غرناطة الأندلس
02-24-2010, 10:56 AM
خــــــــــــــــــــــالد بن الوليـــــــــــــــــــــــــــــد
خالد بن الوليد وجهاده :
هو أبو سليمان : خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، نشأ في أسرة ثرية ، وبيت شريف ، أبوه الوليد كان سيد قومه ، وكان يكسو الكعبة وحده عاماً ، ويكسوها أهل مكة جميعاً عاماً ، وكان يُلقب بريحانة قريش ، وقد هاجر خالد t سنة (7هـ) ، وقيل (8 هـ) ، وسمّاه رسول الله r (سيف الله) .
ـ حارب الإسلام وكان بطلاً ، وكان السبب الأكبر في هزيمة المسلمين في أحد !!
ـ وحارب في سبيل الإسلام فتألقت بطولته بالعقيدة الجديدة ، وخرج من دائرة البطل المحلـّيِّ إلى دارة البطولة العالمية .
وقد ولد قبل الإسلام بثمانية وعشرين عاماً، أي أنه ولد في عام (582م) ، وكانت قريش آنذاك تحتل مكان الصدارة بين القبائل العربية ، ولها الأمر والنهي ، ولها حق السدانة ، والسقاية ، والرفادة ، والقيادة المشهورة ، وكان والده هو الوليد بن المغيرة المخزومي الملقب بريحانة قريش، وكان سيداً من ساداتها، وزعيماً من زعمائها، وللأسف ، فقد كان الوليد من قيادات الحرب على الإسلام ، ومع ذلك تشاء عناية الله أن يكون ابنه خالد من أكبر قادة الفتوحات الإسلامية .
ـ أسلم خالد سنة (سبع أو ثمان من الهجرة)، ففي صفر من سنة (8هـ) قدم عمرو بن العاص ومعه خالد بن الوليد ، وعثمان بن طلحة العبدري ليسلموا على يد النبي r بعد أن تيقـَّنوا من صحة الدعوة الإسلامية ، وصحة النبوة التي جاء بها النبي محمدّ r .
كان خالد بن الوليد t ـ مع ذكائه ، وشجاعته ، وعبقريته ـ في أول أمره؛ من أشد الناس على المسلمين ، وكان كثير النكاية عليهم ، والاجتهاد في محاربتهم ؛ بل إنه كان من أكبر الأسباب في هزيمة المسلمين في معركة من أكبر معاركهم ـ قبل إسلامه ـ وقد شهد مواطن كثيرة حارب فيها المسلمين أشد الحروب ، ومع أنه كان يبذل قصارى جهده ، وكان فارساً كبيراً إلا أنه كان في كل موطن يشهده يرى أنه يمشي في طريق مسدود ، وأن محمداًَ سيظهر.
لكن فروسيته، وعبقريته ، ومكانته في مكة حالت دون عبوره إلى خندق الحق .
لكن بعض الأشياء الصغيرة ، وبعض المواقف الإيمانية العابرة هي التي نفذت إلى قلبه ، ذلك أن للإيمان مسارب ينفذ منها غير تلك المنافذ التي يراها الناس كبيرة ، فأشعة الشمس يكون وقعها أكبر حين تتسلل في هدوء في الصباح ، فتضيء أكبر أعماق النفوس بالبشر والأمل والدفء.
وقد نعجب حين نجد هذا الفارس العبقري العملاق لا يصل إلى الإسلام من خلال دعوة الرسول في مكة ـ على عمقها وطولها ـ كما لم يصل إلى الإسلام من خلال التحامه، وصراعه مع المسلمين في معارك كثيرة ، وإنما وصل إلى الإسلام ، أو وصل إلى قلبه الإسلام ، من خلال هذه اللمسات الإنسانية والإيمانية الرائعة التي تهدهد المشاعر ، وتحرك الفطرة ، وتنفذ إلى القلوب.
فأما اللمسة الأولى: التي نفذت إلى قلبه فهي ما رآه من الرسول r ، وأصحابه حين صلوا أمامه في الحرب (صلاة الحرب) خاشعين ، فوقعت هذه (الصلاة الحربية) من نفسه موقعاً عظيماً مع أنه كان يتحرش بالرسول ، وقد كان الرسول يدرك ما في نفوس المشركين من التربص به ، وبأصحابه، لكن لم يصرفه ذلك عن أداء صلاة العصر…. فقال صاحبنا في نفسه (إن هذا الرجل ممنوع) أي إن هناك قوة كبرى تحرسه، وتحميه؛ فلما صالح الرسول r قريشاً في الحديبية شعر صاحبنا بأن الإسلام له شأناً ، لدرجة أنه عندما دخل الرسول r مكة في عمرة القضاء لم يستطع صاحبنا أن يبقى في مكة ليشهد دخول محمد وأصحابه.. لقد كان تائها عن نفسه ، يريد أن يتخذ القرار ، لكن بقايا الجاهلية كانت تشده إليها …
وأما اللمسة الثانية فقد كانت كلمة واحدة قالها الرسول r عنه … هذه الكلمات وصلت إلى صاحبنا في رسالة من أخيه (الوليد بن الوليد) أرسلها إليه ، وكان الوليد قد أسلم .
“بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد فإني أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام ، وعقلك عقلك ، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله r عنك …؟ فقلت : يأتي الله به. فقال : مثله جهل الإسلام ؟ ! ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيراً له ، ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة …
قال خالد بن الوليد : فلما جاءني كتابه نشطت للخروج ، وزادني رغبة في الإسلام ، وسرني سؤال رسول الله r عني … وكان هذه هي اللمسة الثانية ..
أما اللمسة الثالثة: فقد تمثلت في رؤيا رآها خالد بعد أن اتجه كيانه إلى الحق .. وأخذ يلح عليه في الوصول إلى شاطئ النجاة … لقد رأى في النوم كأنه في بلاد ضيقه مجدبة ، وأنه خرج منها إلى بلاد واسعة خضراء فشعر بأن البلاد الخضراء الواسعة إنما هي الإسلام ، وأن الأرض الضيقة المجدبة هي الجاهلية التي يعيش فيها …
كانت هذه اللمسات الثلاثة التي استطاعت أن تدخل إلى أعماق (خالد) ، وهي التي دفعته دفعاً إلى الإسلام … لقد ضاقت عليه الدنيا ، فأصبح يحس بأنه مجرد سجين ينتظر الإفراج ، فأخذ يبحث عن رفيق يعبر معه أسوار الجاهلية العالية ، وهناك عندما وصل إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بصحبة عثمان بن طلحة شعر بأنه خرج من السجن إلى دنيا الحرية . وكم كانت سعادته غامرة وهو يرى ابتسامة الرسول r حين استقبله قائلاً بعد أن سمع منه الشهادتين : “الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير …”.
وانطلق خالد بن الوليد t يكتب في تاريخ الإسلام صفحات من المجد يشهد لها المؤرخون
ـ من مسلمين وغير مسلمين ـ على امتداد القرون.
# # #
في مدى لا يتجاوز شهوراً قليلة قد لا تزيد عن ثلاثة من إسلام خالد ؛ قرر الرسول r بعث المسلمين لغزوة (مؤتة) ، واستعمل على قيادة الجيش ثلاثة قواد ، وكأنه r قد أُلهم أن المعركة حامية الوطيس ، وتحتاج إلى قوادٍ ثلاثة يحملون الراية ، أوَّلهم (زيد بن حارثة)، فإن أصيب (فجعفر بن أبي طالب) ، فإن أصيب (فعبد الله بن رواحة) !!
ـ وقد وقع ما ألهمه الله لرسوله إلهاماً يعرف بالجملة، ولا تعرف تفاصيله الدقيقة ؛ حتى يتحقق قضاء الله !!
وقد سار الجيش الإسلامي ومعهم الجندي حديث العهد بالإسلام (خالد بن الوليد) فبلغهم أن هرقل سار إليهم بنفسه في (مائة ألف) من الروم (ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام وبلغين وبلى) .
ـ ولما قتل (زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة) أخذ الراية (ثابت بن أرقم الأنصاري) ، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا : رضينا بك ، فقال: ما أنا بفاعل ؛ فاصطلحوا على (خالد بن الوليد) فأخذ الراية ، ودافع القوم .
وقد نجح خالد في أن ينقذ المسلمين ، وأن يعود بالناس سالمين ، ومنذ ذلك التاريخ سمى الرسول r خالداً (سيف الله) ، وأصبح يقاتل بسيف الله ، وما دخل معركة إلا انتصر فيها ، وما قاتل وبارز أحداً إلا قتله.
وهكذا كانت البداية الحربية لخالد في الإسلام بداية رائعة ، واستحق وسام رسول الله r عندما قال عنه أنه (سيف الله) !!
وكانت جهود خالد في معركة اليمامة ، وضد المرتدين بصفة عامة؛ من أبرز الجهود الواضحة في القضاء على فتنة المرتدين؛ التي كادت تقضي على الدولة الإسلامية في مهدها ، لولا وقفة أبي بكر الصارمة ، وجهود أبطال الإسلام العظماء .
