الفارس الملثم
06-09-2010, 02:49 PM
قراءة في مخطوط تاريخ ميورقة لابن عميرة المخزومي ـــ د.محمد بن معمر(*)
مؤلف المخطوط
اسمه الكامل أبو المطرّف أحمد بن عبدالله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عميرة المخزومي، وقد أجمع مترجموه على تحليته بالنسب المخزومي ومنهم معاصره وابن بلده ابن الأبار حيث يقول: "وكان بجزيرة شقر بنو عميرة المخزوميون بيت شيخنا القاضي الكاتب أبي المطرف أبقاه الله"(2). وهو من مواليد شهر رمضان سنة 582هـ/1186م بجزيرة شقر القريبة من شاطبة، بينها وبين بلنسية ثمانية عشرة ميلاً شرق الأندلس، وهي الجزيرة التي تحدث عنها الجغرافيون والمؤرخون الأندلسيون وغيرهم بكل إعجاب لجمال موقعها وسحر طبيعتها.
أما حياته العلميّة فيمكن التمييز فيها بين ثلاث مراحل: الأولى تتميز بالإقبال على الثقافة الدينية بوجه عام، والثانية تبرز فيها العناية بالثقافة العلمية العقلية، والأخيرة يظهر فيها الجنوح نحو الثقافة الأدبية، وهو ما أجمله ابن عبد الملك في النص التالي: "وكان في بداية طلبه للعلم شديد العناية بشأن الرواية فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، ثم تفنن في العلوم ونظر في المعقولات وأصول الفقه ومال إلى الآداب وبرع فيها"(3). ومن شيوخه الأندلسيين الذين أخذ عنهم وتتلمذ لهم، الشيخ أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب القيسي (537-614هـ)، والشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي (565-324هـ)، وعنه أخذ أيضاً المؤرخ الأديب ابن الأبار وهو من أكبر أساتذته وأبعدهم أثراً في حياته، لأن ابن الأبار كان معاصراً لأبي المطرّف، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن أيوب السرقسطي (530-608هـ)، والأستاذ ابن حوط الله الأنصاري (552-621 هـ)، والشيخ أبو علي الشلوبين، والشيخ ابن عات وغيرهم، وأجازه من المشارقة أبو الفتوح الحصري.
بعد أن فرغ ابن عميرة من حياة الدرس والتحصيل العلمي وانتهى من التنقل بين شقر وبلنسية وشاطبة ودانية ومرسية وغيرها بحثاً عن الشيوخ، رجع إلى بلنسية بقصد الاستقرار والحصول على وظيفة تناسب ثقافته وطموحه، "ذلك أن ابن عميرة كان منذ البداية يسعى وراء خطة الكتابة، لما كانت توفره لصاحبها من الثراء والنفوذ والجاه والسلطان، وللمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الكاتب في المجتمع الأندلسي".(4) وقد تولى قضاء أريولة وشاطبة بشرق الأندلس، كما استكتبه أمير بلنسية الرئيس أبو جميل زيان بن سعد بن مردنيش الجذامي أيام إمارته على بلنسية وخلال انتزاعه لمدينة مرسية من عميد علمائها الفقيه أبي بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب في رمضان سنة 636هـ، وكان الأخير من أبرز أساتذة أبي المطرف حيث انتفع به كثيراً قبل توليه ما تولى من رئاسة بلده مرسية.
ولما سقطت مدينة بلنسية على يد الإسبان سنة 636هـ، غادر أبو المطرف الأندلس متجهاً إلى العدوة المغربية وورد على الخليفة الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء، إدريس المأمون (630-640هـ)، وصحبه حين قفوله من مدينة سلا إلى حضرة مراكش وكان ذلك في سنة 637هـ(5).
واستكتبه الرشيد مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة وقلده قضاء مدينة هيلانة شرق مراكش، ثم نقله إلى قضاء رباط الفتح وسلا، وأقام يتولاه إلى أن توفي الرشيد وخلفه أخوه الخليفة الموحدي العاشر أبو الحسن السعيد (640-646هـ)، فأقره عليه مدة ثم نقله إلى قضاء مدينة مكناسة الزيتون. ولما بايع أهل مكناسة الأمير أبا زكريا الحفصي، كان القاضي أبو المطرّف هو الذي كتب نص البيعة في 20 ربيع الأول 643هـ، وحين قام إليهم الخليفة السعيد بحنق عظيم بادروا بطلب العفو واعتذروا عما بدر منهم وبايعوه من جديد وكتب نص البيعة ابن عبدون في ذي الحجة من السنة المذكورة(6).
ثم لما قتل الخليفة الموحدي السعيد في صفر 646هـ، اغتنم أبو المطرف تلك الفترة ورحل من مكناسة قاصدا سبتة، وفي طريقه إليها سلبت منه ثروته في فتنة بني مرين، وقد كتب إلى الشيخ أبي الحسين الرعيني يعلمه بهذه الحادثة وإن ماله المنهوب قد بلغ أربعة آلاف دينار وكان ورقاً وعيناً وحلياً وغيرهم.
وكان كثير التطلع إلى إفريقية معمور القلب بسكناها مذ فارق جزيرة الأندلس، لذلك ركب البحر من سبتة متوجهاً إليها بعد حادثة فتنة بني مرين، ووصل بجاية في شهر جمادى سنة 646هـ، ودخل على صاحبها الأمير أبي يحيى ابن الأمير أبي زكريا الحفصي وكان صاحبها لأبيه.
وأقام بها حوالي سنتين يعلم ويدرس، وكان الطلبة أثناء ذلك يقرؤون عليه تنقيحات السهروردي، وهي من مغلفات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول، ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب(7)..
ومن بجاية انتقل إلى تونس حيث مال إلى صحبة الصالحين بها والزهاد أهل الخير برهة من الزمان، ثم نزع عن ذلك، وتقلد قضاء الأربس، فقضاء قابس الذي طالت مدته به، ثم استدعاه الأمير الحفصي المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا(647-675هـ)، وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته من فقهاء دولته.
ويذكر صاحب الذيل والتكملة أن أبا المطرف داخل المستنصر مداخلة أنكرها عليه، ولما سئل عنه قال المستنصر: ذلك رجل رام إفساد دنيانا علينا فأفسدنا عليه دينه. ويرى المؤلف نفسه أن صاحب الترجمة كان متشبعاً بالعلوم القديمة متعاطياً لها وأنها السبب في الإخلال بمعتقده والافتتان في آخر عمره، إذ كانت وفاته بتونس في 20 من شهر ذي الحجة سنة 658هـ(8)..
ترك أبو المطرف مجموعة من التصانيف في ميادين الأدب والتاريخ والفقه، فمن آثاره التاريخية: تاريخ ميورقة موضوع هذا البحث، واختصار كتاب ثورة المريدين لابن صاحب الصلاة. ومن مؤلفاته الفقهية كتاب تعقب فيه الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي في كتابه المعالم في أصول الفقه وقد اطلع عليه الغبريني صاحب عنوان الدراية ووصفه قائلاً: "وقد رأيت له تعليقاً على كتاب المعالم في أصول الفقه لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل"(9).
