مشاهدة النسخة كاملة : غزوة بدر يوم الفرقان
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 12:24 PM
http://www.arabsyscard.com/pic/bsm/8.gif
أسباب ومقدمات غزوة بدر
د. راغب السرجاني
الواقع العام في المدينة المنورة
http://ar.islamstory.net/images/stories/articles/3/11517_image002.jpgالدولة الإسلامية لها من العمر الآن سنتان في المدينة، ورسول الله يقود الدولة، ولكن الوضع داخل المدينة ليس مستقرًّا أبدًا؛ فلدينا طوائف شتى من المشركين من قبيلتي الأوس والخزرج، ولدينا اليهود، ولدينا قريش، خاصةً بعد أن جرحت في كبريائها في سرية نخلة، وهناك أيضًا قبائل الأعراب المحيطة بالمدينة، والتي كانت تعيش قبل ذلك على الإغارة والسرقة، ووجود دعوة إسلامية في المدينة يحجِّم كثيرًا من أنشطة السلب والنهب لتلك القبائل، وهذا -لا شك- لا يعجب هذه القبائل، فالأوضاع إذن غير مستقرة بالمرَّة.
أهمية غزوة بدر
يوم الفرقان أو غزوة بدر كانت في 17 من رمضان سنة 2 هجرية، المعركة التي قلبت موازين العالم، أو بالأحرى عدَّلت موازين العالم المقلوبة.
ومن الأهمية بمكان أن نذكر أنه ليس من الضروري أن تحدث نقاط التغيير المحورية في العالم نتيجة صراع بين قوة عالمية أولى، وقوة أخرى في نفس وزنها وعلى قدرها، بل قد يبدأ التغيير بحدث لا يعطيه الناس أيَّ أهمية، بل قد لا يشعرون به أصلاً، فمن كان يسمع ببدر من الفرس والروم أو أهل الصين؟ بل تدبر معي: ما قيمة غزوة بدر أصلاً؟
إن بدرًا معركة بين ثلاثمائة ونيِّف من المسلمين أمام ألف من المشركين في نقطة مجهولة في الصحراء، وأيُّ محلل عسكري في ذلك الوقت لن يرى فيها أكثر من معركة بين قبيلتين أو مجموعتين من الناس، أو مشاجرة بين عائلتين، لا تحمل أيَّة خطورة على القوى العالمية الموجودة آنذاك.
إن جيوش الروم في ذلك الوقت كانت تقدَّر بالملايين، وجيش فارس كان يزيد على مليوني جندي، بينما كانت الشعوب تعيش على مساحات واسعةٍ من الأرض تُكوِّن الآن عشرات الدول.
إن معركة بدرٍ في التحليل السطحي معركة عابرة لا يُرجى أن يكون لها أيّ أثر من أيّ نوع، إلا في بعض النقاط غير المرئية في حياة الصحراء، ولكن التحليل العميق يثبت غير ذلك تمامًا، فبعد بدر ولدت أمة ثابتة راسخة لها رسالةٌ ولها هدف ولها طموح، تغير التاريخ البشري حقًّا بعد قيام دولة الإسلام، فقد نشأت الأمة التي حملت على عاتقها هداية البشرية، الأمة التي ستصبح خير أمة أخرجت للناس.
خرج الجيش الذي سيزلزل بعد ذلك عروش كسرى وقيصر.
يوم الفرقان
إن بدرًا معركة فرّقت بين مرحلة كانت فيها دولة الإسلام دولة ناشئة ضعيفة مهددة، ومرحلة أخرى صارت فيها هذه الدولة فتيَّة قويَّة لها اعتبار وشأن في المنطقة، وأصبح العالم كله يسمع عنها.
كانت بدر إذن لحظة فارقة حقًّا؛ لذلك ليس من المستغرب أن يسميها الله I يوم الفرقان.
إنَّ مقاييس الله I ليست كمقاييس البشر، فقد حدثت عدة صدامات وحروب مروعة بين الروم والفرس، ولم يتغير من واقع العالم ولا من وجه التاريخ شيءٌ، يقول تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الرُّوم: 1- 4].
فازت الروم أو هزمت الروم ليس لذلك أثرٌ في واقع الأرض، ما هي إلا لحظات عابرة في عمر البشرية، أمَّا الصدام البسيط الذي حدث بين المدينة المنورة ومكة فقد غَيَّر وجهَ الأرض إلى يوم القيامة.
لم تكن بدر أبدًا لحظة عابرة، بل كانت لحظة فارقة.
وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن نقف وقفة طويلة أمام غزوة بدر، فغزوة بدر لم تكن غزوة عظيمة بجغرافيتها أو خططها أو السلاح المستخدم فيها، إنما كانت عظيمة بأهل الحق فيها، ولو كانوا قلة بسيطة فقراء أو كما وصفهم القرآن أذلة: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123].
كانت بدر عظيمة بالطائفة المؤمنة النبيلة التي شاركت فيها.
من أجل هذه الطائفة حدثت تغييرات كونيَّة هائلة، فنزلت الملائكة وخضع الشيطان، بل نكص على عقبيه مذمومًا مدحورًا.
لا بد أن نقف وقفة لندرس هذه الطائفة المؤمنة.
هذه الطائفة هي معيار للجيش المنتصر.
إن جيش بدر مقياسٌ لجيوش المسلمين؛ فالجيش الذي يستطيع الاتصاف بصفات جيش بدر يستطيع تحقيق انتصارات كانتصار بدر، ويستطيع صناعة يومٍ يسمَّى (يوم الفرقان)، سواء كان ذلك الآن، أو من مائة سنة مضت، أو بعد مائة سنة قادمة، وإلى يوم القيامة.
أسباب غزوة بدر
قافلة مكية عائدة من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب، قافلة ككل القوافل التي خرج إليها المسلمون قبل ذلك، ومعظم القوافل التي قبل ذلك لم يحدث فيها قتال، وحتى القتال الوحيد الذي حدث في سرية نخلة كان قتالاً بسيطًا جدًّا بين عشرة من المسلمين وأربعة من الكفار.
لكن هذه القافلة كانت تختلف عن بقية القوافل في بعض الأمور المهمة:
أولاً: هذه القافلة من أكثر قوافل مكة مالاً، وضربها يمثِّل ضربة اقتصادية هائلة لمكَّة؛ ألف بعير مُوقَرَة بالأموال، لا تقل عن 50 ألف دينار ذهبي.
ثانيًا: هذه القافلة ليست بقيادة قائد مغمور من قواد مكة أو تاجر عادي من تجار قريش، وإنما هي بقيادة أبي سفيان بن حرب من سادة قريش ومن سادة بني أميَّة. ومن الواضح أن للقافلة عند قريش أهميةً بالغةً، ومن ثَمَّ جعلت لها حراسة مشددة وقوية مكوَّنة من ثلاثين أو أربعين رجلاً، في حين لم يكن على حراسة قافلة نخلة سوى أربعة رجال فقط.
ثالثًا: وهو الأهم، أن هذه القافلة تمرُّ بجوار المدينة في شهر رمضان، أي بعد شهر ونصف فقط من أحداث سرية نخلة، وموقف المؤمنين مع هذه القافلة يؤكِّد صلابة موقف المسلمين، واستمرارية حربهم ضد قريش، ويثبت أنهم ليسوا خائفين من آثار سريَّة نخلة، بل على العكس يعتبر هذا الخروج تأكيدًا لقوة المسلمين وتصميمهم، ولا شك أن هذا سيهزُّ كفار مكة.
ولذلك خرج الرسول بأكبر عدد من المسلمين إلى هذه اللحظة، فكل السرايا والغزوات السابقة لم يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتين.
المسلمون في غزوة بدر كانوا 313 أو 314 أو 317 على اختلاف الروايات؛ ولذلك أيضًا خرج الأنصار ولأول مرة مع المهاجرين، بينما كانت الغزوات والسرايا التي قبل بدر كلها معتمدة كُلِّيَّةً على المهاجرين.
الرسول يستشير أصحابه في الخروج
كان خروج الأنصار برغبتهم وبشورى من رسول الله ، كما جاء في صحيح مسلم، وقد استشار رسول الله الناس في الخروج للقافلة، وأعلن الموافقةَ أبو بكر وعمر وكثير من المهاجرين، ومع ذلك أخذ الرسول يطلب المزيد من الرأي حتى قال سعد بن عبادة زعيم الخزرج: "إيَّانا تريدُ يا رسولَ الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحر لأخضناها (أي الخيل)، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الْغِمَادِ لفعلنا". وخرج الأنصار وبعدد كبير[1].
الجيش الإسلامي في بدر
كان عدد الأنصار في بدر مائتين وواحدًا وثلاثين:
61 من الأوس.
170 من الخزرج.
بينما كان عدد المهاجرين 83 فقط.
وتزود الرسول بسلاح المسافر، وأخذ معه فرسين وسبعين من الإبل، وقسَّم جيش المسلمين إلى مهاجرين وأنصار، وأعطى راية المهاجرين لعلي بن أبي طالب، وأعطى راية الأنصار لسعد بن معاذ، وأعطى الراية العامَّة للجيش لمصعب بن عمير، وجعل على الساقة في مؤخرة الجيش قيس بن صعصعة؛ فهو إعداد في منتهى القوة، ولا تنسَ أن ذلك الجيش يخرج لقافلة يحرسها ثلاثون أو أربعون رجلاً، وهذا يعني أن الجيش الإسلامي عشرة أضعاف حُرَّاس قافلة مكة تقريبًا.