ومما نقله الأستاذ (زهير صادق الخالدي) في كتابه (أبطال من التاريخ العربي الإسلامي) عن (الموسوعة العسكرية للمؤسسة العربية للدراسات في بيروت الصادرة عام 1979م) أن الخليفة
أبا بكر قد كتب إلى خالد بن الوليد … وكان يومئذ باليمامة يأمره بالتوجه إلى العراق لمحاربة الفرس ، ويقول له :
“سر بالتوجه إلى العراق حتى تدخلها ، وابدأ (بالأبلة) (بلدة على مدخل البصرة) ، ثم أمر غياض بن غنم أن يدخل العراق من أعلاها بادئاً بالمصيخ (موقع على حدود الشام مما يلي العراق) حتى يلقى خالداً ، وكان مع خالد حين تلقى أمر الخليفة عشرة آلف فارس ، ثم لم يلبث المثنى بن حارثة الشيباني (وكان على حدود العراق من جهة الجزيرة) أن أمده بثمانية آلاف مقاتل، فبلغ جيش خالد ثمانية عشر ألف مقاتل وكانت وقعة (ذات السلاسل) هي أولى المعارك لخالد في العراق ، انتقل بعدها إلى الثني (أو المذار) ، ثم إلى الولجة ، فاليس ، فالحيرة، فالأنبار (وهي وقعة ذات العيون)، فعين التمر ، فدومة الجندل ، فالحصيد ، فالخنافس ، فالمصيخ , والزميل ، والفراض ، وكانت آخر معارك خالد في العراق …
والجدير بالذكر أن جميع هذه المعارك حدثت سنة (12هـ) وأنَّ خالداً لم يهزم في واحدة منها قط ، وكانت هذه الضربات المتتابعة المتلاحقة التي وجهها خالد إلى جيش الفرس في مركز قوته بالعراق؛ أهم أسباب انهيار الإمبراطورية الفارسية في وجه المد الإسلامي (انظر : زهير الخالدي:أبطال من التاريخ العربي الإسلامي ،84 ، 85 ، بتصرف، بغداد)…
كانت هذه الانتصارات المتتالية سبباً في تعلق الناس بخالد ورغبتهم في إيثاره وإيثار الجهاد معه على غيره من قادة الإسلام الكبار ، وكان هذا … الافتتان به مشكلة يمكن أن تكبر ؛ فلهذا جاء موقف الخليفة عمر بن الخطاب t بمنع هذا (الافتتان بالشخص) ؛ فعزل خالداً في أشد الساعات احتياجاًَ إليه ؛ ليثبت للمسلمين أن النصر من عند الله ، وأنَّ الجماعة الإسلامية التي ربّاها الرسول r ـ ولودٌ خصبة لا تقف عقيمة عند شخص يزعم بعضهم أنه لا قائد بعده ، وأنه آخر العظماء ـ كما نرى في عصرنا الحديث ـ !!
والأهم من ذلك أن خالداً قد فهم الدرس ، وماذا يعنيه ، وقد صرح به عمر (رضي الله عنهما) فقبل برضىً كامل أن يكون مساعداً (لأبي عبيدة بن الجراح) ، وعرف أبو عبيدة لخالد مكانته فتكاملا كقائدين عظيمين مؤمنين من تلامذة الرسول (رضي الله عنهما).
موقعة اليرموك :
لقد اجتمع في موقعة اليرموك أربعون ألفاً ، سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل ، وكان منهم ألف صحابي ، ومنهم نحو مائة من الصحابيين ممن شهدوا بدراً ، وكان الروم مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل ، منهم ثمانون ألف مقاتل مقيد بالسلاسل؛ لئلا يهربوا ، وأربعون ألفاً مسلسلون للموت، وأربعون ألفاً مربوطون بالعمائم ؛ لئلا يفروا ، وثمانون ألف راجل وكأنه جيش من الأسرى يخشى من فرارهم، ولا يوثق في ولائهم أو عقيدتهم .
وكان قتال المسلمين عبارة عن جيوش متفرقة كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد؛ حتى وصل إليهم خالد بن الوليد من العراق.
وكان القسيس والرهبان يحرضون الروم على القتال أكثر من شهر ، ثم خرجوا إلى القتال ؛ الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة سنة (13هـ) ….
فلما أحسّ المسلمون بخروجهم للقتال أرادوا الخروج متلاحمين فسار فيهم خالد فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ، أخلصوا في جهادكم ، وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبئة وأنتم مختلفون، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي ، وإن مَنْ وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم ، وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأى من واليكم ومحبته ، قالوا : هات في الرأي .
قال : إن أبا بكر لم يبعثنا إلاّ هو يرى أننا سنتياسر، وإن الذي أنتم عليه أشد على المسلمين مما قد غشيهم ، وأنفع للمشركين من إمدادهم ، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم ، فالله الله، فإن كل رجل منكم لا ينقصه إن دان لأحد من الأمراء ، ولا يزيده إن دانوا له .
إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ، ولا عند خليفة رسول الله r .
هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا ، وإن هذا اليوم له ما بعده إنْ رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم .
وإن هزمونا لم نفلح بعدها ، فهلمّوا فالنتعاون الإمارة فليكن بعضنا اليوم، والآخر غداً ، والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم ، ودعوني أتأمر اليوم …
فأمَّروا خالداً عليهم يومهم هذا … فخرجت إليهم الروم في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط … وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب من قبل ذلك … فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين ، وقال عددكم كثير (وليس تعبئة أكثر في رأي العين من الكراديس) (والكردوس : مجموعة تشبه السريّة) فجعل القلب كراديس ، وأقام فيه أبا عبيدة ، وجعل الميمنة كراديس ، وعليها عمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة ، وجعل الميسرة كراديس ، وعليها يزيد بن أبي سفيان ، وجعل على كل كردوس رجلاً من الشجعان ، وكان القاضي أبا الدرداء ، وكان القاص
أبا سفيان بن حرب وعلى الطلائع قباث بن أشيم ، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود …
وقال رجل لخالد ما أكثر الروم ، وما أقلّ المسلمين فقال خالد :
يا رجل ؛ بل قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم … إنما تكثر الجنود بالنصر ، وتقل بالخذلان .