أما إنتاجه الأدبي فمنه: كتاب رد به على أحد معاصريه من المشارقة وهو كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم الزملكاني في كتابه التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن، سماه كتاب التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات. وأما رسائله الديوانية والإخوانية النثرية والنظمية الكثيرة التي خاطب بها ملوك ورؤساء وأعيان وأدباء عصره، فقد دونها الأستاذ أبو عبد الله محمد بن هانئ السبتي (ت733 هـ)، ورتبه في كتاب سماه بغية المستطرف وغنية المتطرف من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف(10).
وفي ختام هذا التقديم الموجز لحياة أبي المطرف لا بأس من إيراد بعض الشهادات في حقه. فهذا معاصره وابن بلده ابن الأبار قد حلاه بالعبارات التالية: "فائدة هذه المئة، والواحد يفي بالفئة، الذي اعترف باتحاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع، ومعاذ الله أن أحابيه بالتقديم، لما لـه من حق التعليم، كيف وسبقه الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلت به الصحائف والمهارق، وما تخلت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثم أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره، وتناول المنثور والمنظوم على شكره".(11).
وهو عند أبي عبد الملك، "عَلَمُ الكتابة المشهور، وواحدها الذي عجزت عنه ثانية الدهور، ولاسيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أَمد الإحسان، وله المطولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظماً ونثراً بالإشارة إلى التاريخ ويودعه الماعات بالمسائل العلمية منوعة المقصد... وكان حسن الخَلق والخلق، جميل السعي للناس في أغراضهم، حسن المشاركة لهم في حوائجهم، متسرعاً إلى بذل مجهوده فيما أمكن من قضائها بنفسه وجاهه".(12).
أما صاحب الإحاطة فقد قال في حقه: "وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكاً وتفنناً، بصيراً بالعلوم، محدثاً مكثراً، راوية ثبتاً، سجراً في التاريخ والأخبار، دياناً مضطلعاً بالأصلين، قائماً على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العيون غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفاف اللفظ حر المعنى، ثاني بديع الزمان في شكوى الحرفة وسوء الحظ ورونق الكلام ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم والقصور في السلطانيات".(13).
وجاء عنه في عنوان الدراية أنه "الشيخ الفقيه، المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، له أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره، وفاق الناس بلاغة، وأربى على من قبله".(14).
وقال فيه علماء المغرب:"هو قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وصدر الجلة الفضلاء، ونكتة البلاغة التي قد أحرزها وأودعها، وشمسها، التي أخفت ثواقب كوكبها حين أبدعها، مبدع البدائع والتي لم يَحْظَ بها قبله إنسان، ولا ينطق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحة صحيحة، وروية بدرر العلم الفصيحة، ذللت لـه صعب الكلام، وصدقت رؤياه حين وضع سيد المرسلين في يديه الأقلام".(15).
تلك هي سيرة أبي المطرف المخزومي التي قدمناها بإيجاز، وخلال حياته المضطربة، التي كانت تميز حياة الكثيرين من أبناء عصره ووطنه، أصبح ذلك الفقيه الذائع الصيت، الطائر الذكي، المولع بالتاريخ والأدب، معروفاً لدى القاصي والداني والعام والخاص، بأناقة أسلوبه المزخرف وغزارة لغته، وكانت رسائله النثرية والنظمية سيما تلك الموجهة إلى الأمراء أو المحررة باسمهم يضرب بها المثل.
محتوى المخطوط:
إن النسخة الوحيدة من مخطوط تاريخ ميورقة المستعملة في هذا البحث هي نسخة مصورة عن النسخة الموجودة بخزانة زاوية سيدي بلعمش بمدينة تندوف (الجزائر). لأن البحث عن نسخة أخرى في الخزائن والمكتبات العامة والخاصة لم يُجد نفعاً. وكانت الحصيلة من كل جهد الذي بذل في هذا الشأن النسخة المشار إليها.
يقع المخطوط في 26 ورقة (52 صفحة)، مقاسه 18 في 24، وعدد الأسطر في كل ورقة 23 سطراً، الخط مغربي عادي، وهو خال من أي ذكر لاسم الناسخ وتاريخ ومكان النسخ، وغير مرقم، بدايته هي: الحمد لله مصرف الأقدار على مشيئته.ونهايته هي: نُسخ وقُوبل من خط مؤلفه رحمه الله تعالى. لا توجد فيه تعقيبات أو تعليقات. وقد ورد ذكر عنوان المخطوط وهو تاريخ ميورقة، واسم مؤلفه وهو ابن عميرة المخزومي أبو المطرف في الورقة الأولى.
وكتاب تاريخ ميورقة هو أحد كتابين ألفهما ابن عميرة المخزومي في ميدان التاريخ فعدّ من أجل ذلك في سلك المؤرخين، أما الكتاب الثاني فهو "اقتضاب ثورة المريدين"، كما يسميه ابن عبد الملك في الذيل وابن الخطيب في الإحاطة، وهو اختصار لكتاب تاريخ ثورة المريدين الذي ألفه أبو مروان عبد الملك بن محمد بن أحمد الباجي المشهور بابن صاحب الصلاة (ت 577هـ). والكتاب في حكم المفقود إذ لم نجد بعد ابن عبد الملك وابن الخطيب من نقل عنه أو أشار إليه، في حين نجد المقري في النفح يشير إلى الأصل المختصر وهو ثورة المريدين ويذكره باسم تاريخ في الدولة اللمتونية وينقل عنه. وأما تاريخ ميورقة فلسنا نعرف بالضبط متى ألفه ابن عميرة، ولكن الراجح أن التأليف تمّ مابين سنة 627 هـ تاريخ سقوط الجزيرة وسنة 658هـ تاريخ وفاته.
أما عن أسلوب ابن عميرة في تاريخ ميورقة، فمن المعلوم أنه قد انتهى إلينا عدد ضخم من رسائله الديوانية والإخوانية التي تفنن في أغراضها المختلفة وبها كانت شهرته الأدبية، ومن خصائصها النثرية أنها تقوم على السجع والجناس بمختلف أشكاله وعلى باقي ضروب البديع وألوانه. وهي الخصائص نَفْسُها التي التزمها في تاريخ ميورقة من أول الكتاب إلى آخره. لذلك يقول مترجمه ابن عبد الملك في الذيل إنه نحا فيه منحى الكاتب العماد الأصفهاني في كتابه الفتح القسي في الفتح القدسي. والمعروف أن هذا الكتاب ألفه العماد تخليداً لمآثر صلاح الدين الأيوبي في استرجاع بيت المقدس من الصليبيين سنة 583هـ، والتزم فيه أسلوب السجع وأكثر من المحسنات البديعية، واستطاع أن يروي أحداث التاريخ بهذا الأسلوب الذي تغلب عليه الزخرفة والتنميق. وقد عرف هذا الكتاب إقبالاً كبيراً لدى الأوساط الأدبية في المغرب والأندلس، فاختصره ابن الأبار بكتابه الوشى القسي في اختصار الفتح القدسي(16).واختصره أيضاً أبو الحسن بن القطان بتأليفه تقريب الفتح القدسي، ونحا نحوه ابن عميرة في تاريخ ميورقة.
