته قطُّ، فكل معركة مع الفرس كانت أشد من سابقتها، فكانت القادسية من أشد المعارك على المسلمين، ثم كانت جلولاء أشد من القادسية، ثم كانت تُسْتَر، ثم نَهاوَنْد فكانت أشدها.
ولما اشتد القتال وحمي وطيس الحرب، وفي وسط المعركة يأتي سهم من الفرس ليستقر في قلب سيدنا النعمان بن مقرن قائد المسلمين، وقد استجاب الله دعاءه واتخذه الله شهيدًا كما قال تعالى في كتابه: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، فسقط شهيدًا في ميدان القتال، وكان أول شهيد من شهداء المسلمين في معركة نَهاوَنْد، وقبل أن يلفظ النعمان أنفاسه الأخيرة اقترب منه مَعْقِل بن يسار مطمئنًّا على حاله؛ فيقول له النعمان: ماذا فعل المسلمون؟ فقال معقل: أبشر بنصر من الله. فيقول سيدنا النعمان بن مقرن: "بشروا عُمر؛ فيحمد الله تعالى على ما أجزله الله من نصر المسلمين"، ويتلفظ بالشهادة لتكون آخر كلماته في الدنيا ويلفظ أنفاسه الأخيرة، ليخلد في النعيم المقيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأول من أتاه بعد سقوطه أخوه سيدنا نعيم بن مقرن قائد المقدمة، فيعتصر قلبه من الألم لما رأى من حال أخيه وسقوطه في بداية المعركة، وخشي على المسلمين من المصيبة فسجاه بثوبه، وأخذ الراية قبل أن تسقط، وذهب بها إلى سيدنا حذيفة بن اليمان وأخبره باستشهاد سيدنا النعمان بن مقرن، فقال له سيدنا حذيفة: اكتم مصاب أميرنا عن المسلمين. فيحمل سيدنا حذيفة بن اليمان الراية ويستمر القتال إلى الظلام، ولم يكن القتال في الظلام دَيْدنًا في حروب المسلمين بل كان في أوقات معدودة، كما كان في ليلة الهرير في القادسية، وفي ليلة جلولاء، وهذه هي الليلة الثالثة في فتوح فارس، واستمر القتال في الظلام حتى أصبحت الهلكة شديدة في الفرس وكثرت الدماء، حتى انزلقت الأقدام في الدماء من كثرتها، وكثر انزلاق الخيول في هذه المعركة، حتى إن بعض المؤرخين لهذه المعركة يذكرون أن استشهاد النعمان بن مقرن كان إثر انزلاق جواده في الدماء، والأقرب للصحة أن استشهاده كان على إثر سهم من سهام الفرس استقر في قلبه ليستقر في جنات الخلد.
وما يعلم جنود ربك إلا هو
بعد قتال استمر من الزوال إلى الظلام كتب الله النصر لجنده المؤمنين ولعباده المخلصين، وقُتِلَ عددٌ كبير من الفرس يحصى بمائة وعشرة آلاف فارس من مجموع مائة وخمسين ألفًا، منهم ثمانون ألفًا لم يقتلوا بسيوف المسلمين، وإنما قتلوا سقوطًا في الهاوية السحيقة، وذلك يرجع إلى توفيق الله ثم حُسْنِ اختيار المسلمين لأرض المعركة، وهذا من أكبر الأدلة على أن الأخذ بالأسباب له أهمية قصوى في القتال، وقُتل بأيدي المسلمين ثلاثون ألفًا، وفَرَّ أربعون ألفًا من أمام المسلمين شمالاً إلى مدينة همذان التي تبعد عن نَهاوَنْد مائة كيلو مترٍ تقريبًا شمالاً، وممن فرَّ إلى الشمال الفيرزان قائد الجيوش الفارسية، وأراد أن يلحق بهمذان لوجود فرقة فارسية متحصنة فيها، وكعادة المسلمين أرسلوا فرقة تطارد فلول الهاربين على رأسها القعقاع بن عمرو التميمي، وكان الطريق صعب السير فيه فقد كانت منطقة جبلية، وليس للفرس هروب يمين أو يسار فكان الأمر معتمدًا على السرعة، ولاح للمسلمين جيش الفرس الفارّ من أرض المعركة، ويتنزل النصر من عند الله U بجند من جنوده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31]، وكان الأمر غير متوقع في ذلك الوقت، يقابل جيش الفيرزان بغالاً وحميرًا تحمل عسلاً، قطعت الطريق على جيش الفيرزان، والبغال والحمير تسير ببطء، فنزل الفيرزان من على فرسه وكذلك فعل بقية الجيش الفارسي، وفروا في الجبال على أقدامهم، فينزل المسلمون عن خيولهم ويتتبعون الجيش الفارسي، ويلمح سيدنا القعقاع الفيرزان من على بُعْدٍ فيعرفه من هيئته فيتتبعه القعقاع بن عمرو فيقاتله ويقتله القعقاع، وكانت هذه المنطقة ثنية في الجبل وهو الطريق الواسع في الجبل، فسميت هذه المنطقة بثنية العسل، وظلت معروفة بهذا الاسم إلى زمان الإمام الطبري، وكان المسلمون يتفكهون ويقولون: إن لله جنودًا من عسل. وبعد تتبع الفارين وقتل الفيرزان، عادت الفرقة التي كان على رأسها القعقاع بن عمرو إلى نَهاوَنْد.