والله لوَدِدْتُ أنَّ الأشقر (يعني فرسه) براء من وجعه (مرضه) ، وأنهم أضعفوا في العدد ، وكان قد مضى في مسيره …
فأمر خالد عكرمة بن أبي جهل ، والقعقاع بن عمرو فأنشبا القتال ، والتحم الناس ، وتطارد الفرسان ، وتقاتلوا ، وإنهم على ذلك قدم صاحب البريد من المدينة ، واسمه محمية بن زنيم ، فسألوه الخبر ، فأخبرهم بسلامةٍ وإمداد .. وإنما جاء بموت أبي بكر ، وتأمير أبي عبيدة … فبلَّغوه خالداً فأخبره خبر أبي بكر سرَّاً …
وخرج القائد الرومي (جورجه) أو (جورج) من معسكره متحدياً أمير جيوش المسلمين خالد بن الوليد أن يبرز له ـ فلما برز له وتقاربا بجواديهما ؛ أمَّن كل منهما صاحبه ثم دار بينهما الحوار الآتي بصوت خفيض:
ـ اصدقني ولا تكذبني يا خالد فإن الحرّ لا يكذب ، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخدع .
ـ فيم يا جورج؟
ـ هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاه لك؟ فلا تسلـُّه على قوم إلا هزمتهم؟
ـ لا والله ؟
ـ لماذا سميت بسيف الله إذن؟
ـ إنّ الله سبحانه وتعالى بعث فينا نبياً دعانا إلى الله ، فنفرنا ونأينا عنه ، ثم إنَّ بعضنا كذَّبه وباعده وقاتله.
ـ وهل كنت من ذلك البعض ؟
ـ نعم، ثم إن الله أخذ بقلوبنا فهدانا به فتابعناه .
ـ أهو الذي سماك سيف الله ؟
ـ نعم قال : أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين .
ـ وإلام تدعوني ؟
ـ إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله .
ـ ومن منزلة من يدخل فيكم اليوم؟
ـ منزلتنا واحدة فيما فرض الله علينا، شريفنا ووضيعنا ، أولنا وآخرنا .
ـ وهل لمن دخل فيكم اليوم مثل ما لكم من الأجر؟
ـ نعم وأفضل .
ـ كيف يساويكم وقد سبقتموه ؟
ـ إنا دخلنا في الإسلام وبايعنا نبيه وهو حيّ بين أظهرنا ، تأتيه أخبار السماء ، ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات … وحق لمن يرى ما رأينا ويسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع ، وأنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل اليوم في الإسلام بحقيقة ونيّة صادقة ، كان أفضل منا .
ـ قال جورج لخالد :
ـ والله لقد صدقتني … أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فعلـّمه خالد الإسلام ، واغتسل ، وصلى ، ثم خرج مع خالد فقاتل الروم ([1]) .
وفي بداية المعركة حملت الروم على المسلمين حملة شديدة ؛ حتى أزالوا المسلمين عن مواقعهم إلا المواقع التي كان عليها عكرمة بن أبي جهل ، وعمه الحارث بن هشام ، فقال عكرمة قاتلت النبيَّ r في كل موطن، ثم أفر اليوم ، ثم نادى من يبايع على الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثخنوا جميعاً جراحاً ؛ فمنهم من برأ ، ومنهم من قتل ، وقاتل خالد ومعه جورجه قتالاً شديداً حتى استشهد جورجه عند آخر النهار ، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء ، وتضعضع الروم ، وضرب خالد في القلب ؛ حتى كان بين خيلهم فانهزم الفرسان الروم وتركوا الرجالة .
ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها فتفرقت ، وقتل الرجالة ، واقتحموا عليهم في خندقهم ؛ حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم نحو ثمانين ألفاً من المقترنين ، وأربعين ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة.
ولبس الفيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم ، فقتلوا أمترملين ، ودخل خالد الخندق ، فلما أصبحوا أتي خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحاً ، فوضع رأسه على فخذه ، وبعمر بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه ، ومسح وجوههما ، وقطر في حلوقهما الماء، وقد قاتلت النساء المسلمات في ذلك اليوم ، وأبلين بلاءً حسناً [زهير الخالدي : أبطال من التاريخ العربي الإسلامي، ص : 107، 108].