إن المخطوط لا يتناول تاريخ جزيرة ميورقة بالمفهوم الشامل للكلمة حسبما ما يوحي به العنوان، ولكنه يؤرخ لفترة محددة وهي مرحلة السقوط النهائي للجزيرة على يد الإسبان مع التركيز على الأسباب والعوامل وكيفية السقوط. لذلك نجد جل المصادر التي ترجمت لصاحب المخطوط حين تشير إلى قا ئمة تصانيفه ومؤلفاته تذكر العبارة التالية: "وله تأليف في كائنة ميورقة وتغلب الروم عليها". والكائنة هي الحادثة، وهي عبارة بليغة تعبر عن المحتوى الحقيقي للمخطوط وتتناسب مع ما جاء فيه. وقبل قراءة وعرض حادثة السقوط موضوع المخطوط يحسن بنا تقديم كلمة موجزة عن تاريخ الجزيرة قبل أن تؤول إلى ما آلت إليه.
ميورقة هي جزيرة في البحر الزقاقي (المتوسط)، تسامتها من القبلة (الجنوب) بجاية، ومن الجوف (الشمال) برشلونة، ومن الشرق إحدى جزيرتيها وهي منورقة، وغربيها جزيرة يابسة، وهي أم هاتين الجزيرتين وهما بنتاها، بينها وبين الأولى أربعون ميلاً، وبينها وبين الثانية سبعون ميلاً. وطول ميورقة من الغرب إلى الشرق سبعون ميلاً، وعرضها من القبلة إلى الجوف خمسون ميلاً، وقد فتحها العرب المسلمون سنة 290هـ(17). وكان الذي فتحها هو عصام الخولاني على عهد الأمير الأموي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن (275-300هـ)، ووليها عشر سنين وعمّرها، ثم وليها ابنه عبد الله حتى سنة 350هـ، ثم تعاقب عليها بعد ذلك موالي الأمويين(18).
وبعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس وظهور ملوك الطوائف، كانت ميورقة وكل الجزائر الشرقية (جزر البليار) تتبع لمملكة دانية برئاسة أسرة مجاهد العامري. وظلت كذلك حتى سنة 468هـ تاريخ سقوط مملكة دانية في يد المقتدر بن هود صاحب سرقسطة، فاستقل برئاستها حينئذٍ عبد الله المرتضى الذي كان والياً عليها من قبل علي بن مجاهد العامري حتى سنة 486 هـ تاريخ وفاته، فخلفه على ولايتها أحد فتيانه وهو مبشر بن سليمان فضبط شؤونها بحزم وكفاية. واستمر على حكمها فترة طويلة أي إلى غاية سنة 508 هـ، وهو التاريخ الذي تعرضت فيه ميورقة للغزو الإسباني الذي اتحدت فيه جمهوريتا بيزة وجنوة وإمارة برشلونة، وهو أول غزو إسباني لها منذ فتحها(19).
ولكن سرعان ما استعادها المرابطون في أواخر سنة 509 هـ وعينوا عليها والياً جديداً هو أنور بن أبي بكر اللمتوني، فأضحت بذلك الجزائر الشرقية جزءاً من الدولة المرابطية الكبرى ودخلت في عهد جديد من تاريخها، سيما بعد تعيين محمد بن غانية المسوفي والياً عليها سنة 520 هـ، من قبل الأمير علي بن يوسف. واستطال حكمه لتلك الجزائر زهاء ثلاثين عاماً، أي إلى مابعد سقوط الدولة المرابطية في المغرب والأندلس. وعمل على توطيد سلطانه هناك والاستقلال بشؤونها وجعل منها ملجأً ومثوى للوافدين والفارين من فلول لمتونة أمام الموحدين. وبعد وفاته سنة 550 هـ خلفه على ولاية ميورقة ابنه عبد الملك الذي لم تطل ولايته إذ خلفه أخوه إسحاق بن محمد حتى تاريخ وفاته سنة 579 هـ. ووليها ابنه عبد الله منذ سنة 583هـ حتى سنة 600 هـ تاريخ افتتاحها من طرف الموحدين.
وكان الفتح الموحدي لميورقة ضربة شديدة لبني غانية، قضت نهائياً على سلطانهم في الجزائر الشرقية، وكان لهذا الفتح وقع عميق أيضاً لدى الممالك النصرانية القريبة، سيما مملكة أرجوان في شرق شبه الجزيرة، وهذا ما تشير إليه رسالة الفتح التي بعثها الخليفة الناصر من إنشاء كاتبه ابن عياش حين تقول: "ولأخذ ميورقة على صاحب أراغونه وبرشلونة أشد من شرق النبل، وأهول من وقع السيف، وأوحش من القطع بحلول الممات"(20). وكان أول الولاة الموحدين على ميورقة هو أبو محمد عبد الله بن طاع الله الكومي، ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد بن أبي يعقوب يوسف وندب ابن طاع الله لقيادة البحر، وبعده وليها السيد أبو عبد الله بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن(21). أما رابع الولاة الموحّدين عليها فهو الذي أخذها منه النصارى، وبه استهل ابن عُميرة المخزومي حديثه في مخطوط تاريخ ميورقة موضوع هذا البحث.
بعد الافتتاحية وذكر السبب الداعي إلى تأليف الكتاب الذي كان بطلب من أحد أبناء ميورقة الذين غادروها بعد سقوطها ولجؤوا إلى ديار الغربة، يستهل المؤلف حديثه عن واليها قائلاً: "هو محمد بن علي بن موسى(22)، وكان في الدولة المهدية (الموحدية) أحد أعيانها الكفاة، وأحمد من نهض بأعبائها من الولاة، إلى أن حط عن رتبته، وجوز إلى الأندلس في نكبته، ثم استقل بعض الاستقلال، وولي بلنسية وما إليها من الأعمال، وبعد ذلك بيسير تبادل هو ووالي ميورقة محلي الولاية، وأحدهما كفء الآخر في الكفاية، فعبر البحر إليها سنة 606هـ"(23). ثم يواصل الكلام عن سيرة هذا الوالي وعَدْله وكيف نعمت الرعية في عهده، إلى أن آثر حطام الدنيا وصار منهوماً لا يشبع من المال.