كان سيدنا عمر بن الخطاب t قد ولَّى السائب بن الأقرع وهو من صحابة النبي r على جمع الغنائم، فرغم قلة عدد المسلمين وكثرة عدد الفرس إلا أن سيدنا عمر بن الخطاب كان واثقًا في النصر، فولَّى من يجمع الغنائم ويقسمه.
بعد انتهاء المعركة دخل سيدنا السائب بن الأقرع إلى مدينة نَهاوَنْد التي خَلَتْ من المقاتلين الفرس ليجمع الغنائم، ولما دخل المسلمون المدينة أتاهم "الهربذ" صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني ومن شئتُ على دمي وعيالي، على أن أخرج لك ذخيرةً لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ فأمَّنه السائب بن الأقرع، فأحضر جوهرًا نفيسًا في سفطين (وعاءين)، من جواهر يزدجرد كسرى فارس، قسَّم السائب بن الأقرع الغنائم على المسلمين بعد جمعها، وقسم كل الغنائم ما عدا السفطين، فكان نصيب الفارس ستة آلاف درهم، ونصيب الراجل ألفا درهم، فالفارس يأخذ من الغنائم ثلاثة أضعاف الراجل لإنفاقه على فرسه، وبقي السفطان، فقال سيدنا حذيفة: ماذا نفعل بهم؟ فقال السائب: والله لا أرى إلا أن نرسلهما إلى عمر في المدينة. فوافقه المسلمون على ذلك، فحمل السائب بن الأقرع السفطين مع خُمس الغنائم إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وليست معه قوة تحميه.
وكعادة سيدنا عمر بن الخطاب t يقف منتظرًا ليعرف أخبار المسلمين بنفسه t كما كان يفعل في معركة القادسية والمدائن، فكان يخرج كل يوم ليطمئن على أخبار الجيش ويدعو لهم.
فرأى السائب بن الأقرع قادمًا عليه فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك وأعظم الفتح. وسمي هذا الفتح في التاريخ فتحَ الفتوح، ورغم المعارك التي سبقت هذا الفتح إلا أن كسر شوكة الفرس في هذه المعركة كان شديدًا، وكان القتال في عمق بلاد فارس مما هَزَّ الدولة الفارسية، فتبسَّم سيدنا عمر بن الخطاب t، وسَعِدَ سعادة كبيرة، ثم قال: وما فعل النعمان؟ فقال السائب: لقي ربه شهيدًا. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده (والكَتِدُ: مُجْتَمَعُ الكَتِفَيْنِ من الإِنسان والفرس، وقيل: هو الكاهِل. وقيل: هو ما بين الكاهل إِلى الظهر)، ثم قال عمر: وما فعل بقية المسلمين؟ فقال: لقد استشهد منهم كثير لا نعرف أنسابهم. فقال سيدنا عمر بن الخطاب: وما ضرَّهم ألا يعرفَهم عُمَرُ ابن أم عمر، إن الله الذي لاقَوْه يعرف وجوههم وأنسابهم. ويستمر في البكاء t فترة، وكان الوقت ليلاً فقال سيدنا عمر بن الخطاب للسائب بن الأقرع: ضَعِ الغنائمَ في المسجد في بيت المال. ويذهب وينادي سيدنا علي بن أبي طالب وعبد الله بن الأرقم ليحرسا الغنائم حتى الصباح، وبعد أن أدَّى سيدنا السائب بن الأقرع المهمة التي كلف بها، وبعد أن ترك الغنائم في بيت المال، يرجع في الليلة نفسها إلى بلاد فارس حتى يلحق بالجيوش للقتال، فهو لا يريد أن يترك لحظة واحدة من لحظات الجهاد في سبيل الله، وعاد السائب بن الأقرع إلى أرض الجهاد رغم المسافة البعيدة بين المدينة وأرض فارس، وكانت المسافة من المدينة إلى الكوفة ألف كيلو متر.
وينام سيدنا عمر بن الخطاب t ليأتي اليوم الثاني ليقوم بتوزيع الغنائم، فيرى سيدنا عمر بن الخطاب t رؤيا رهيبة، فيقوم على أَثَرِها من النوم فزعًا ولا يعلم تأويل هذه الرؤيا، ويستيقظ لصلاة الفجر ثم يذهب إلى بيت المال، وما إن رأى الغنائم حتى عرف تفسير الرؤيا التي رآها.
المــــــــــــــــــــــــــــــــــــصدر
http://www.islamstory.com/معركة_نهاوند