المخابرات الإسلامية حدَّدت أن القافلة ستمر قريبًا جدًّا من بدر، وبدر على بُعد 70 كم جنوب المدينة، واتَّجه الرسول مباشرة إلى بدر؛ لكي يقطع الطريق على القافلة.
أبو سفيان ينجو بالقافلة
على الناحية الأخرى كان على رأس القافلة المكيَّة أبو سفيان بن حرب، واحدٌ من أذكى وأدهى العرب، وهو أيضًا له مخابراته، وقد استطاع أن يعرف أن الرسول خرج من المدينة المنورة قاصدًا القافلة، لكنه لا يعرف إلى أيِّ مكان وصل الرسول .
ولكنه لم يُضِع الوقت؛ فأرسل رسالة سريعة إلى مكة لاستنفار جيش مكة للخروج لإنقاذ القافلة، أرسل الرسالة مع ضمضم بن عمرو الغفاري.
وبسرعة كان ضمضم في مكة، ووقف على بعيره، وشقَّ قميصه، وبدأ في الصراخ على أهل مكة: "يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ"[2].
قام الناس كلهم مسرعين، أخذوا الأمر في منتهى الجدية، فهم لم يفيقوا بعدُ من أزمة (سريَّة نخلة).
http://www.ashefaa.com/files/twage3/096.gif
تكوين جيش المشركين
بدأت قريش في جمع المقاتلين من كل مكان، وعملوا على إعداد جيش على أعلى مستوى:
- ألف وثلاثمائة مقاتل من قريش، وما حولها من قبائل العرب. هناك ثلاثمائة رجعوا من الطريق.
- 100 فرس.
- 600 درع.
- إبل كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، ولكنهم كانوا ينحرون للطعام فقط تسعة أو عشرة من الجِمَال في كل يوم.
- خرج على قيادة الجيش كل زعماء الكفر تقريبًا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل، وعقبة بن أبي معيط، ولم يخرج أبو لهب بل أخرج واحدًا مكانه.
- جعلوا على رأس الجيش أبا جهل، فرعون هذه الأمة وسيِّد قريش.
إعداد ضخم لجيش خطير، تعاون الجميع لإخراج هذا الجيش الكبير.
إبليس يتعاون في إتمام المعركة
تعاون مع كفار قريش الشيطان الأكبر إبليس لعنه الله، فعندما قررت قريش الخروج خافت من غدر بني بكر بها، وكان بينهما خلاف قديم؛ فكاد ذلك يقعدها، فتمثَّل لهم الشيطان في صورة سُراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة فقال لهم: "أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه"[3]. فخرجوا جميعًا، والقصة سندها صحيح، ولها أكثر من طريق. وسبحان الله! كم من المرات التي لا يعلمها إلا الله ساعد الشيطان أولياءه في حرب المؤمنين!
لكن كيد الشيطان هذا لا يسمن ولا يُغني من جوع، إنْ كان الله مع الفريق الآخر {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
فكان الشيطان ممن دفع الكافرين للخروج إلى حتفهم في بدر.
أبو جهل نظير إبليس
كذلك فعل أبو جهل وهو من كبار شياطين الإنس؛ فقد ورَّط زعماء مكة جميعًا في الخروج، ودفعهم أيضًا بنفسه إلى حتفهم، وقصته مع أُمَيَّة بن خلف عجيبة، والقصة في صحيح البخاري.
أمية بن خلف وهو من عتاة الإجرام، كان صديقًا لسعد بن معاذ في الجاهلية، وفي أثناء زيارة سعد بن معاذ لمكة، قال سعد لأمية: إنه سمع رسول الله يقول: "إنهم قاتلوك".
فزع أمية بن خلف، وقال: بمكة؟
قال سعد: لا أدري.
ازداد رعب أميَّة، ورجع مسرعًا إلى أهله، وقال لزوجته: يا أم صفوان، ألم تَرَيْ ما قال لي سعد؟
قالت: وما قال لك؟
قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتليَّ. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة[4].
وهذه القصة تؤكِّد لنا أن أهل الباطل في يقين تامٍّ من داخلهم أن أهل الإيمان على الحق، وأن كلامهم صحيح لا خطأ فيه، حق لا باطل فيه، لكن الكبر والبطر يمنعهم من الإيمان، فلا بد لكل مؤمن أن يتأكَّد تمامًا أن عدوَّه من داخله على رعبٍ منه وفزع شديد، مهما كان ظاهره قويًّا، وجيشه كبيرًا، وأعوانه من الكثرة بمكان.
فعندما قرر جيش مكة الخروج خشي أمية أن يخرج؛ لأنه يعرف أن كلام رسول الله صدق. حضر إليه أبو جهل فقال له: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيِّد أهل الوادي تخلفوا معك. في البداية رفض أمية، لكن أبا جهل أرسل إليه عقبة بن أبي معيط، وعقبة -كما نعرف- مجرم بل من أكابر مجرمي مكة، فأحضر مِجْمَرة لعطر النساء ووضعها بين يدي أمية، وقال له: إنما أنت من النساء. قال أمية: قبحك الله! لكن مع إصرار سيد قريش أبي جهل وافق مضطرًّا، ومع ذلك دبَّر خطة لكي تنقذه من القتل، قرر أن يشتري أجود بعير في مكة؛ لكي يستطيع الهرب عليه. ورجع البيت يتجهز للخروج، فقالت له أم صفوان: يا أبا صفوان، أوَقَدْ نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، ما أريد أن أَجُوزَ معهم إلا قريبًا[5]. وفي أثناء الطريق قرر الرجوع أكثر من مرة، ولكنه فشل حتى وصل بدر، وكان مصيره الذي أخبر به رسول الله ، سبحان الله! {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطَّارق: 15- 16].
http://www.ashefaa.com/files/twage3/d33.gif
أحيانًا يكون رأس الباطل هو الذي يدفع جنده إلى الهلكة، استمع إلى الله يقول: {اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
كان أبو جهل يعتقد أن هذا هو أفضل إعداد، وأنه قد مكر بالمسلمين، ولكن: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
د. راغب السرجاني
[1] مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر (1779) ترقيم عبد الباقي.
[2] ابن هشام: السيرة النبوية، طبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، 1375هـ، 1/ 609.
[3] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1396هـ- 1971م، 2/ 386.
[4] البخاري: كتاب المغازي، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر (3734) ترقيم البغا.
[5] السابق نفسه.
http://asaaayl.com/up/ar/Rmdhan-Card-12.jpg (http://www.bdr130.net/vb/t136040.html)
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 12:31 PM
قبل غزوة بدر
د. راغب السرجاني
نظرة عامة على الجيشين
http://ar.islamstory.net/images/stories/articles/3/11520_image002.jpgتحدثنا عن مقدمات الغزوة العظيمة، غزوة بدر، وذكرنا فروقًا هائلة بين صفات الجيش الذي ينصره رب العالمين، والجيش الذي يفتقر إلى أيِّ تأييد؛ الجيش المنصور جيش يؤمن بالله ويعمل له بكل ذرة في كيانه، والجيش المهزوم جيش كافر أو فاسق أو منافق أو عاصٍ لا يعمل إلا لمصالحه الذاتية وأهوائه الشخصية، لا يهمه إلا صورته أمام الناس. الجيش المنصور جيش متفائل يوقن بنصر الله له، والجيش المهزوم جيش محبط فاقد للأمل. الجيش المنصور جيش حاسم غير متردد، والجيش المهزوم جيش متردد جبان لا يَقْوى على أخذ قرار. الجيش المنصور يطبق الشورى فيما لا نص فيه، والجيش المهزوم جيش يطبق الدكتاتورية، لا يهتم إلا برأي الزعيم، ولا ينظر إلى القادة أو الشعب. في موقعة بدر كانت صفات الجيش المنصور موجودة بكاملها في جيش المدينة المؤمن، وكانت صفات الجيش المهزوم موجودة بكاملها في جيش مكة الكافر. ولم تكن هذه فقط هي صفات الجيوش المنتصرة والمهزومة، فما زال هناك صفات أخرى كثيرة، سنتعرف عليها من خلال الحديث عن يوم الفرقان.
دور الاستخبارات الإسلامية
اقترب الجيش المكي وعسكر في منطقة العدوة القصوى جنوب وادي بدر، وتقدم الجيش المسلم أيضًا من بدر في منطقة شمال بدر تسمَّى بالعدوة الدنيا. وأراد رسول أن يتيقن من أعداد الكفار وهيئتهم ومكانهم وقادتهم، فقام بعملية استكشافية هو وأبو بكر الصديق، واستطاعا بالفعل أن يعرفوا مكان جيش مكة، لكنه لم يستطع أن يعرف أعداد القوم وقادتهم، فأرسل فرقة استكشافية أخرى فيها علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص . أمسكت الفرقة باثنين من الغلمان للجيش المشرك وأحضروهم للرسول ، والرسول : "أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ". بدأ في استجوابهم، قال
قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
قال: "كَمِ الْقَوْمُ؟"
قالا: كثير.
قال: "مَا عِدَّتُهُمْ؟"
قالا: لا ندري.
قال: "كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟"
قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.
قال : "الْقَوْمُ فِيمَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ وَالأَلْفِ". ثم قال: "فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟"
قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد.
فأقبل على المؤمنين وقال: "هَذِهِ مَكَةُ، قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلاَذَ كَبِدِهَا"[1] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn1) .
وهكذا استطاع الرسول أن يعرف ما يريد من معلومات عن الجيش المكي.