ثم يشرع في تفصيل أسباب الغزو الإسباني لميورقة ومقدماته ، لأن أمراء الممالك الإسبانية كانوا دائماً يتوقون إلى افتتاح هذه الجزيرة، ووضع حد لغزوات ولاتها المسلمين في مياه الشواطئ الإسبانية. وكان أشدهم رغبة في ذلك أصحاب أراجون الذين كانوا يرون من حقهم الطبيعي الاستيلاء عليها، لأنها كانت تواجه شواطئهم، وذلك تأميناً لمواصلاتهم وتجارتهم.
ومن ذلك أن والي ميورقة احتاج إلى الخشب المجلوب من جزيرة يابسة، فأنفذ طريدة بحرية ومعها قطعة حربية، فعلم بخبرها تجار للأسبان كانوا هنالك في قارب، فأسرعوا بالخبر إلى والي طرطوشة الذي جهّز أربع قطع بحرية قامت بملاحقة الطريدة حتّى اقتنصتها. فعظم ذلك على الوالي وحدّث نفسه بالغزو لبلاد الروم، وبعث إلى ملك أراجون يطلبه برد الطريدة ويتوعده بالنكايات الشديدة، ولم يذكر المؤلف تاريخ هذه الأحداث.
وفي آخر ذي الحجة من سنة 623هـ بلغ الوالي أن مسطحاً من برشلونه ظهر على يابسة، ومركباً آخر من طرطوشة انضم إليه، فبعث أحد بنيه في عدة قطع حربية للاستيلاء عليه. وخرج حتّى نزل مرسى يابسة فوجد فيه لأهل جنوة مركباً كبيراً فأخذه ليستظهر به في القتال. أمَّا المسطح فرغم حجز المسلمين له إلا أنه اغتنم فرصة انشغالهم وأفلت من قبضتهم، وأما المركب فقد استولوا عليه وكان فيه أربعة من جنوة هم أشهر أهلها يساراً وثروة. وقد ازداد الوالي بهذه الحملة البحرية الخاطفة اعتزازاً إذ "عاد إلى ميورقة وهو يرى أنه غالب لملوك الزمن، بالغ بسيفه ما لم يبلغه سيف بن ذي يزن، وغاب عنه أنه أشأم من عاقر الناقة، وأن طليعة عمله ستلحقها من الساقة ما ليس في الطاقة"(24).
وحين علم نصارى أراغون بالخبر قالوا لملكهم خايمي الأول كيف يرضى بهذا الأمر، وإنما هي خطتان إما سلم يقبلونها على كره، أو حرب لا يدعون فيها من وجوه النظر أي وجه. فأخذ الملك عليهم العهود وأنفذ إلى ميورقة كبيراً من قومه يطلب من الوالي رد المركب والمال والأسرى ويعرض عليه الصلح، وإن أبى فإنها الحرب لا محالة. فرفض الوالي ما عرض عليه وتوعد الملك الذي أساء معه الأدب. فرجع الرسول وأخبر ملكه بما سمع، فبدأ الاستعداد للغزو حيث حشد ملك أراجون عشرين ألفاً من أهل البلد، وجهّز في البحر ستة عشر ألفاً، وجميع ما يلزم الغزو من تجهيزات حربية. ولما رأى النصارى عزم ملكهم على الغزو حاولوا أن يمنعوه من ذلك وخوفوه من مغبّة الأمر وبيّنوا له حصانة الجزيرة ومناعتها، ولكنه "زجرهم عن هذا الرأي، ونهاهم أن يتكلموا به أشد النهي، ومضى على عزمه في الاستعداد الذي لم يفتر عنه ساعة، ولا أخرج عن فرضية العيني والجملي واحداً ولا جماعة، حتّى استوفى النخبة من الرجال والأجناد والزعماء، وتمَّ له ما أراد من جيش البر وعسكر الماء"(25).
وفي سنة 626هـ اشتهر أمر هذه الغزوة، وتواترت الأنباء بها من الأندلس والعدوة، وفي شهر ربيع الأول منها تحرّك والي ميورقة للاستعداد وتأهب للجهاد، وميّز من قومه ومن فئة الأجناد أكثر من ألف فارس ومن فرسان الحضر والرعية مثلهم ومن المشاة ثمانية عشر ألفاً.وفي شعبان من السنة نفسها استدعى أهل البادية ولم يرخص لأي كان في التخلّف عن الجهاد، وضبط المراسي والسواحل وقدم على كل جزء قائداً وناظراً.
ولكن سرعان ما دب الشقاق في صفوف الجيش الإسلامي بميورقة بين قوم الوالي وطائفته وبين الجماعة الأندلسية، لأنَّ طائفة الوالي كانت دائماً توغر صدره وتدفعه للانتقام من الأندلسيين. ولما هال هؤلاء ما بينهم وبين طائفة الوالي من خلاف، تقرَّر عندهم القيام بمؤامرة لخلع الوالي وقتله، واتفقوا مع قائدهم، الذي لم يذكر المؤلف اسمه، على الوقت وطريقة القتل. ولكن واحداً من المتآمرين كشف عن تفاصيل الخطة لأحد بطانة الوالي، فافتضحت العملية وفرّ القائد في عدد قليل من جماعته إلى البادية مستجيراً ومستجيشاً، ولكن سرعان ما لحقه قوم الوالي وقتلوه مع أصحابه قبل أن يصل إلى أهل البادية. ثمَّ قام الوالي إثر هذه المؤامرة الفاشلة بإلقاء القبض على جماعة من الجند المشتبه فيهم وأودعهم السجن ثمَّ قتلهم.
وأثناء ذلك كانت أخبار العدو تزيد، فرأى الوالي أن يجهز قطعة حربية تستطلع وتعاين تلك الأخبار ولكن الغراب (القطعة الحربية) لما قارب أن يرى ويسمع العدو عصفت به الريح ورمته إلى مدينة بنشكلة على ساحل أراجون الشرقي حيث أضرمت فيه النار على يد الأسبان. ثمَّ أرسل الوالي في أثر الغراب قطعة ثانية تستوضح الأنباء حتّى انتهت إلى وادي كونة قرب ثغر بنشكلة وأسرت فيه مجموعة من الروم وعادت بهم إلى ميورقة مسرعة، فسئلوا عن جمع العدو فقالوا قد تكامل للنهوض. ثمَّ عزز الوالي بقطعة حربية ثالثة لاستجلاء الحقيقة فصادفت ريحاً رمت بها إلى ساحل فأغارت على سهلها وأخذت خمسة من أهلها. ولما استنطقهم الوالي نفى بعضهم علمه بالخبر، وبعضهم قال: "إن أهل أراغون في هذه السنة لا يتفرغون، وهم ببلدهم شاتون، وفي الربيع المقبل آتون، فقبل الوالي هذه التوسعة، واستخشن الهيجاء واستحسن الدعة، وأذن في الناس أن العدو غير وارد، والمثلثة في القعود على رأي واحد"(26). كما أذن لأهل البادية بالعودة إلى بلدهم، وإنما كان هدفه من وراء ذلك مواصلة الانتقام ممَّن تآمر عليه.