المصـــــــــــــــــــــــــــــــــدر
http://www.el-wasat.com/owies/?p=124#more-124
http://www.el-wasat.com/owies/wp-content/uploads/2009/05/d8aed8a7d984d8af-300x225.jpg (http://www.el-wasat.com/owies/wp-content/uploads/2009/05/d8aed8a7d984d8af.jpg)
خالد بن الوليد وجهاده :
هو أبو سليمان : خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، نشأ في أسرة ثرية ، وبيت شريف ، أبوه الوليد كان سيد قومه ، وكان يكسو الكعبة وحده عاماً ، ويكسوها أهل مكة جميعاً عاماً ، وكان يُلقب بريحانة قريش ، وقد هاجر خالد t سنة (7هـ) ، وقيل (8 هـ) ، وسمّاه رسول الله r (سيف الله) .
ـ حارب الإسلام وكان بطلاً ، وكان السبب الأكبر في هزيمة المسلمين في أحد !!
ـ وحارب في سبيل الإسلام فتألقت بطولته بالعقيدة الجديدة ، وخرج من دائرة البطل المحلـّيِّ إلى دارة البطولة العالمية .
وقد ولد قبل الإسلام بثمانية وعشرين عاماً، أي أنه ولد في عام (582م) ، وكانت قريش آنذاك تحتل مكان الصدارة بين القبائل العربية ، ولها الأمر والنهي ، ولها حق السدانة ، والسقاية ، والرفادة ، والقيادة المشهورة ، وكان والده هو الوليد بن المغيرة المخزومي الملقب بريحانة قريش، وكان سيداً من ساداتها، وزعيماً من زعمائها، وللأسف ، فقد كان الوليد من قيادات الحرب على الإسلام ، ومع ذلك تشاء عناية الله أن يكون ابنه خالد من أكبر قادة الفتوحات الإسلامية .
ـ أسلم خالد سنة (سبع أو ثمان من الهجرة)، ففي صفر من سنة (8هـ) قدم عمرو بن العاص ومعه خالد بن الوليد ، وعثمان بن طلحة العبدري ليسلموا على يد النبي r بعد أن تيقـَّنوا من صحة الدعوة الإسلامية ، وصحة النبوة التي جاء بها النبي محمدّ r .
كان خالد بن الوليد t ـ مع ذكائه ، وشجاعته ، وعبقريته ـ في أول أمره؛ من أشد الناس على المسلمين ، وكان كثير النكاية عليهم ، والاجتهاد في محاربتهم ؛ بل إنه كان من أكبر الأسباب في هزيمة المسلمين في معركة من أكبر معاركهم ـ قبل إسلامه ـ وقد شهد مواطن كثيرة حارب فيها المسلمين أشد الحروب ، ومع أنه كان يبذل قصارى جهده ، وكان فارساً كبيراً إلا أنه كان في كل موطن يشهده يرى أنه يمشي في طريق مسدود ، وأن محمداًَ سيظهر.
لكن فروسيته، وعبقريته ، ومكانته في مكة حالت دون عبوره إلى خندق الحق .
لكن بعض الأشياء الصغيرة ، وبعض المواقف الإيمانية العابرة هي التي نفذت إلى قلبه ، ذلك أن للإيمان مسارب ينفذ منها غير تلك المنافذ التي يراها الناس كبيرة ، فأشعة الشمس يكون وقعها أكبر حين تتسلل في هدوء في الصباح ، فتضيء أكبر أعماق النفوس بالبشر والأمل والدفء.
وقد نعجب حين نجد هذا الفارس العبقري العملاق لا يصل إلى الإسلام من خلال دعوة الرسول في مكة ـ على عمقها وطولها ـ كما لم يصل إلى الإسلام من خلال التحامه، وصراعه مع المسلمين في معارك كثيرة ، وإنما وصل إلى الإسلام ، أو وصل إلى قلبه الإسلام ، من خلال هذه اللمسات الإنسانية والإيمانية الرائعة التي تهدهد المشاعر ، وتحرك الفطرة ، وتنفذ إلى القلوب.
فأما اللمسة الأولى: التي نفذت إلى قلبه فهي ما رآه من الرسول r ، وأصحابه حين صلوا أمامه في الحرب (صلاة الحرب) خاشعين ، فوقعت هذه (الصلاة الحربية) من نفسه موقعاً عظيماً مع أنه كان يتحرش بالرسول ، وقد كان الرسول يدرك ما في نفوس المشركين من التربص به ، وبأصحابه، لكن لم يصرفه ذلك عن أداء صلاة العصر…. فقال صاحبنا في نفسه (إن هذا الرجل ممنوع) أي إن هناك قوة كبرى تحرسه، وتحميه؛ فلما صالح الرسول r قريشاً في الحديبية شعر صاحبنا بأن الإسلام له شأناً ، لدرجة أنه عندما دخل الرسول r مكة في عمرة القضاء لم يستطع صاحبنا أن يبقى في مكة ليشهد دخول محمد وأصحابه.. لقد كان تائها عن نفسه ، يريد أن يتخذ القرار ، لكن بقايا الجاهلية كانت تشده إليها …
وأما اللمسة الثانية فقد كانت كلمة واحدة قالها الرسول r عنه … هذه الكلمات وصلت إلى صاحبنا في رسالة من أخيه (الوليد بن الوليد) أرسلها إليه ، وكان الوليد قد أسلم .
“بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد فإني أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام ، وعقلك عقلك ، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله r عنك …؟ فقلت : يأتي الله به. فقال : مثله جهل الإسلام ؟ ! ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيراً له ، ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة …
قال خالد بن الوليد : فلما جاءني كتابه نشطت للخروج ، وزادني رغبة في الإسلام ، وسرني سؤال رسول الله r عني … وكان هذه هي اللمسة الثانية ..
أما اللمسة الثالثة: فقد تمثلت في رؤيا رآها خالد بعد أن اتجه كيانه إلى الحق .. وأخذ يلح عليه في الوصول إلى شاطئ النجاة … لقد رأى في النوم كأنه في بلاد ضيقه مجدبة ، وأنه خرج منها إلى بلاد واسعة خضراء فشعر بأن البلاد الخضراء الواسعة إنما هي الإسلام ، وأن الأرض الضيقة المجدبة هي الجاهلية التي يعيش فيها …
كانت هذه اللمسات الثلاثة التي استطاعت أن تدخل إلى أعماق (خالد) ، وهي التي دفعته دفعاً إلى الإسلام … لقد ضاقت عليه الدنيا ، فأصبح يحس بأنه مجرد سجين ينتظر الإفراج ، فأخذ يبحث عن رفيق يعبر معه أسوار الجاهلية العالية ، وهناك عندما وصل إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بصحبة عثمان بن طلحة شعر بأنه خرج من السجن إلى دنيا الحرية . وكم كانت سعادته غامرة وهو يرى ابتسامة الرسول r حين استقبله قائلاً بعد أن سمع منه الشهادتين : “الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير …”.
وانطلق خالد بن الوليد t يكتب في تاريخ الإسلام صفحات من المجد يشهد لها المؤرخون
ـ من مسلمين وغير مسلمين ـ على امتداد القرون.
# # #
في مدى لا يتجاوز شهوراً قليلة قد لا تزيد عن ثلاثة من إسلام خالد ؛ قرر الرسول r بعث المسلمين لغزوة (مؤتة) ، واستعمل على قيادة الجيش ثلاثة قواد ، وكأنه r قد أُلهم أن المعركة حامية الوطيس ، وتحتاج إلى قوادٍ ثلاثة يحملون الراية ، أوَّلهم (زيد بن حارثة)، فإن أصيب (فجعفر بن أبي طالب) ، فإن أصيب (فعبد الله بن رواحة) !!
ـ وقد وقع ما ألهمه الله لرسوله إلهاماً يعرف بالجملة، ولا تعرف تفاصيله الدقيقة ؛ حتى يتحقق قضاء الله !!
وقد سار الجيش الإسلامي ومعهم الجندي حديث العهد بالإسلام (خالد بن الوليد) فبلغهم أن هرقل سار إليهم بنفسه في (مائة ألف) من الروم (ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام وبلغين وبلى) .
ـ ولما قتل (زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة) أخذ الراية (ثابت بن أرقم الأنصاري) ، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا : رضينا بك ، فقال: ما أنا بفاعل ؛ فاصطلحوا على (خالد بن الوليد) فأخذ الراية ، ودافع القوم .
وقد نجح خالد في أن ينقذ المسلمين ، وأن يعود بالناس سالمين ، ومنذ ذلك التاريخ سمى الرسول r خالداً (سيف الله) ، وأصبح يقاتل بسيف الله ، وما دخل معركة إلا انتصر فيها ، وما قاتل وبارز أحداً إلا قتله.
وهكذا كانت البداية الحربية لخالد في الإسلام بداية رائعة ، واستحق وسام رسول الله r عندما قال عنه أنه (سيف الله) !!
وكانت جهود خالد في معركة اليمامة ، وضد المرتدين بصفة عامة؛ من أبرز الجهود الواضحة في القضاء على فتنة المرتدين؛ التي كادت تقضي على الدولة الإسلامية في مهدها ، لولا وقفة أبي بكر الصارمة ، وجهود أبطال الإسلام العظماء .