وتُرجمت هذه المعلومات إلى تحركات سريعة؛ فأخذ رسول الله جيشه، واتجه إلى أرض بدر قبل عدوه؛ ليختار الأرض التي ستتم عليها الموقعة، وليضع جيشه في مواقع إستراتيجية داخل أرض الموقعة.
واختار الرسول مكانًا للنزول فيه في أرض بدر، واستقر رسول الله في هذا المكان، وكان ذلك ليلة بدر.
انظر خريطة معركة بدر (http://www.islamstory.com/flash.php?id=5814)
إيجابية الحباب بن المنذر
جاء إلى رسول الله الصحابي الجليل الحُبَاب بن المنذر الأنصاري، وهو من الخبراء العسكريين المعروفين بدقة الرأي وعمق النظرة، سأل الحباب رسول الله سؤالاً يعبِّر عن مدى فقهه لمبدأ الشورى.
قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال : "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ".
قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل.
هذا ليس مناسبًا، هكذا بوضوح دون خجل ولا مواربة. الأمر خطير، والنصيحة مسئولية.
إذن، ما الرأي؟
قال الحباب: فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم (قريش)، فننزله ونغوِّر (أي نخرب) ما وراءه من القُلُب (جمع قليب، أي آبار بدر)، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم؛ فنشرب ولا يشربون.
فقال الرسول دون تردد: "لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ".
وبالفعل غيَّر مكانه الأول، ونزل في المكان الذي أشار به الحباب .
ولنا وقفة مهمة مع إيجابية الحباب ؛ من الممكن أن نتخيل أن الصحابي عندما يرى الرسول أحكم البشر، وأفضل العالمين، ومن المؤكد أن رأيه البشريّ أحسن من رأيي، لكن هذا التصور عن الصحابة ليس صحيحًا. فعل شيئًا، أيَّ شيء، أنه لن يفكر في أن يقول رأيه؛ لأنه من المحتمل أن يكون وحيًا، وحتى لو لم يكن وحيًا فمن الممكن أن يقول: إن الرسول
فالصحابة كان لديهم إيجابية رائعة، لو رأى أحدهم شيئًا يعتقد أن هناك ما هو أولى منه أسرع مباشرة للإدلاء برأيه حتى لو لم يُطلب منه ذلك، وهو يدرك أن الرسول بشر، ويجري عليه في الأمور التي ليس فيها وحي، ما يجري على عامة البشر من اختيار صحيح في مرة وخطأ في مرة أخرى، أو على الأقل قد يختار خلاف الأَوْلى في أمر من الأمور، ويدرك الحباب هو القائل لهم قبل ذلك: "أَنْتُمُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ"؛ وبذلك يفتح المجال الواسع لكل فكر، ولكل إبداع، ولكل إضافة. وبذلك تعمل كل عقول المسلمين لخدمة الأمة الإسلامية. أن الرسول
ولو حدث وكان رأي الحباب خطأً، فإن الرسول سيعرفه الصواب، ويكون قد تعلم شيئًا، أو على الأقل قاتَلَ وهو مقتنع بوجهة النظر الأخرى، وهذا يعود بنا لنقطة الشورى من جديد.
هكذا يُرينا مبدأ الشورى كيف يمكن أن نستفيد من طاقات المجتمع. كيف يمكن أن نستغل المواهب الهائلة التي وزَّعها ربنا I على خلقه بحكمة عجيبة.
لو هناك كبت لآراء الشعب ما كان الرسول قد عرف أين ينزل في بدر، ومن المؤكد أن هذا سيكون به ضرر، ليس فقط على الرسول ، لكن على الأمة كلها.
بعد النزول في المكان الذي حدَّده الحباب قام الصحابة بالإشارة على رسول الله بأمر اختلف الرواة في صحته، وهو بناء العريش أو مقر القيادة.
وسواء تم بناء هذا العريش أو لم يتم، فإن الثابت أن رسول الله لم ينعزل عن جيشه، ولكنه قاتل معهم بنفسه بل كان أقربهم إلى العدو كما يقول علي بن أبي طالب كما في رواية الإمام أحمد: "لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله ، وكان من أشد الناس، ما كان -أو لم يكن- أحدٌ أقرب إلى المشركين منه"[2] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn2) .
نزول السكينة من الله
في ليلة بدر حدث أمران مهمان، وهما النعاس الذي غلب المسلمين في ليلة بدر، والمطر الذي نزل في نفس الليلة.
أما النعاس فعجيب، سبحان الله! المسلمون على بُعد خطوات من الجيش المكي الكبير، ومع ذلك يصلون إلى حالة من السكينة وهدوء الأعصاب التي تجعلهم ينامون في هدوء.
عندما يكون الإنسان مشغولاً بشيء مهم فإنه لا يعرف النوم -وهو في بيته في منتهى الأمان- فما بالك بإنسان نائم في أرض المعركة، ومشغول بمعركة من الممكن أن تكون فيها نهايته؟!
هدوء أعصابٍ عجيب! لا يفكر في عدد أعدائه، ولا يفكر في طريقة القتال، ولا يفكر فيما سوف يجري في هذه المعركة الرهيبة، ولا يفكر في تجارته، ولا يفكر حتى في أولاده وزوجته، ولا يفكر حتى في نفسه. نائم في منتهى الراحة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11].
في هذه الليلة نام الجميع اطمئنانًا، والوحيد الذي لم ينم كان رسول الله فقد ظل طوال الليل يدعو ويناجي ربه.
على الجانب الآخر كان جيش مكة لا يعرف للنوم سبيلاً، قَلِق، حيران، فغدًا موقعة مرعبة بالنسبة له.
ثم هو غير مقتنع بالحرب أصلاً، ولماذا أحارب؟ من أجل هُبَل واللات والعُزَّى، أم من أجل القائد الزعيم أبي جهل، أم من أجل القافلة؟ القافلة قد عبر بها أبو سفيان إلى بر الأمان، فلماذا القتال ومن المحتمل أن أموت، أَنْفُس مضطربة خائفة تعيش حالة من الفزع والرعب والخوف، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31].
المطر أيضًا في ليلة بدر كان عجيبًا.
منطقة بدر كلها منطقة صغيرة جدًّا، وادي صغير.
سحابة واحدة صغيرة من الممكن أن تغطي الوادي كله.
ونزل المطر في ليلة بدر على أرض بدر، في هذه المساحة الصغيرة، ولعله من سحابة واحدة. ولكنه -ويا سبحان الله- نزل هينًا لطيفًا خفيفًا على المسلمين، ونزل وابلًا شديدًا معوِّقًا على الكافرين.
شرب المسلمون واغتسلوا وتماسك الرمل في معسكرهم فثبتت أقدامهم، وذهبت عنهم وساوس الشيطان والتي كانت قد أتت إلى بعضهم بسبب الجنابة وقلة الماء، ولم تكن آية التيمم قد نزلت بعدُ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].
أما الكفار فقد كوَّن المطر عندهم مخاضة كبيرة منعت تقدمهم، وأعاقت حركتهم. ليس لأحدٍ بحرب الله طاقة!
صباح يوم بدر
الرسول يجأر إلى الله بالدعاء
أول كلمات رسول الله في ذلك اليوم كانت دعاءً لرب العالمين؛ دعا أمام الناس جميعًا ليذكرهم بالله الذي بيده النصر والتمكين.
قال : "اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلاَئِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ أَحْنِهِمُ الْغَدَاةَ"[3] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn3) .
هذا الدعاء ظل معنا طوال رحلة بدر.
والرسول خارج من المدينة لبدر كان يدعو لجنوده من المؤمنين، يقول كما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو: "اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ"[4] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn4) .
وقبل القتال كان يقول الدعاء الذي ذكرناه منذ قليل.
وأثناء القتال كان شديد الابتهال إلى ربه، كان يرفع يده إلى السماء ويستقبل القبلة ويقول: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ"[5] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn5) .
واستمر في دعائه وهو رافع يده حتى سقط رداؤه من على كتفيه، حتى أتاه الصديق فرفع الرداء من على الأرض، وألقاه على كتف الرسول وقال له برقة، وهو يمسك بكتفيه :
يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك[6] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn6) .
انظر وتخيل طول الدعاء وطريقة الدعاء التي تجعل أبا بكر يشفق على الرسول من كثرة الدعاء، ويقول له: كفى.
الدعاء المستمر لم يكن من الرسول فقط، بل كان من الجيش كله، الجيش كله كان شديد الصلة بالله I؛ لذلك يقول ربنا: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9].
الاستغاثة بالله كانت من الجميع، وكل هذا يؤكد على أهم صفة من صفات الجيش المنصور التي تكلمنا عنها، وسنتكلم عنها في كل موقعة انتصر فيها المسلمون.
وهي صفة الإيمان بالله I، والاعتقاد الذي لا ريب فيه أنه هو الذي ينصر ويُمَكِّن ويعزّ ويرفع {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
كان هذا دعاء الفريق المؤمن.
وأبو جهل يدعو أيضًا!!
لكن الغريب فعلاً أن الكفار أيضًا كانوا يدعون، وعلى رأس الذين كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء كان أبو جهل.
في الحقيقة كنت أتعجب كثيرًا عندما أقرأ دعاء أبي جهل يوم بدر؛ فقد كان يقول: "اللهم أقطعَنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه، فأَحِنْه الغداة، اللهم أيُّنا كان أحبَّ إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم"[7] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn7) .
http://www.ashefaa.com/files/twage3/095.gif
الحقيقة كنت أتعجب؛ لأن كتب السيرة تنقل إلينا أكثر من مرة مواقف في فترة مكة تثبت أن أبا جهل كان يعرف أن القرآن الكريم معجز، ويعرف أن الملائكة تحرس النبي .