مؤلف المخطوط
اسمه الكامل أبو المطرّف أحمد بن عبدالله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عميرة المخزومي، وقد أجمع مترجموه على تحليته بالنسب المخزومي ومنهم معاصره وابن بلده ابن الأبار حيث يقول: "وكان بجزيرة شقر بنو عميرة المخزوميون بيت شيخنا القاضي الكاتب أبي المطرف أبقاه الله"(2). وهو من مواليد شهر رمضان سنة 582هـ/1186م بجزيرة شقر القريبة من شاطبة، بينها وبين بلنسية ثمانية عشرة ميلاً شرق الأندلس، وهي الجزيرة التي تحدث عنها الجغرافيون والمؤرخون الأندلسيون وغيرهم بكل إعجاب لجمال موقعها وسحر طبيعتها.
أما حياته العلميّة فيمكن التمييز فيها بين ثلاث مراحل: الأولى تتميز بالإقبال على الثقافة الدينية بوجه عام، والثانية تبرز فيها العناية بالثقافة العلمية العقلية، والأخيرة يظهر فيها الجنوح نحو الثقافة الأدبية، وهو ما أجمله ابن عبد الملك في النص التالي: "وكان في بداية طلبه للعلم شديد العناية بشأن الرواية فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، ثم تفنن في العلوم ونظر في المعقولات وأصول الفقه ومال إلى الآداب وبرع فيها"(3). ومن شيوخه الأندلسيين الذين أخذ عنهم وتتلمذ لهم، الشيخ أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب القيسي (537-614هـ)، والشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي (565-324هـ)، وعنه أخذ أيضاً المؤرخ الأديب ابن الأبار وهو من أكبر أساتذته وأبعدهم أثراً في حياته، لأن ابن الأبار كان معاصراً لأبي المطرّف، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن أيوب السرقسطي (530-608هـ)، والأستاذ ابن حوط الله الأنصاري (552-621 هـ)، والشيخ أبو علي الشلوبين، والشيخ ابن عات وغيرهم، وأجازه من المشارقة أبو الفتوح الحصري.
بعد أن فرغ ابن عميرة من حياة الدرس والتحصيل العلمي وانتهى من التنقل بين شقر وبلنسية وشاطبة ودانية ومرسية وغيرها بحثاً عن الشيوخ، رجع إلى بلنسية بقصد الاستقرار والحصول على وظيفة تناسب ثقافته وطموحه، "ذلك أن ابن عميرة كان منذ البداية يسعى وراء خطة الكتابة، لما كانت توفره لصاحبها من الثراء والنفوذ والجاه والسلطان، وللمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الكاتب في المجتمع الأندلسي".(4) وقد تولى قضاء أريولة وشاطبة بشرق الأندلس، كما استكتبه أمير بلنسية الرئيس أبو جميل زيان بن سعد بن مردنيش الجذامي أيام إمارته على بلنسية وخلال انتزاعه لمدينة مرسية من عميد علمائها الفقيه أبي بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب في رمضان سنة 636هـ، وكان الأخير من أبرز أساتذة أبي المطرف حيث انتفع به كثيراً قبل توليه ما تولى من رئاسة بلده مرسية.
ولما سقطت مدينة بلنسية على يد الإسبان سنة 636هـ، غادر أبو المطرف الأندلس متجهاً إلى العدوة المغربية وورد على الخليفة الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء، إدريس المأمون (630-640هـ)، وصحبه حين قفوله من مدينة سلا إلى حضرة مراكش وكان ذلك في سنة 637هـ(5).
واستكتبه الرشيد مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة وقلده قضاء مدينة هيلانة شرق مراكش، ثم نقله إلى قضاء رباط الفتح وسلا، وأقام يتولاه إلى أن توفي الرشيد وخلفه أخوه الخليفة الموحدي العاشر أبو الحسن السعيد (640-646هـ)، فأقره عليه مدة ثم نقله إلى قضاء مدينة مكناسة الزيتون. ولما بايع أهل مكناسة الأمير أبا زكريا الحفصي، كان القاضي أبو المطرّف هو الذي كتب نص البيعة في 20 ربيع الأول 643هـ، وحين قام إليهم الخليفة السعيد بحنق عظيم بادروا بطلب العفو واعتذروا عما بدر منهم وبايعوه من جديد وكتب نص البيعة ابن عبدون في ذي الحجة من السنة المذكورة(6).
ثم لما قتل الخليفة الموحدي السعيد في صفر 646هـ، اغتنم أبو المطرف تلك الفترة ورحل من مكناسة قاصدا سبتة، وفي طريقه إليها سلبت منه ثروته في فتنة بني مرين، وقد كتب إلى الشيخ أبي الحسين الرعيني يعلمه بهذه الحادثة وإن ماله المنهوب قد بلغ أربعة آلاف دينار وكان ورقاً وعيناً وحلياً وغيرهم.
وكان كثير التطلع إلى إفريقية معمور القلب بسكناها مذ فارق جزيرة الأندلس، لذلك ركب البحر من سبتة متوجهاً إليها بعد حادثة فتنة بني مرين، ووصل بجاية في شهر جمادى سنة 646هـ، ودخل على صاحبها الأمير أبي يحيى ابن الأمير أبي زكريا الحفصي وكان صاحبها لأبيه.
وأقام بها حوالي سنتين يعلم ويدرس، وكان الطلبة أثناء ذلك يقرؤون عليه تنقيحات السهروردي، وهي من مغلفات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول، ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب(7)..
ومن بجاية انتقل إلى تونس حيث مال إلى صحبة الصالحين بها والزهاد أهل الخير برهة من الزمان، ثم نزع عن ذلك، وتقلد قضاء الأربس، فقضاء قابس الذي طالت مدته به، ثم استدعاه الأمير الحفصي المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا(647-675هـ)، وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته من فقهاء دولته.
ويذكر صاحب الذيل والتكملة أن أبا المطرف داخل المستنصر مداخلة أنكرها عليه، ولما سئل عنه قال المستنصر: ذلك رجل رام إفساد دنيانا علينا فأفسدنا عليه دينه. ويرى المؤلف نفسه أن صاحب الترجمة كان متشبعاً بالعلوم القديمة متعاطياً لها وأنها السبب في الإخلال بمعتقده والافتتان في آخر عمره، إذ كانت وفاته بتونس في 20 من شهر ذي الحجة سنة 658هـ(8)..
ترك أبو المطرف مجموعة من التصانيف في ميادين الأدب والتاريخ والفقه، فمن آثاره التاريخية: تاريخ ميورقة موضوع هذا البحث، واختصار كتاب ثورة المريدين لابن صاحب الصلاة. ومن مؤلفاته الفقهية كتاب تعقب فيه الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي في كتابه المعالم في أصول الفقه وقد اطلع عليه الغبريني صاحب عنوان الدراية ووصفه قائلاً: "وقد رأيت له تعليقاً على كتاب المعالم في أصول الفقه لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل"(9).