ومما نقله الأستاذ (زهير صادق الخالدي) في كتابه (أبطال من التاريخ العربي الإسلامي) عن (الموسوعة العسكرية للمؤسسة العربية للدراسات في بيروت الصادرة عام 1979م) أن الخليفة
أبا بكر قد كتب إلى خالد بن الوليد … وكان يومئذ باليمامة يأمره بالتوجه إلى العراق لمحاربة الفرس ، ويقول له :
“سر بالتوجه إلى العراق حتى تدخلها ، وابدأ (بالأبلة) (بلدة على مدخل البصرة) ، ثم أمر غياض بن غنم أن يدخل العراق من أعلاها بادئاً بالمصيخ (موقع على حدود الشام مما يلي العراق) حتى يلقى خالداً ، وكان مع خالد حين تلقى أمر الخليفة عشرة آلف فارس ، ثم لم يلبث المثنى بن حارثة الشيباني (وكان على حدود العراق من جهة الجزيرة) أن أمده بثمانية آلاف مقاتل، فبلغ جيش خالد ثمانية عشر ألف مقاتل وكانت وقعة (ذات السلاسل) هي أولى المعارك لخالد في العراق ، انتقل بعدها إلى الثني (أو المذار) ، ثم إلى الولجة ، فاليس ، فالحيرة، فالأنبار (وهي وقعة ذات العيون)، فعين التمر ، فدومة الجندل ، فالحصيد ، فالخنافس ، فالمصيخ , والزميل ، والفراض ، وكانت آخر معارك خالد في العراق …
والجدير بالذكر أن جميع هذه المعارك حدثت سنة (12هـ) وأنَّ خالداً لم يهزم في واحدة منها قط ، وكانت هذه الضربات المتتابعة المتلاحقة التي وجهها خالد إلى جيش الفرس في مركز قوته بالعراق؛ أهم أسباب انهيار الإمبراطورية الفارسية في وجه المد الإسلامي (انظر : زهير الخالدي:أبطال من التاريخ العربي الإسلامي ،84 ، 85 ، بتصرف، بغداد)…
كانت هذه الانتصارات المتتالية سبباً في تعلق الناس بخالد ورغبتهم في إيثاره وإيثار الجهاد معه على غيره من قادة الإسلام الكبار ، وكان هذا … الافتتان به مشكلة يمكن أن تكبر ؛ فلهذا جاء موقف الخليفة عمر بن الخطاب t بمنع هذا (الافتتان بالشخص) ؛ فعزل خالداً في أشد الساعات احتياجاًَ إليه ؛ ليثبت للمسلمين أن النصر من عند الله ، وأنَّ الجماعة الإسلامية التي ربّاها الرسول r ـ ولودٌ خصبة لا تقف عقيمة عند شخص يزعم بعضهم أنه لا قائد بعده ، وأنه آخر العظماء ـ كما نرى في عصرنا الحديث ـ !!
والأهم من ذلك أن خالداً قد فهم الدرس ، وماذا يعنيه ، وقد صرح به عمر (رضي الله عنهما) فقبل برضىً كامل أن يكون مساعداً (لأبي عبيدة بن الجراح) ، وعرف أبو عبيدة لخالد مكانته فتكاملا كقائدين عظيمين مؤمنين من تلامذة الرسول (رضي الله عنهما).
موقعة اليرموك :
لقد اجتمع في موقعة اليرموك أربعون ألفاً ، سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل ، وكان منهم ألف صحابي ، ومنهم نحو مائة من الصحابيين ممن شهدوا بدراً ، وكان الروم مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل ، منهم ثمانون ألف مقاتل مقيد بالسلاسل؛ لئلا يهربوا ، وأربعون ألفاً مسلسلون للموت، وأربعون ألفاً مربوطون بالعمائم ؛ لئلا يفروا ، وثمانون ألف راجل وكأنه جيش من الأسرى يخشى من فرارهم، ولا يوثق في ولائهم أو عقيدتهم .
وكان قتال المسلمين عبارة عن جيوش متفرقة كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد؛ حتى وصل إليهم خالد بن الوليد من العراق.
وكان القسيس والرهبان يحرضون الروم على القتال أكثر من شهر ، ثم خرجوا إلى القتال ؛ الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة سنة (13هـ) ….
فلما أحسّ المسلمون بخروجهم للقتال أرادوا الخروج متلاحمين فسار فيهم خالد فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ، أخلصوا في جهادكم ، وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبئة وأنتم مختلفون، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي ، وإن مَنْ وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم ، وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأى من واليكم ومحبته ، قالوا : هات في الرأي .
قال : إن أبا بكر لم يبعثنا إلاّ هو يرى أننا سنتياسر، وإن الذي أنتم عليه أشد على المسلمين مما قد غشيهم ، وأنفع للمشركين من إمدادهم ، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم ، فالله الله، فإن كل رجل منكم لا ينقصه إن دان لأحد من الأمراء ، ولا يزيده إن دانوا له .
إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ، ولا عند خليفة رسول الله r .
هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا ، وإن هذا اليوم له ما بعده إنْ رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم .
وإن هزمونا لم نفلح بعدها ، فهلمّوا فالنتعاون الإمارة فليكن بعضنا اليوم، والآخر غداً ، والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم ، ودعوني أتأمر اليوم …
فأمَّروا خالداً عليهم يومهم هذا … فخرجت إليهم الروم في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط … وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب من قبل ذلك … فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين ، وقال عددكم كثير (وليس تعبئة أكثر في رأي العين من الكراديس) (والكردوس : مجموعة تشبه السريّة) فجعل القلب كراديس ، وأقام فيه أبا عبيدة ، وجعل الميمنة كراديس ، وعليها عمرو بن العاص ، وشرحبيل بن حسنة ، وجعل الميسرة كراديس ، وعليها يزيد بن أبي سفيان ، وجعل على كل كردوس رجلاً من الشجعان ، وكان القاضي أبا الدرداء ، وكان القاص
أبا سفيان بن حرب وعلى الطلائع قباث بن أشيم ، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود …
وقال رجل لخالد ما أكثر الروم ، وما أقلّ المسلمين فقال خالد :
يا رجل ؛ بل قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم … إنما تكثر الجنود بالنصر ، وتقل بالخذلان .