يعرف كل ذلك بوضوح، ومع ذلك فهو الآن يدعو وبصوت يسمعه الجميع أن ينصر اللهُ الأحبَّ إليه.
شيء عجيب!!
تفسير هذا الدعاء من أبي جهل يحتمل أمرين في رأيي:
http://www.redcodevb.com/smiles/smiles/33/www.hh50.com-Gallery-Pictures-Signatures-Ramadan-0392.gif
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 12:36 PM
الأمر الأول: أنه يصنع نوعًا من التحفيز المعنوي لجنوده.
كثيرون من جنود الباطل يشعرون بالضعف؛ لتفاهة قضيتهم، وشعورهم المستمر أن المسلمين معهم قوة أكبر من قوى البشر؛ فيأتي القائد لهم، زعيمهم في الضلال، ويوهمهم أنهم على حق، وأن مهمتهم سامية، وأنهم يعملون لخير المجتمع والوطن، بل العالم! بل وقد يقنعهم كما يفعل الآن أبو جهل أن ما يقومون به من قتال الآن هو جزء من الدين، وأنهم متدينون مخلصون متبعون للإله، كما يقول ربنا في حق فرعون: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 79].
وكما قال فرعون نفسه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29].
يحاول أن يقنعهم أن كل الإجرام الذي يقوم به هو والطواغيت من أمثاله، ما هو إلا خير وهدى ورشاد وإصلاح.
وهذا الكلام نراه كثيرًا، سواء في طواغيت الماضي أو طواغيت الحاضر، كلهم يقولون إنهم مصلحون.
إذن هذا هو الأمر الأول: خداع الناس بأنهم على خير ودين.
الأمر الثاني: وهو أن الطاغية بعد أن يظل يقنع الناس يومًا واثنين وعشرة، وسنة واثنتين وعشرة أنه مصلح ومتدين وأخلاقه عالية، يصدق نفسه، والبطانة التي حوله تقنعه أنه فعلاً متدين وعبقري ومصلح ومؤدب وخَيِّر وطيب ورحيم.
يصدق الطاغية نفسه، ويصدق من حوله من أعوانه، فيصير مقتنعًا فعلاً أنه على صواب.
وهذه مرحلة في منتهى الخطورة.
هذه مرحلة العمى، عمى البصيرة، لا يرى فعلاً الحق من الباطل.
لا يستطيع أن يميز الصواب من الخطأ.
في المرحلة الأولى كان يميِّز الصواب من الخطأ، لكنه كان يفعل الخطأ لهوى في نفسه، أو لمصلحة، أو لهدف.
الآن لم يعُدْ قادرًا على الرؤية {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198].
على العيون غشاوة تحجب الرؤية تمامًا {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7].
وفي الآذان عازل يمنع السمع كُلِّيَّة {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: 80].
وعلى قلوبهم أغلفة سميكة تمنع وصول أيّ موعظة أو عبرة {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 46].
إذن، فالطواغيت والمجرمون يمرون بمرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة خداع الآخرين لأجل تحقيق مصلحة معينة، وفيها يستطيع أن يميز الحق من الباطل، لكنه يختار الباطل؛ لهوًى في نفسه.
المرحلة الثانية: هي مرحلة الطمس على البصيرة، وفيها لا يستطيع أن يميّز الحق من الباطل؛ وبالتالي يفتقد أيَّ إمكانية للهداية.
وبديهي أن الذي يدخل في هذه المرحلة الثانية لا يكون إلا من عتاة الإجرام، وأصحاب التاريخ الطويل في الصدِّ عن سبيل الله.
وهذا التحليل أعتقد أنه يفسر لنا كلماتٍ كثيرة جدًّا نسمعها من طواغيت ومجرمين، ومعذِّبين لغيرهم، وناهبين للمال، وهاتكين للأعراض، ومستبيحين للحرمات، ومع ذلك يتكلمون عن الفضيلة والشرف والأمانة والإصلاح.
د. راغب السرجاني
[1] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f1) ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص617.
[2] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f2) مسند أحمد، طبعة مؤسسة قرطبة 1/126، رقم الحديث (1042)، وصححه شعيب الأرناءوط.
[3] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f3) ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص621.
[4] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f4) السيوطي: الخصائص الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ- 1985م، 1/337.
[5] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f5) مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم (1763) ترقيم عبد الباقي، والترمذي (3081) ترقيم أحمد شاكر، وأحمد (208) طبعة مؤسسة قرطبة، وحسنه شعيب الأرناءوط.
[6] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f6) الحديث السابق نفسه.
[7] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnre f7) الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 4/46.
http://asaaayl.com/up/ar/Rmdhan-Card-10.jpg (http://www.bdr130.net/vb/t136040.html)
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 12:59 PM
http://www.albdoo.info/imgcache/b9676cccdc3e01b449ace14b333d0500.gif
د. راغب السرجاني
صفات الجيش المنتصر
http://ar.islamstory.net/images/stories/articles/3/11523_image002.jpgتتعدد وتتنوع صفات الجيش المنتصر، والحقيقة أننا أحوج ما نكون اليوم إلى التحلي بهذه الصفات؛ لأن النصر لا يكون إلا بها، كما انتصر بها السابقون، ومن هذه الصفات:
1- الإيمان بالله وبرسوله واليوم الآخر
فلا نَصْر بغير الاعتماد على الله ؛ لأن الله ينصر عباده المؤمنين، يقول تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} [الصَّافات: 173].
يخبر الله أن حزبه وأهل ولايته هم الغالبون، ولهم الظفر، والفلاح على أهل الكفر. وأيُّ منهج لا يقوم على الكتاب والسُّنَّة والتمسك بالعقيدة، فلن يكتب له النصر والنجاح.
2- العمل بصدق للوصول إلى الجنة
وأَنْعِم بها من غاية يُسعى لها، والقائد لا ينعزل عن جيشه، ولا الحاكم عن المحكومين، فهو جيش نشيط، ومتفائل، وجريء، وشجاع يطلب الموت، ويقبل عليه أينما كان، طالما أن الموت سيكون في سبيل الله .
3- الشورى
فهو جيش يأخذ بالشورى كمبدأ أصيل للوصول إلى الحق، والشورى تكون فيما لا نصَّ فيه، يقول تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشُّورى: 38].
ويقول تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]. فهذا أمرٌ من الله لرسوله بمشاورة المسلمين في الأمور التي لا نصّ فيها، والأخذ بالرأي الصواب والنزول عليه، ورأينا مشورة النبي لأصحابه في كل شيء، ورأينا أخذه برأي الحباب بن المنذر بالانتقال من هذا المكان، وأن يكون ماء بدر خلف المسلمين بحيث يشرب المسلمون، ولا يشرب المشركون، وكان الأخذ برأي الحباب سببًا من أسباب النصر.
4- يُعِدُّ العدة المادية من سلاح وخطة وتدريب من أجل تحقيق النصر
يقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]. {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]. جاءت كلمة (قوة) نكرة كي تدل على الشمول، أي: أعدوا لهم قوة العقيدة والقوة البدنية وقوة السلاح وقوة العلم وكل قوة.
وأما قوله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، قال ابن عباس: تخزون به عدو الله وعدوكم.
5- الألفة والوَحْدة والترابط والتناسق التي تربط بين أفراد الجيش
فهو جيش قوي ومتماسك يحب بعضه بعضًا في الله ، يحكمه مبدأ العقيدة؛ فالرباط الذي يربط بين جيش بدر هو رباط العقيدة، فالإسلام هو الذي يربط بين أفراد الجيش، فالحب في الله يجمع كل أفراد الجيش، وجيش بدر تحكمه الوحدة، فلا فضل في الجيش لأحدٍ على أحد، ولا فرق بين العربي وغير العربي، فكان في الجيش بلال بن رباح الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، فكان هناك تلاحم وترابط بين أفراد الجيش، سواء كان عربيًّا أو أعجميًّا.
وتعالَوْا نرى مقتل عدوّ الله أميَّة بن خلف، حتى نرى قوة التلاحم بين أهل بدر، فهم طوائف مختلفة ولكن يجمعها الإسلام؛ فالمهاجرون كانوا من العدنانيين، والأنصار كانوا من القحطانيين، فرعان مختلفان جمعهم أخوة الإسلام؛ فبلال بن رباح لم يشعر بالغربة في هذا الجيش العربي مع أنه حبشي؛ ففي موقعة بدر رأى بلال بن رباح أمية بن خلف وابنه بعد أن تأكدا من الهزيمة، ورأى عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وابنه وكانت معه أدراعٌ في يده، فلما رأى أمية عبد الرحمن بن عوف قال: هل لك فيَّ؛ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك؟ أما لك حاجة في اللبن؟ أي: مَن يأسرني فسوف أعطيه فدية كبيرة من الإبل.
فقال بلال -لما رأى رأس الكفر أمية بن خلف-: لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أيْ بلال، أسيريّ. قال: لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أتسمع يابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا. ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا ثم جعلونا في مثل المَسَكَةِ[1] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn1)، وأنا أذبُّ عنه. قال: فضرب رجل ابنه فوقع. قال: وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قطُّ. قال: قلت: انجُ بنفسك ولا نجاءَ، فوالله ما أغني عنك شيئًا. قال: فهَبَرُوهُمَا بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أَدْراعي، وفجعني بأسيري[2] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn2).