أما إنتاجه الأدبي فمنه: كتاب رد به على أحد معاصريه من المشارقة وهو كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم الزملكاني في كتابه التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن، سماه كتاب التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات. وأما رسائله الديوانية والإخوانية النثرية والنظمية الكثيرة التي خاطب بها ملوك ورؤساء وأعيان وأدباء عصره، فقد دونها الأستاذ أبو عبد الله محمد بن هانئ السبتي (ت733 هـ)، ورتبه في كتاب سماه بغية المستطرف وغنية المتطرف من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف(10).
وفي ختام هذا التقديم الموجز لحياة أبي المطرف لا بأس من إيراد بعض الشهادات في حقه. فهذا معاصره وابن بلده ابن الأبار قد حلاه بالعبارات التالية: "فائدة هذه المئة، والواحد يفي بالفئة، الذي اعترف باتحاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع، ومعاذ الله أن أحابيه بالتقديم، لما لـه من حق التعليم، كيف وسبقه الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلت به الصحائف والمهارق، وما تخلت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثم أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره، وتناول المنثور والمنظوم على شكره".(11).
وهو عند أبي عبد الملك، "عَلَمُ الكتابة المشهور، وواحدها الذي عجزت عنه ثانية الدهور، ولاسيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أَمد الإحسان، وله المطولات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظماً ونثراً بالإشارة إلى التاريخ ويودعه الماعات بالمسائل العلمية منوعة المقصد... وكان حسن الخَلق والخلق، جميل السعي للناس في أغراضهم، حسن المشاركة لهم في حوائجهم، متسرعاً إلى بذل مجهوده فيما أمكن من قضائها بنفسه وجاهه".(12).
أما صاحب الإحاطة فقد قال في حقه: "وعلى الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكاً وتفنناً، بصيراً بالعلوم، محدثاً مكثراً، راوية ثبتاً، سجراً في التاريخ والأخبار، دياناً مضطلعاً بالأصلين، قائماً على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطلاوة، جم العيون غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفاف اللفظ حر المعنى، ثاني بديع الزمان في شكوى الحرفة وسوء الحظ ورونق الكلام ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم والقصور في السلطانيات".(13).
وجاء عنه في عنوان الدراية أنه "الشيخ الفقيه، المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، له أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره، وفاق الناس بلاغة، وأربى على من قبله".(14).
وقال فيه علماء المغرب:"هو قدوة البلغاء، وعمدة العلماء، وصدر الجلة الفضلاء، ونكتة البلاغة التي قد أحرزها وأودعها، وشمسها، التي أخفت ثواقب كوكبها حين أبدعها، مبدع البدائع والتي لم يَحْظَ بها قبله إنسان، ولا ينطق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحة صحيحة، وروية بدرر العلم الفصيحة، ذللت لـه صعب الكلام، وصدقت رؤياه حين وضع سيد المرسلين في يديه الأقلام".(15).
تلك هي سيرة أبي المطرف المخزومي التي قدمناها بإيجاز، وخلال حياته المضطربة، التي كانت تميز حياة الكثيرين من أبناء عصره ووطنه، أصبح ذلك الفقيه الذائع الصيت، الطائر الذكي، المولع بالتاريخ والأدب، معروفاً لدى القاصي والداني والعام والخاص، بأناقة أسلوبه المزخرف وغزارة لغته، وكانت رسائله النثرية والنظمية سيما تلك الموجهة إلى الأمراء أو المحررة باسمهم يضرب بها المثل.
محتوى المخطوط:
إن النسخة الوحيدة من مخطوط تاريخ ميورقة المستعملة في هذا البحث هي نسخة مصورة عن النسخة الموجودة بخزانة زاوية سيدي بلعمش بمدينة تندوف (الجزائر). لأن البحث عن نسخة أخرى في الخزائن والمكتبات العامة والخاصة لم يُجد نفعاً. وكانت الحصيلة من كل جهد الذي بذل في هذا الشأن النسخة المشار إليها.
يقع المخطوط في 26 ورقة (52 صفحة)، مقاسه 18 في 24، وعدد الأسطر في كل ورقة 23 سطراً، الخط مغربي عادي، وهو خال من أي ذكر لاسم الناسخ وتاريخ ومكان النسخ، وغير مرقم، بدايته هي: الحمد لله مصرف الأقدار على مشيئته.ونهايته هي: نُسخ وقُوبل من خط مؤلفه رحمه الله تعالى. لا توجد فيه تعقيبات أو تعليقات. وقد ورد ذكر عنوان المخطوط وهو تاريخ ميورقة، واسم مؤلفه وهو ابن عميرة المخزومي أبو المطرف في الورقة الأولى.
وكتاب تاريخ ميورقة هو أحد كتابين ألفهما ابن عميرة المخزومي في ميدان التاريخ فعدّ من أجل ذلك في سلك المؤرخين، أما الكتاب الثاني فهو "اقتضاب ثورة المريدين"، كما يسميه ابن عبد الملك في الذيل وابن الخطيب في الإحاطة، وهو اختصار لكتاب تاريخ ثورة المريدين الذي ألفه أبو مروان عبد الملك بن محمد بن أحمد الباجي المشهور بابن صاحب الصلاة (ت 577هـ). والكتاب في حكم المفقود إذ لم نجد بعد ابن عبد الملك وابن الخطيب من نقل عنه أو أشار إليه، في حين نجد المقري في النفح يشير إلى الأصل المختصر وهو ثورة المريدين ويذكره باسم تاريخ في الدولة اللمتونية وينقل عنه. وأما تاريخ ميورقة فلسنا نعرف بالضبط متى ألفه ابن عميرة، ولكن الراجح أن التأليف تمّ مابين سنة 627 هـ تاريخ سقوط الجزيرة وسنة 658هـ تاريخ وفاته.
أما عن أسلوب ابن عميرة في تاريخ ميورقة، فمن المعلوم أنه قد انتهى إلينا عدد ضخم من رسائله الديوانية والإخوانية التي تفنن في أغراضها المختلفة وبها كانت شهرته الأدبية، ومن خصائصها النثرية أنها تقوم على السجع والجناس بمختلف أشكاله وعلى باقي ضروب البديع وألوانه. وهي الخصائص نَفْسُها التي التزمها في تاريخ ميورقة من أول الكتاب إلى آخره. لذلك يقول مترجمه ابن عبد الملك في الذيل إنه نحا فيه منحى الكاتب العماد الأصفهاني في كتابه الفتح القسي في الفتح القدسي. والمعروف أن هذا الكتاب ألفه العماد تخليداً لمآثر صلاح الدين الأيوبي في استرجاع بيت المقدس من الصليبيين سنة 583هـ، والتزم فيه أسلوب السجع وأكثر من المحسنات البديعية، واستطاع أن يروي أحداث التاريخ بهذا الأسلوب الذي تغلب عليه الزخرفة والتنميق. وقد عرف هذا الكتاب إقبالاً كبيراً لدى الأوساط الأدبية في المغرب والأندلس، فاختصره ابن الأبار بكتابه الوشى القسي في اختصار الفتح القدسي(16).واختصره أيضاً أبو الحسن بن القطان بتأليفه تقريب الفتح القدسي، ونحا نحوه ابن عميرة في تاريخ ميورقة.