والله لوَدِدْتُ أنَّ الأشقر (يعني فرسه) براء من وجعه (مرضه) ، وأنهم أضعفوا في العدد ، وكان قد مضى في مسيره …
فأمر خالد عكرمة بن أبي جهل ، والقعقاع بن عمرو فأنشبا القتال ، والتحم الناس ، وتطارد الفرسان ، وتقاتلوا ، وإنهم على ذلك قدم صاحب البريد من المدينة ، واسمه محمية بن زنيم ، فسألوه الخبر ، فأخبرهم بسلامةٍ وإمداد .. وإنما جاء بموت أبي بكر ، وتأمير أبي عبيدة … فبلَّغوه خالداً فأخبره خبر أبي بكر سرَّاً …
وخرج القائد الرومي (جورجه) أو (جورج) من معسكره متحدياً أمير جيوش المسلمين خالد بن الوليد أن يبرز له ـ فلما برز له وتقاربا بجواديهما ؛ أمَّن كل منهما صاحبه ثم دار بينهما الحوار الآتي بصوت خفيض:
ـ اصدقني ولا تكذبني يا خالد فإن الحرّ لا يكذب ، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخدع .
ـ فيم يا جورج؟
ـ هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاه لك؟ فلا تسلـُّه على قوم إلا هزمتهم؟
ـ لا والله ؟
ـ لماذا سميت بسيف الله إذن؟
ـ إنّ الله سبحانه وتعالى بعث فينا نبياً دعانا إلى الله ، فنفرنا ونأينا عنه ، ثم إنَّ بعضنا كذَّبه وباعده وقاتله.
ـ وهل كنت من ذلك البعض ؟
ـ نعم، ثم إن الله أخذ بقلوبنا فهدانا به فتابعناه .
ـ أهو الذي سماك سيف الله ؟
ـ نعم قال : أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين .
ـ وإلام تدعوني ؟
ـ إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله .
ـ ومن منزلة من يدخل فيكم اليوم؟
ـ منزلتنا واحدة فيما فرض الله علينا، شريفنا ووضيعنا ، أولنا وآخرنا .
ـ وهل لمن دخل فيكم اليوم مثل ما لكم من الأجر؟
ـ نعم وأفضل .
ـ كيف يساويكم وقد سبقتموه ؟
ـ إنا دخلنا في الإسلام وبايعنا نبيه وهو حيّ بين أظهرنا ، تأتيه أخبار السماء ، ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات … وحق لمن يرى ما رأينا ويسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع ، وأنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل اليوم في الإسلام بحقيقة ونيّة صادقة ، كان أفضل منا .
ـ قال جورج لخالد :
ـ والله لقد صدقتني … أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فعلـّمه خالد الإسلام ، واغتسل ، وصلى ، ثم خرج مع خالد فقاتل الروم ([1]) .
وفي بداية المعركة حملت الروم على المسلمين حملة شديدة ؛ حتى أزالوا المسلمين عن مواقعهم إلا المواقع التي كان عليها عكرمة بن أبي جهل ، وعمه الحارث بن هشام ، فقال عكرمة قاتلت النبيَّ r في كل موطن، ثم أفر اليوم ، ثم نادى من يبايع على الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثخنوا جميعاً جراحاً ؛ فمنهم من برأ ، ومنهم من قتل ، وقاتل خالد ومعه جورجه قتالاً شديداً حتى استشهد جورجه عند آخر النهار ، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء ، وتضعضع الروم ، وضرب خالد في القلب ؛ حتى كان بين خيلهم فانهزم الفرسان الروم وتركوا الرجالة .
ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها فتفرقت ، وقتل الرجالة ، واقتحموا عليهم في خندقهم ؛ حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم نحو ثمانين ألفاً من المقترنين ، وأربعين ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة.
ولبس الفيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم ، فقتلوا أمترملين ، ودخل خالد الخندق ، فلما أصبحوا أتي خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحاً ، فوضع رأسه على فخذه ، وبعمر بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه ، ومسح وجوههما ، وقطر في حلوقهما الماء، وقد قاتلت النساء المسلمات في ذلك اليوم ، وأبلين بلاءً حسناً [زهير الخالدي : أبطال من التاريخ العربي الإسلامي، ص : 107، 108].
المصـــــــــــــــــــــــــــــــــدر
http://www.el-wasat.com/owies/?p=124#more-124
http://www.el-wasat.com/owies/wp-content/uploads/2009/05/d8aed8a7d984d8af-300x225.jpg (http://www.el-wasat.com/owies/wp-content/uploads/2009/05/d8aed8a7d984d8af.jpg)