فعبد الرحمن بن عوف يقدِّر الحالة النفسية لبلال ، وهو يرى أمية بن خلف الذي كان يصبُّ عليه صنوف العذاب، هل يتركه بلال بعد ذلك يفرُّ من الموت بعد أن يفدي نفسه ببعض المال؟! إن الرباط الذي كان موجودًا في السابق هو رباط القبيلة، فأهل الجاهلية قالوا: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا؛ ينصر أخاه حتى ولو كان ظالمًا، بل ويساعده على الظلم، حتى إن أحد شعراء الجاهلية يقول:
بغاة ظالمين وما ظُلمنا ... ولكنَّا سنبدأ ظالمينا[3] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn3)
أما الرسول فقد قال نفس الكلمة، ولكن بتعديل كبير في الفكر والتصور والمفهوم؛ قال رسول الله : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟ قال: "تَحْجِزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ"[4] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn4).
فالصواب أن ينصر الإنسان أخاه في الخير والعدل فقط، أما إن ظَلَم فأَعْمَلُ بشتى السبل والطرق بردِّه عن ظلمه، وأكبر ظلمٍ في الدنيا هو الشرك بالله، يقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
6- هو جيش كفءٌ
فأحيانًا يكون الحق موجودًا ولكن لا يوجد مَن يطلبه ويحسن الطلب فيضيع الحق، فالمسألة مسألة أمانة، فقد جاء رجل إلى النبي وسأله عن الساعة، فردَّ عليه الرسول : "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟ فقال : "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"[5] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn5).
فهذه مشكلة كبيرة تواجهها الأمة الإسلامية في وقتها الحالي، فتوسيد الأمر إلى أهله يؤدِّي إلى التقدم والتفوق؛ لأنه يؤديه على أكمل وجه، يقول تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]. فالقوي هو الكفء، فلا بد أن يكون كفئًا قويًّا في كل شيء، سواء في مجال الزراعة أو التجارة أو الصناعة أو التعليم أو أيِّ مجال، وأمينًا بحيث يخاف الله ، وأنه مطّلعٌ عليه ويراقبه في سرِّه وعلنه، فلا يغش ولا يدلس، ولا يبخل برأي. وهذا ما نراه في جيش بدر، فهو جيش يتميز بالأمانة والكفاءة؛ احترافية في الأداء، ومهارة في المناورة، وقوة في النزال، ودقة رأي وبُعد نظر، ومع ذلك يتميز بالأمانة، ومراقبة الله .
7- الحسم وعدم التردد، والإقدام على القتال
وقد سطَّر الصحابة رضوان الله عليهم صفحات بيضاء سوف تظل نورًا يستضيء به المسلمون إلى قيام الساعة {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. فالتسويف يؤدِّي إلى التردد، والتردد يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير صحيحة، والقرارات غير الصحيحة تؤدي إلى الهزيمة.
8- عدم الاعتماد على الكافرين
رفض رسول الله أن يخرج معه للقتال يوم بدر إلا من كان مؤمنًا، ولا يستعين بمشركٍ إلا في بعض الأمور البسيطة المعروفة في كتب الفقه. يروي مسلم عن السيدة عائشة (http://www.islamstory.com/%D8%A3%D9%85_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%85%D9%86% D9%8A%D9%86_%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B4%D8%A9_%D8%A8% D9%86%D8%AA_%D8%A3%D8%A8%D9%8A_%D8%A8%D9%83%D8%B1) رضي الله عنها، أن رسول الله خرج قبل بدر، فلما كان بحَرَّة الوَبَرة أدركه رجلٌ، قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله : جئتُ لأتبعك، وأصيب معك. قال له رسول الله : "تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟" قال: لا. قال: "فَارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ".
قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي فارجع؛ فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟" قال: نعم. فقال له رسول الله : "فانطلق"[6] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn6). كما قال أول مرة؛ قال: "
سبحان الله! مع قوة الرجل وبأسه وكفاءته، إلا أن رسول الله لم يأذن له بشهود القتال؛ لأنه ليس مؤمنًا، وقد يخدع المسلمين أو تأتي من قِبَله الهزيمة. وفي بعض الأوقات يكون الرجل أمينًا ولكن ليس قويًّا، فقد ردَّ الرسول بعض الصحابة؛ وذلك لأنه رأى فيهم بعض الضعف لصغر سنِّهم، مع علمه التام بأمانتهم ورغبتهم الصادقة في القتال.
9- الاعتماد على الشباب، والارتقاء بهم
فقد ردَّ الرسول عبد الله بن عمر والبراء بن عازب لضعفهم وصغر سنِّهم، وقَبِل بعض الصحابة الصغار في السن؛ لأنه رأى أن فيهم بعض القوة والجلد مثل عمير بن أبي وقاص، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومُعَوِّذ بن عفراء.
وتميّز الجيش بكونه من الشباب؛ فمعظم المشاركين في غزوة بدر كانوا من صغار السن، فمتوسط عمر الجيش لم يتجاوز الثانية والثلاثين، فالدعوة تعتمد على الشباب؛ لهذا قال الرسول : "نَصَرَنِي الشَّبَابُ وَخَذَلَنِي الشُّيُوخُ"[7] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn7). فالمشاركون في غزوة بدر معظمهم من الشباب الصغير، وشهداء بدرٍ كان معظمهم من الشباب صغير السن، والمواقع القيادية كانت في يد الشباب؛ راية المهاجرين كانت مع عليِّ بن أبي طالب وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين، وحامل راية الأنصار سعد بن معاذ في الثانية والثلاثين من عمره، وحامل الراية العامَّة للجيش كله مصعب بن عمير لم يتجاوز السابعة والثلاثين أو الثامنة والثلاثين.
فالشباب هم عماد الأمة، وعلى عاتقهم ترتفع الأمم، وهم الذين قام النصر على أكتافهم يوم بدر، وهم طاقة هائلة تحقق النصر والعزة لو أحسنَّا توجيههم، فكيف يكون الشباب هم عماد الأمة ثم نشغلهم بأشياء تافهة، لا قيمة لها. وليس معنى هذا التقليل من دور الشيوخ، ولكن نستفيد من خبرتهم وتجاربهم وآرائهم، وهي من الأهمية بمكان.
10- روح الأمل والتفاؤل واليقين في نصر الله لهذه الأمة
فالله ينصر عباده المؤمنين {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]. ويقول تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].
الثبات نعمة من عند الله
إذا فقدت الأمة صفة واحدة من الصفات العشر لا ينتصر المسلمون، وسوف نرى ذلك في غزوة أُحُد. وإذا تمسك المسلمون بهذه الصفات العشر، رزقهم الله نعمةَ الثبات، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال: 15].
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]. وعند الحديث عن المطر، يقول: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]. وعن الملائكة يقول: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12].
فلا يُمنح الثبات إلا من قدَّم الصفات العشر السابقة، وإذا ثبت المسلمون في أرض المعركة أنزل الله عليهم النصر من عنده، فالنصر يأتي بطريقة يعرفها المسلمون، وبطريقة لا يتوقعونها حتى ينسب المسلمون النصر إلى الله ، يقول تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10].
فبعض المسلمين كره لقاء جيش بدر {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5]؛ فكانوا يتوقعون الموت المحقق للمسلمين، ونزلت الملائكة من السماء تساند جيش الإيمان.
الأخوة أخوة العقيدة
ظهر في يوم بدر واتّضح تغلب العقيدة على عاطفة النسب، فقد قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة؛ فالرباط الموجود في ذلك اليوم هو رباط العقيدة، فكان الصحابي يقتل خاله، أو ابنه، أو عمه، أو أباه، وأبو بكر الصديق كان يبحث عن ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر حتى يقتله، إنه شيءٌ صعب أن يقتل الإنسان ابنه أو يحاول إلحاق الضرر به، حتى ولو كان عاقًّا أو مشركًا[8] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn8).
فالرسول يشبِّه أبا بكر بنبي الله إبراهيم مع الفارق؛ لأن إبراهيم كان سوف يذبح ابنه البارّ الطائع الذي أصبح نبيًّا بعد ذلك، أما أبو بكر فسوف يقتل ابنه العاصي الكافر، وأشدُّ الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم. ومصعب بن عمير في يوم بدر يرى أخاه أبا عزيز أسيرًا، فيوصي من أسره -وهو رجل من الأنصار- أن يشدَّ عليه؛ لأن أمَّه ذات متاع، ولعلها أن تفديه بمال كثير، فعندما أخذ أبو عزيز يلومه: أهذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك[9] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftn9). وهناك من يقول هذا تجردٌ من المشاعر الإنسانية، وأنه لا يشعر بأخيه من النسب، ولكن هذا هو قمة المشاعر الإنسانية، وهو توجيه المشاعر بكاملها لله ، أن يعيش الإنسان لقضية ما يكرس لها كل جهده وطاقته لهذه القضية، فإذا كانت هذه القضية هي إرضاء الله ، فهذه من أبلغ وأرقى المشاعر التي يتحلى بها الإنسان، ونحن نتكلم عن يوم قتال ونزال ومفاصلة، أما في أيام السلم والدعوة فهناك الرحمة والمعاملة بالحسنى مع صلة الرحم، يقول تعالى في سورة لقمان عن معاملة المسلم لوالديه المشركين: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
وأمر رسول الله سعد بن أبي وقاص أن يعامل والدته المشركة بالرفق واللين.
د. راغب السرجاني
[1] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref1) المسكة: الأسْوِرَة.
[2] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref2) صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة السابعة عشرة، 1426هـ- 2005م، ص205.