إن المخطوط لا يتناول تاريخ جزيرة ميورقة بالمفهوم الشامل للكلمة حسبما ما يوحي به العنوان، ولكنه يؤرخ لفترة محددة وهي مرحلة السقوط النهائي للجزيرة على يد الإسبان مع التركيز على الأسباب والعوامل وكيفية السقوط. لذلك نجد جل المصادر التي ترجمت لصاحب المخطوط حين تشير إلى قا ئمة تصانيفه ومؤلفاته تذكر العبارة التالية: "وله تأليف في كائنة ميورقة وتغلب الروم عليها". والكائنة هي الحادثة، وهي عبارة بليغة تعبر عن المحتوى الحقيقي للمخطوط وتتناسب مع ما جاء فيه. وقبل قراءة وعرض حادثة السقوط موضوع المخطوط يحسن بنا تقديم كلمة موجزة عن تاريخ الجزيرة قبل أن تؤول إلى ما آلت إليه.
ميورقة هي جزيرة في البحر الزقاقي (المتوسط)، تسامتها من القبلة (الجنوب) بجاية، ومن الجوف (الشمال) برشلونة، ومن الشرق إحدى جزيرتيها وهي منورقة، وغربيها جزيرة يابسة، وهي أم هاتين الجزيرتين وهما بنتاها، بينها وبين الأولى أربعون ميلاً، وبينها وبين الثانية سبعون ميلاً. وطول ميورقة من الغرب إلى الشرق سبعون ميلاً، وعرضها من القبلة إلى الجوف خمسون ميلاً، وقد فتحها العرب المسلمون سنة 290هـ(17). وكان الذي فتحها هو عصام الخولاني على عهد الأمير الأموي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن (275-300هـ)، ووليها عشر سنين وعمّرها، ثم وليها ابنه عبد الله حتى سنة 350هـ، ثم تعاقب عليها بعد ذلك موالي الأمويين(18).
وبعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس وظهور ملوك الطوائف، كانت ميورقة وكل الجزائر الشرقية (جزر البليار) تتبع لمملكة دانية برئاسة أسرة مجاهد العامري. وظلت كذلك حتى سنة 468هـ تاريخ سقوط مملكة دانية في يد المقتدر بن هود صاحب سرقسطة، فاستقل برئاستها حينئذٍ عبد الله المرتضى الذي كان والياً عليها من قبل علي بن مجاهد العامري حتى سنة 486 هـ تاريخ وفاته، فخلفه على ولايتها أحد فتيانه وهو مبشر بن سليمان فضبط شؤونها بحزم وكفاية. واستمر على حكمها فترة طويلة أي إلى غاية سنة 508 هـ، وهو التاريخ الذي تعرضت فيه ميورقة للغزو الإسباني الذي اتحدت فيه جمهوريتا بيزة وجنوة وإمارة برشلونة، وهو أول غزو إسباني لها منذ فتحها(19).
ولكن سرعان ما استعادها المرابطون في أواخر سنة 509 هـ وعينوا عليها والياً جديداً هو أنور بن أبي بكر اللمتوني، فأضحت بذلك الجزائر الشرقية جزءاً من الدولة المرابطية الكبرى ودخلت في عهد جديد من تاريخها، سيما بعد تعيين محمد بن غانية المسوفي والياً عليها سنة 520 هـ، من قبل الأمير علي بن يوسف. واستطال حكمه لتلك الجزائر زهاء ثلاثين عاماً، أي إلى مابعد سقوط الدولة المرابطية في المغرب والأندلس. وعمل على توطيد سلطانه هناك والاستقلال بشؤونها وجعل منها ملجأً ومثوى للوافدين والفارين من فلول لمتونة أمام الموحدين. وبعد وفاته سنة 550 هـ خلفه على ولاية ميورقة ابنه عبد الملك الذي لم تطل ولايته إذ خلفه أخوه إسحاق بن محمد حتى تاريخ وفاته سنة 579 هـ. ووليها ابنه عبد الله منذ سنة 583هـ حتى سنة 600 هـ تاريخ افتتاحها من طرف الموحدين.
وكان الفتح الموحدي لميورقة ضربة شديدة لبني غانية، قضت نهائياً على سلطانهم في الجزائر الشرقية، وكان لهذا الفتح وقع عميق أيضاً لدى الممالك النصرانية القريبة، سيما مملكة أرجوان في شرق شبه الجزيرة، وهذا ما تشير إليه رسالة الفتح التي بعثها الخليفة الناصر من إنشاء كاتبه ابن عياش حين تقول: "ولأخذ ميورقة على صاحب أراغونه وبرشلونة أشد من شرق النبل، وأهول من وقع السيف، وأوحش من القطع بحلول الممات"(20). وكان أول الولاة الموحدين على ميورقة هو أبو محمد عبد الله بن طاع الله الكومي، ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد بن أبي يعقوب يوسف وندب ابن طاع الله لقيادة البحر، وبعده وليها السيد أبو عبد الله بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن(21). أما رابع الولاة الموحّدين عليها فهو الذي أخذها منه النصارى، وبه استهل ابن عُميرة المخزومي حديثه في مخطوط تاريخ ميورقة موضوع هذا البحث.
بعد الافتتاحية وذكر السبب الداعي إلى تأليف الكتاب الذي كان بطلب من أحد أبناء ميورقة الذين غادروها بعد سقوطها ولجؤوا إلى ديار الغربة، يستهل المؤلف حديثه عن واليها قائلاً: "هو محمد بن علي بن موسى(22)، وكان في الدولة المهدية (الموحدية) أحد أعيانها الكفاة، وأحمد من نهض بأعبائها من الولاة، إلى أن حط عن رتبته، وجوز إلى الأندلس في نكبته، ثم استقل بعض الاستقلال، وولي بلنسية وما إليها من الأعمال، وبعد ذلك بيسير تبادل هو ووالي ميورقة محلي الولاية، وأحدهما كفء الآخر في الكفاية، فعبر البحر إليها سنة 606هـ"(23). ثم يواصل الكلام عن سيرة هذا الوالي وعَدْله وكيف نعمت الرعية في عهده، إلى أن آثر حطام الدنيا وصار منهوماً لا يشبع من المال.
ثم يشرع في تفصيل أسباب الغزو الإسباني لميورقة ومقدماته ، لأن أمراء الممالك الإسبانية كانوا دائماً يتوقون إلى افتتاح هذه الجزيرة، ووضع حد لغزوات ولاتها المسلمين في مياه الشواطئ الإسبانية. وكان أشدهم رغبة في ذلك أصحاب أراجون الذين كانوا يرون من حقهم الطبيعي الاستيلاء عليها، لأنها كانت تواجه شواطئهم، وذلك تأميناً لمواصلاتهم وتجارتهم.
ومن ذلك أن والي ميورقة احتاج إلى الخشب المجلوب من جزيرة يابسة، فأنفذ طريدة بحرية ومعها قطعة حربية، فعلم بخبرها تجار للأسبان كانوا هنالك في قارب، فأسرعوا بالخبر إلى والي طرطوشة الذي جهّز أربع قطع بحرية قامت بملاحقة الطريدة حتّى اقتنصتها. فعظم ذلك على الوالي وحدّث نفسه بالغزو لبلاد الروم، وبعث إلى ملك أراجون يطلبه برد الطريدة ويتوعده بالنكايات الشديدة، ولم يذكر المؤلف تاريخ هذه الأحداث.
وفي آخر ذي الحجة من سنة 623هـ بلغ الوالي أن مسطحاً من برشلونه ظهر على يابسة، ومركباً آخر من طرطوشة انضم إليه، فبعث أحد بنيه في عدة قطع حربية للاستيلاء عليه. وخرج حتّى نزل مرسى يابسة فوجد فيه لأهل جنوة مركباً كبيراً فأخذه ليستظهر به في القتال. أمَّا المسطح فرغم حجز المسلمين له إلا أنه اغتنم فرصة انشغالهم وأفلت من قبضتهم، وأما المركب فقد استولوا عليه وكان فيه أربعة من جنوة هم أشهر أهلها يساراً وثروة. وقد ازداد الوالي بهذه الحملة البحرية الخاطفة اعتزازاً إذ "عاد إلى ميورقة وهو يرى أنه غالب لملوك الزمن، بالغ بسيفه ما لم يبلغه سيف بن ذي يزن، وغاب عنه أنه أشأم من عاقر الناقة، وأن طليعة عمله ستلحقها من الساقة ما ليس في الطاقة"(24).
وحين علم نصارى أراغون بالخبر قالوا لملكهم خايمي الأول كيف يرضى بهذا الأمر، وإنما هي خطتان إما سلم يقبلونها على كره، أو حرب لا يدعون فيها من وجوه النظر أي وجه. فأخذ الملك عليهم العهود وأنفذ إلى ميورقة كبيراً من قومه يطلب من الوالي رد المركب والمال والأسرى ويعرض عليه الصلح، وإن أبى فإنها الحرب لا محالة. فرفض الوالي ما عرض عليه وتوعد الملك الذي أساء معه الأدب. فرجع الرسول وأخبر ملكه بما سمع، فبدأ الاستعداد للغزو حيث حشد ملك أراجون عشرين ألفاً من أهل البلد، وجهّز في البحر ستة عشر ألفاً، وجميع ما يلزم الغزو من تجهيزات حربية. ولما رأى النصارى عزم ملكهم على الغزو حاولوا أن يمنعوه من ذلك وخوفوه من مغبّة الأمر وبيّنوا له حصانة الجزيرة ومناعتها، ولكنه "زجرهم عن هذا الرأي، ونهاهم أن يتكلموا به أشد النهي، ومضى على عزمه في الاستعداد الذي لم يفتر عنه ساعة، ولا أخرج عن فرضية العيني والجملي واحداً ولا جماعة، حتّى استوفى النخبة من الرجال والأجناد والزعماء، وتمَّ له ما أراد من جيش البر وعسكر الماء"(25).
وفي سنة 626هـ اشتهر أمر هذه الغزوة، وتواترت الأنباء بها من الأندلس والعدوة، وفي شهر ربيع الأول منها تحرّك والي ميورقة للاستعداد وتأهب للجهاد، وميّز من قومه ومن فئة الأجناد أكثر من ألف فارس ومن فرسان الحضر والرعية مثلهم ومن المشاة ثمانية عشر ألفاً.وفي شعبان من السنة نفسها استدعى أهل البادية ولم يرخص لأي كان في التخلّف عن الجهاد، وضبط المراسي والسواحل وقدم على كل جزء قائداً وناظراً.
ولكن سرعان ما دب الشقاق في صفوف الجيش الإسلامي بميورقة بين قوم الوالي وطائفته وبين الجماعة الأندلسية، لأنَّ طائفة الوالي كانت دائماً توغر صدره وتدفعه للانتقام من الأندلسيين. ولما هال هؤلاء ما بينهم وبين طائفة الوالي من خلاف، تقرَّر عندهم القيام بمؤامرة لخلع الوالي وقتله، واتفقوا مع قائدهم، الذي لم يذكر المؤلف اسمه، على الوقت وطريقة القتل. ولكن واحداً من المتآمرين كشف عن تفاصيل الخطة لأحد بطانة الوالي، فافتضحت العملية وفرّ القائد في عدد قليل من جماعته إلى البادية مستجيراً ومستجيشاً، ولكن سرعان ما لحقه قوم الوالي وقتلوه مع أصحابه قبل أن يصل إلى أهل البادية. ثمَّ قام الوالي إثر هذه المؤامرة الفاشلة بإلقاء القبض على جماعة من الجند المشتبه فيهم وأودعهم السجن ثمَّ قتلهم.
وأثناء ذلك كانت أخبار العدو تزيد، فرأى الوالي أن يجهز قطعة حربية تستطلع وتعاين تلك الأخبار ولكن الغراب (القطعة الحربية) لما قارب أن يرى ويسمع العدو عصفت به الريح ورمته إلى مدينة بنشكلة على ساحل أراجون الشرقي حيث أضرمت فيه النار على يد الأسبان. ثمَّ أرسل الوالي في أثر الغراب قطعة ثانية تستوضح الأنباء حتّى انتهت إلى وادي كونة قرب ثغر بنشكلة وأسرت فيه مجموعة من الروم وعادت بهم إلى ميورقة مسرعة، فسئلوا عن جمع العدو فقالوا قد تكامل للنهوض. ثمَّ عزز الوالي بقطعة حربية ثالثة لاستجلاء الحقيقة فصادفت ريحاً رمت بها إلى ساحل فأغارت على سهلها وأخذت خمسة من أهلها. ولما استنطقهم الوالي نفى بعضهم علمه بالخبر، وبعضهم قال: "إن أهل أراغون في هذه السنة لا يتفرغون، وهم ببلدهم شاتون، وفي الربيع المقبل آتون، فقبل الوالي هذه التوسعة، واستخشن الهيجاء واستحسن الدعة، وأذن في الناس أن العدو غير وارد، والمثلثة في القعود على رأي واحد"(26). كما أذن لأهل البادية بالعودة إلى بلدهم، وإنما كان هدفه من وراء ذلك مواصلة الانتقام ممَّن تآمر عليه.