[3] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref3) القائل عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي.
[4] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref4) رواه البخاري (6552) ترقيم مصطفى البغا، والترمذي (2255) ترقيم أحمد شاكر، وأحمد (13101) طبعة مؤسسة قرطبة.
[5] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref5) رواه البخاري (59)، وأحمد (8714).
[6] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref6) رواه مسلم (1817) ترقيم عبد الباقي، والترمذي (1558)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1101).
[7] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref7) حديث لا أصل له.
[8] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref8) المباركفوري: الرحيق المختوم ص205.
[9] (http://www.islamstory.com/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%88 %D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%86% D8%B5%D8%B1#_ftnref9) ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1396هـ- 1976م، 2/475
http://www.arabsyscard.com/islamsignature/jhad/11.gif
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 01:03 PM
آثار ونتائج غزوة بدرhttp://www.iraqup.com/uploads/20090804/bggU0-JR78_141989688.gif
د. راغب السرجاني
يوم الفرقان
http://ar.islamstory.net/images/stories/articles/3/11525_image002.jpgكانت غزوة بدر من أعظم الغزوات في تاريخ المسلمين، وهي كما سماها رب العالمين I يوم الفرقان، وإذا سمَّى الله غزوة أو يومًا بهذا الاسم، فما من شك أنها فصلت بالفعل، وفرَّقت بين مرحلتين مهمَّتين من مراحل الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية.
وإذا نظرت إلى حال الأمة الإسلامية قبل وبعد غزوة بدر، فإنك تلاحظ الفارق الهائل بين الحالين، فقد كان لغزوة بدر أثرٌ كبيرٌ، ليس فقط على المدينة المنورة أو مكة المكرمة، بل على الجزيرة العربية كلها وعلى العالم بصفة عامة، وما زال لغزوة بدر آثارٌ إلى يومنا هذا، وسيكون لها الأثر إلى يوم القيامة.
آثار غزوة بدر على المسلمين
الأثر الأول: الميلاد الحقيقي للدولة الإسلامية
هذا هو الأثر الأول والأعظم لهذه الغزوة العظيمة؛ الميلاد الحقيقي للأمة الإسلامية والدولة الإسلامية بقيادة الرسول ، وعلى أكتاف الجيش الإسلامي الذي ولد في هذه الغزوة قامت دولة الإسلام، وقد عرف صحابة النبي صفات الأمة المنتصرة وصفات الجيش المنتصر، ودرسوها جيدًا وطبَّقوها في كل المعارك التي انتصر فيها المسلمون، وإذا خالف المسلمون نقطة أو بعض النقاط من هذه الصفات تأتي الهزيمة والمصائب.
ومن هنا كانت غزوة بدر مقياسًا ومعيارًا يجب أن يقيس عليه المسلمون أحوالهم، فإن كانوا يطابقون هذه الصفات وهذه الأحوال فلله الحمد والمنّة والفضل؛ وإن كانوا غير ذلك فلا بد أن يعدِّلوا مسارهم؛ ليعودوا إلى الطريقة التي سار عليها أهل بدر أجمعين.
إن أمة الإسلام ولدت بعد غزوة بدر وأصبح لها هَيْبَة في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ أهل الجزيرة العربية جميعًا يتساءلون عن الإسلام وعن المسلمين، فقد كانوا قبل ذلك يعتقدون أن الأمر مجرد اختلاف داخلي في مكة، فهو مجرد رجل ظهر في مكة بينه وبين قومه خلاف وظهر لهذا الرجل أتباع، وهؤلاء الأتباع لهم أعداء، فكانت الحرب الداخلية الأهلية في داخل مكة المكرمة، ثم كانت الهجرة التي لفتت أنظار العرب، لكن اللفت الحقيقي للأنظار كان بعد غزوة بدر؛ فكان الانتصار الضخم الهائل الذي حققه المسلمون كفيلاً بأن يسأل كثيرٌ من الناس عن الإسلام وعن المسلمين. ولا شك أن هذا الأمر فتح للإسلام قلوبًا كثيرة، فكان هذا الأثر هو أول الآثار وأعظمها، وبدأ الرسول ينظم دولته كدولة مستقلة، لها كيانها ولها احترامها ولها مكانتها العظيمة في داخل الجزيرة العربية.
الأثر الثاني: الأثر الإيجابي على المسلمين في المدينة ممن لم يشهدوا الغزوة
لما وصلت أخبار هذه الغزوة إلى المدينة المنورة اختلطت بعض المشاعر في قلوب المؤمنين؛ مشاعر الفرح والسرور بهذا النصر العظيم بمشاعر الندم لعدم المشاركة في هذا النصر العظيم، فقد كان نصرًا كبيرًا وعظيمًا، والتفّ المسلمون حول البشير الذي جاء بالخبر، وكان زيد بن حارثة ، يطمئِنُّون على النبي الذي لم يرجع مباشرةً من بدر، فقد مكث في أرض بدر ثلاثة أيام كعادة الجيوش المنتصرة، وبعد ذلك رجع إلى المدينة المنورة؛ فكان خبر النصر سابقًا لرجوع النبي ، واستقبلت وفود التهنئة الرسول بمنتهى الترحاب والفرح والسرور، وفي الوقت نفسه جاء الكثير من الأنصار يعتذرون من عدم مشاركتهم في هذه الغزوة مع رغبتهم الأكيدة في الجهاد في سبيل الله، وهم لم يكونوا يعرفون أن هناك قتالاً، ومن بينهم أُسيد بن حضير الذي جاء إلى النبي وقال: "يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقرَّ عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًّا، ولكن ظننت أنها عيرٌ، ولو ظننت أنه عدو ما تخلّفت". فقال له : "صَدَقْتَ"[1] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn1).
فمشاعر الندم هذه التي كانت في قلوب الأنصار والمهاجرين الذين لم يشاركوا في غزوة بدر، سيكون لها أثرٌ إيجابيٌّ وواضحٌ في مقدمات غزوة أُحد كما سيتبيَّن لنا، فكان لغزوة بدر أثرٌ إيجابيٌّ كبير على الجيش المسلم، وأثرٌ إيجابي أيضًا على الذين لم يشاركوا، وقامت الدولة الإسلامية على أكتاف هؤلاء وهؤلاء.
آثار غزوة بدر على المشركين
مكانة قريش بين العرب بعد بدر
في الوقت الذي كان لغزوة بدر آثارها الإيجابية على المسلمين كان هناك أثرٌ سلبيٌّ على المشركين في مكة الذين فجعوا بهذا الحدث الضخم، فكانت بدر ضربة قاسمة هائلة لقريش، وهزة عظيمة جدًّا لكبرياء وكرامة وعزة قريش؛ فقد كانت أمنع قبيلة في العرب وأعز قبيلة، وصاحبة التاريخ المجيد، وكانت تحظى باحترام كل القبائل العربية، ولكن بعد (بدر) اهتزَّت مكانتها واختلف وضعها كثيرًا عن ذي قبل، فقد قُتل سبعون من المشركين ممن شاركوا في بدر، وأُسر سبعون آخرون، وهو عدد هائل وكبير بالمقارنة مع (سرية نخلة) التي قامت لها قريش ولم تقعد، وأشعلت حربًا إعلامية كبيرة ضد المسلمين، مع أنه لم يُقتل في هذه السرية غير واحد، ولم يؤسر غير اثنين. ووقعت قريش كلها في مأساة عظيمة بعد هذه الغزوة، والذين قتلوا من المشركين هم عمالقة الكفر وقادة الضلال وأئمة الفساد في الأرض، فمنهم فرعون هذه الأمة أبو جهل عليه لعنة الله، ومنهم الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيْط، وأمية بن خلف، وأسماء ضخمة جدًّا ومشهورة من هؤلاء السبعين الذين قُتلوا، وكان قتلهم جميعًا في يوم واحد[2] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn2).
وتخيَّل هذا الخبر عندما يصل إلى أسماع أهل مكة! وتعالَوْا نرى الْحَيْسُمان بن عبد الله الخزاعي، وهو مَنْ أبلغ الخبر إلى أهل مكة.
قالوا: "ما وراءك؟"
قال: "قُتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، في رجال من الزعماء سماهم". أي أنه ظل يذكر لهم زعماء ورجالات قريش الذين قُتلوا.
فلما قال ذلك، قال صفوان بن أمية بن خلف -وهو من قادة الكفر حينئذٍ-: "والله إن يعقل هذا -أي أنَّ هذا الرجل لا يعقل- فاسألوه عني".
فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ وهو لم يشارك في بدر.
فقال: "ها هو ذا جالسًا في الحِجْر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قُتلا".
ووقع الخبر كالصاعقة على أهل قريش، ولم يصدِّقوا ما قال لهم الحَيْسُمان، وانتظروا رسولاً آخر يخبرهم بالخبر اليقين، فلا يُعقل أن يُقتل كل هؤلاء وفي يوم واحد. ثم جاء أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم الرسول ، فأول من رآه أبو لهب -وهو لم يخرج في غزوة بدر- فقال أبو لهب لأبي سفيان: "هلم إليَّ؛ فعندك لعمري الخبر".
فجلس إليه والناس قيام عليهما، فقال أبو سفيان: "ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا". ثم يقول كلمة عجيبة: "وايم الله مع ذلك ما لُمْتُ الناس، لقِيَنَا رجالاً بيضًا على خيل بَلْق (أي بيضاء) بين السماء والأرض، والله ما تُليق شيئًا (أي: ما تترك أمامها شيئًا)، ولا يقوم لها شيء"[3] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn3). وأبو سفيان يصرِّح بهذه الكلمات أمام المشركين، وهم يسمعون ولا يصدقون ولا يؤمنون.
وكان ممن حضر هذا الموقف من المسلمين الذين يخفون إسلامهم، أبو رافع ، وهو غلام العباس بن عبد المطلب وقد أُسر العباس في بدر، قال أبو رافع: "تلك والله الملائكة ". يقول أبو رافع: "فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورْتُه[4] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn4)، فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك عليَّ يضربني، وكنت رجلاً ضعيفًا، فقامت أم الفضل -وهي زوج العباس رضي الله عنها وكانت تكتم إسلامها- إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربةً فلقت في رأسه شجَّةً منكرة، وقالت: تستضعفه أنْ غاب عنه سيده؛ فقام مولِّيًا ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله بالعَدَسة[5] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn5) فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثًا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما! ألا تستحيان؟! إن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه. قالا: إنا نخشى هذه القرحة. قال: انطلقا، فأنا معكما. فما غسلوه إلا قذفًا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه"[6] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn6).
وهذه النهاية لأبي لهب كانت بعد سبع ليال فقط من غزوة بدر، وفَقَد المشركون قائدًا آخر من كبار قوادهم بعد أن فقدوا هذا العدد من زعمائهم في بدر، وكانت نهايته في منتهى الخزي والعار والذلة والمهانة، مع أنه كبير بني هاشم، وكان من المفترض أن تكون هناك جنازة مهيبة لهذا القائد، وتَقْدُم وفود العرب لتعزّي في وفاته، لكن لم يحدث هذا؛ لأن العرب تتشاءم من المرض الذي مات به أبو لهب.
وكما نرى ترتَّب على انتصار المسلمين في بدر أزمات كثيرة للمشركين في مكة:
أولاً: أزمة سياسية: فقد فَقَدت قريش مكانتها بين العرب واهتزت هيبتها تمامًا.
ثانيًا: أزمة اجتماعية: فما من بيت في قريش إلا وقد أصيب منه واحد أو اثنان.
ثالثًا: الأزمة الكبيرة جدًّا والخطيرة أيضًا، وهي المشكلة الاقتصادية، حيث كانت قريش تعتمد على التجارة في رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وتمر إحدى الرحلتين على المدينة في طريقها إلى الشام، ووجود دولة في المدينة المنورة بهذه القوة بحيث إنها تسيطر على المداخل والمخارج المؤدية إلى الشام، هذه القوة -لا شك- ستمنع التجارة إلى الشام، ولو مُنعت التجارة مع الشام سقطت التجارة كُلِّيَّة في مكة، وستتأثر كذلك تجارة اليمن؛ لأنهم كانوا يأتون من الشام بما يبيعونه في اليمن، ومن اليمن بما يبيعونه في الشام، وهكذا.
فهي مأساة اقتصادية حقيقية لأهل مكة المكرمة، مع العلم أن قريشًا ما زالت متأثرة بأحداث سرية نخلة التي فقدت فيها قريش قافلة ثرية جدًّا، ثم نجت العير في بدر بصعوبة بالغة، ومن المستحيل أن تستمر التجارة مع الشام في ظل هذه الأجواء.
كان هذا هو حال مكة بعد بدر، ولا شك أن أهل الكفر لن يسكتوا على هذا الحادث، وهذا المصاب العظيم الذي أصابهم في بدر.
أثر غزوة بدر على الأعراب حول المدينة
كانت حياة الأعراب تقوم أساسًا على السلب والنهب، فكانوا لصوصًا وقطَّاع طرقٍ، وقيامُ دعوةٍ أخلاقيةٍ داخل المدينة المنورة ودولة قوية مثل دولة الإسلام، لا شك أن هذا الأمر سوف يحجِّم من السرقات وقطع الطريق الذي يقوم به الأعراب. وبعد أن انتصر الرسول في غزوة بدر، بدأ الأعراب يفكرون في محاولةٍ لجمع أنفسهم للقيام بغزو المدينة المنورة؛ لمنع هذه القوة من التنامي.
جمعت بنو سُليم الأعداد وأعدَّت نفسها لتغزو المدينة، وقد عَلِم النبي هذا الأمر، فجمع صحابته وانطلق إلى بني سُليم، وبمجرد أن رآه بنو سُليم فرُّوا في الجبال، وتركوا كل شيء، ورجع من بني سليم بمجموعة كبيرة من الغنائم ما يقرب من خمسمائة بعير، وقد تمَّ تقسيمها على جيش المدينة المنورة. كان هذا الأمر بعد بدر بسبعة أيام فقط، وازدادت رهبة المدينة المنورة والدولة الإسلامية الناشئة في الجزيرة العربية كلها.
وعلى غرار بني سليم كان هناك أكثر من غزوة في السنة التي تلت غزوة بدر.
انظر فلاشة أثر غزوة بدر على الأعراب حول المدينة (http://www.islamstory.com/flash.php?id=5816)
ظهور طائفة المنافقين
قبل بدر كان تقسيم الطوائف السكانية داخل المدينة المنورة: مسلمين ومشركين ويهود، لكن الآن وبعد بدر تغيُّر الوضع كثيرًا، فأصبحت الطوائف مسلمين ويهود، وتغيّرت شريحة المشركين فأصبحوا إما مسلمين عن اقتناعٍ بالإسلام، وإما منافقين.
إذن ظهرت طائفة جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك في كل مراحل الدعوة النبوية، وهي طائفة المنافقين، وهم لا يظهرون إلا إذا قويت شوكة الإسلام والمسلمين، فكثرة المنافقين إنما هي علامة صحِّيَّة تشير إلى قوة دولة الإسلام، ومن ثَمَّ تُنَافق هذه القوة، لكن عندما كانت ضعيفة لم يفكر أحد من المشركين أن ينافقها. وعلى رأس هذه الطائفة من المنافقين كان الرجل الذي يكره رسول الله كراهية شديدة، وهو عبد الله بن أُبيّ بن سلول؛ فبعد أن كان زعيمًا لمشركي المدينة أصبح زعيمًا للمنافقين في المدينة المنورة، وقد جاء هؤلاء المنافقون جميعًا بعد بدر يعلنون إسلامهم ظاهرًا وهم يبطنون الكفر في داخلهم، ولا شك أنه سيكون لهم الأثر السيئ على المسلمين في المدينة المنورة.
السيطرة العسكرية للمسلمين على الجزيرة العربية
استطاع المسلمون أن يصلوا إلى أماكن كثيرة من الجزيرة العربية، يظهر ذلك في سرية زيد بن حارثة، ولهذه السرية قصة رائعة ينبغي أن نقف عندها.
لما سيطر المسلمون سيطرة كاملة على شمال مكة المكرمة والطريق إلى الشام، بدأت قريش تفكر فيما ينبغي أن يفعلوا، والأمر جدّ خطير، فقد وقفت التجارة إلى الشام، وهذا عصب حياة أهل مكة، فاجتمعوا اجتماعًا كبيرًا وقال صفوان بن أمية لقريش -وكان قائدًا للحملة التي ينبغي أن تذهب إلى الشام في هذا العام-: "إن محمدًا وصحبه عوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نفعل بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل (ساحل البحر الأحمر)؟! وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامَّتهم معهم، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء".
فقام الأسود بن عبد المطلب وقال لصفوان ولمن معه من المشركين: "فَنَكِّبْ[7] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn7) عن الساحل وخُذْ طريقَ العراق"[8] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftn8).
هذا الطريق طويل جدًّا يخترق نجد إلى الشام، ويمرُّ هذا الطريق شرق المدينة، لكنه على بُعدٍ كبير جدًّا منها، ولم تكن قريش تعرف هذا الطريق، وإن أرادت أن تسير فيه فلا بد من دليل ماهر لكي يمر بها من هذا الطريق الوعر والصعب جدًّا، حتى يصلوا إلى الشام. وبالفعل اختارت قريش هذا الطريق، وكان دليلهم فرات بن حيان من بني بكر بن وائل.
وخرجت عيرُ قريش بقيادة صفوان بن أمية، منطلقة في الطريق الجديد، وعلى الفور نقلت المخابرات الإسلامية أخبار هذه القافلة، وجهَّز رسول الله سريعًا سرية بقيادة زيد بن حارثة ، وكان قوام هذه السرية مائة راكب، وانطلقت السرية مسرعة لقطع طريق هذه القافلة. وبالفعل نجحوا في الإمساك بالقافلة، وفرَّ صفوان بن أمية ومن معه، وبقي فرات بن حيان دليلُ القافلة، وأخذ المسلمون القافلة بكاملها وأُخذ فرات بن حيان أسيرًا، فكانت غنيمة كبيرة جدًّا من الأواني والفضة التي كانت تحملها القافلة للتجارة بالشام، وقد قُدِّرت قيمة هذه القافلة بمائة ألف دينار، قُسِّمت على أفراد السرية بعد أن أخذ منها النبي الخُمْس، وأسلم الأسير فرات بن حيان بعد ذلك، فكانت هذه ضربة في منتهى القوة لقريش، ومأساة شديدة ونكبة كبيرة أصابت قريشًا بعد بدر.
انظر فلاشة السيطرة العسكرية للمسلمين على الجزيرة العربية (http://www.islamstory.com/flash.php?id=5817)
كان ذلك في جمادى الآخرة سنة 3هـ، أي بعد عشرة أشهر من غزوة بدر، فكانت سيطرة المسلمين على الجزيرة العربية مستمرة وليست سيطرة عابرة، وكان لا بد -إذن- أن تتحرك قريش لهجوم كاسح شامل على المدينة المنورة، وكان هذا من مقدمات غزوة أُحُد.
د. راغب السرجاني
[1] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref1) ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1971م، 2/ 472.
[2] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref2) ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص708- 710.
[3] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref3) ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص646، 647.
[4] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref4) ثاورته: ثبت إليه.
[5] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref5) العدسة: قرحة قاتلة كالطاعون. وقد عدس الرجل: إذا أصابه ذلك.
[6] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref6) ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1971م، 2/479.
[7] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref7) أي: اعتزل هذا الطريق واتركه.
[8] (http://www.islamstory.com/%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1_%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9_ %D8%A8%D8%AF%D8%B1#_ftnref8) الواقدي: المغازي 1/197.
http://www.albdoo.info/imgcache/2618ba1b681ee45ada755601c1372331.jpg
غرناطة الأندلس
08-13-2010, 01:08 PM
تعامل رسول الله مع أسرى بدر
http://www.arabsyscard.com/islamsignature/jhad/8.jpg
د. راغب السرجاني
أسرى بدر
أسر المسلمون في غزوة بدر سبعين أسيرًا، فماذا سيفعل المسلمون في هؤلاء الأسرى؟ فإلى هذه اللحظة لم يكن هناك تشريعٌ يوضح أمر التعامل مع هؤلاء الأسرى، فكان لا بد أن يتصرف رسول الله بإحدى طرق التشاور التي اعتاد أن يتعامل بها مع الصحابة ؛ فقام بعمل مجلس استشاريّ بأنْ جمع صحابته ، وبدأ يسألهم ويستشيرهم في أمر الأسرى.
موقف أبي بكر الصديق
فقال المستشار الأول لرسول الله (أبو بكر الصديق) : "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا".
لقد كان يغلب على رأي أبي بكر جانب الرحمة، فهو يرى أنهم بنو العم والعشيرة، والدولة في حاجة إلى ما سيؤخذ من أموالهم، وربما يؤمنون بعد ذلك، وهذا خير من أن يموتوا على الكفر. وقد كانت اختياراته قريبة من اختيارات رسول الله ؛ نظرًا لتقارب طبيعتي الرسول ، فكان يغلِّب جانب الرحمة على جانب القوة، كما كان يصفُ الصِّدِّيق ويقول: "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ"[1] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn1). وأبي بكر
موقف عمر بن الخطاب
لما أنهى أبو بكر كلامه قال للمستشار الثاني: مَا تَرَى يَابْنَ الْخَطَّابِ؟
فقال عمر بن الخطاب : والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنني من فلان -وذكر قريبًا له- فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب -أخيه- فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فكان رأيه شديد الحسم؛ ففي رأيه أن يُقتل السبعون، وعلى أن يقتل كلٌّ قريبه؛ حتى يُظهِر كل مسلم حُبَّه لله، وأنه ليس في قلبه ولاء لأيِّ مشرك مهما كان، حتى وإن كان أقرب الناس إليه. فكان هذا هو رأي عمر بن الخطاب ، يقول النبي في الحديث: "وَأَشَدُّهَا -أي الأمة- فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ"[2] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn2).
فهذان رأيان، وكلاهما مبنيٌّ على الحب الكامل لله تعالى ولأمر الدعوة والدولة الإسلامية، لكن كلاًّ منهما له طريقته، وكلاهما مختلف تمام الاختلاف عن الآخر.
أحدهما يقول: نأخذ الفدية، والآخر يقول: نقتل الأسرى.
يقول عمر بن الخطاب : "فهوى رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخذ منهم الفداء". فلما كان من الغد، يقول عمر: "فغدوتُ إلى رسول الله وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما".
إنها أحاسيس راقية جدًّا في قلب سيدنا عمر بن الخطاب .
فقال : "لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهُمُ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ"[3] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn3). وأشار إلى شجرة قريبة، وأنزل الله قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67]، أي: يكثر القتل.
{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67]، أي: أخذ الفدية.
{وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
ثم قال: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68]. والعذاب العظيم هو ما تحدَّث عنه النبي لعمر بن الخطاب، أنه كان أدنى من الشجرة. والكتاب الذي سبق هو الآيات التي نزلت قبل ذلك في سورة محمد ، قال الله في شأن الأسرى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4].
فأمر الفداء أمر مشروع، لكن الأولى هنا كان أن يثخن في الأرض. وكان سعد بن معاذ يرى مثل رأي عمر بن الخطاب ، وقد قال ذلك مبكرًا عندما بدأ المسلمون يأسرون المشركين، وقبل الاستشارة، وقد نظر النبي لسعد بن معاذ عندما بدأ المسلمون في أسر المشركين، فوجده حزينًا، فقال له: "وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَفْعَلُ الْقَوْمُ"، أي من أسر المسلمين للمشركين. فقال سعد: "أجَلْ، والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال"[4] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn4).
واستقر رأي المسلمين على استبقاء الأسرى وأخذ الفدية منهم، وعندما أوحى الله بالآيات لم ينكر عليهم هذا الأمر، ومع أن الله ذكر أن الأولى كان الإثخان في الأرض، إلا أنه أقرَّ أخذ الفداء، وبدأ المسلمون في أخذ الفداء؛ فمن كان معه مال كان يدفع منه، وكان ما يُدفع هو ما بين ألف إلى أربعة آلاف درهم للرجل، وكلٌّ بحسب حالته المادية.
رسول الله يفدي عمه العباس
من أروع الأمثلة التي تُذكر في أمر الفداء، ما دار بين رسول الله والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ، وقد كان أسيرًا في يوم بدر، وكان قد خرج مُستكرَهًا إلى بدر، وقاتل مع المشركين، وأُسِر مع من أُسر، وكان رجلاً غنيًّا، وسوف يدفع فدية ليفتدي نفسه، ودار بينه وبين رسول الله هذا الحوار الرائع، الذي ينقل درجةً من أرقى الدرجات في قيادة الدول، فلا يوجد أيُّ نوع من الوساطة أو المحاباة لأحد من الأقارب أو الأهل أو العشيرة.
قال العباس: "يا رسول الله، قد كنت مسلمًا". أي أنه كان يُخفِي إسلامه، ومن ثَمَّ فلا يدفع الفداء.
فقال رسول الله : "اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلاَمِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا؛ فَافْتَدِ نَفْسَكَ، وَابْنَيْ أَخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو".
فقال العباس: ما ذاك عندي يا رسول الله.
فقال : "فَأَيْنَ الْمَالَ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ، فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَهَذَا الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتُهُ لِبَنَيَّ: الْفَضْلِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَقُثَمٍ".
فقال العباس: "والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله؛ إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي".
فقال رسول الله : "ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْكَ". وأنزل الله : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70].
وهذه الآية نزلت في العباس ، وقد قال بعد ذلك: "فأعطانا الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله "[5] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn5).
هذا الأمر يوضِّح لنا كيف كان رسول الله يطبِّق القانون على الجميع، حتى على العباس بن عبد المطلب، وكان الصحابة أنفسهم يستعجبون لهذا الأمر، وقد كان في قلوب الأنصار رِقَّة عجيبة، فلما رأوا هذا الأمر أشفقوا على رسول الله من أن يأخذ الفداء من عمه، وعمه الذي يحبه، فقد كان العباس واقفًا مع رسول الله في بيعة العقبة الثانية، ومعنى ذلك أنه كان قريبًا جدًّا من قلب النبي ، وليس كأبي لهب مثلاً؛ فجاء الأنصار إلى الرسول وحاولوا أن يُعفوا العباس من الفدية لكن بطريقة في غاية اللطف والأدب، فقد كانوا قمة في الأخلاق وفي الإيمان، فقالوا له: "يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه"[6] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn6).
وجَدَّة العباس من بني النجار من الخزرج، الذين هم من الأنصار، فهم يطلبون من الرسول أن يُعفِي عمَّه، لا لأنه عمه، لكن لأنه قريب لهم من هذه الناحية. ولكن الرسول رفض ذلك تمامًا، وأصرَّ على أخذ الفداء، بل أخذ من العباس نفسه أعلى قيمة للفداء، وهي أربعة آلاف درهم للرجل.
موقف آخر مع سهيل بن عمرو
كان سهيل بن عمرو من قادة قريش، وكان أسيرًا في بدر، وهو ممن عرفوا بحسن البيان والخطابة، وكان يحمِّس المشركين على قتال الرسول ، وعندما أخذه المسلمون أسيرًا كان من رأي عمر بن الخطاب أن تُنزع ثَنِيَّة -وهي الأسنان الأمامية- سهيل بن عمرو؛ لئلاّ يقف خطيبًا ضد المسلمين بعد ذلك؛ فقال: "يا رسول الله، دعني أنزع ثَنِيَّتَيْ سهيل بن عمرو، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا". ورفض رسول الله هذا الأمر، وتظهر نبوءة جديدة لرسول الله في هذا الموقف، حين قال: "عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لاَ تَذُمُّهُ"[7] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn7).
وقد حدث هذا عندما ارتدت العرب، فقد وقف سهيل وخطب في الناس وثبَّتهم على الإسلام في مكة المكرمة، وكان مما قال: "إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوةً، فمن رابنا ضَرَبْنا عُنُقَه"[8] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn8)؛ فثبت الناس في مكة على الإسلام.
صور أخرى من الفداء
كانت هذه إحدى صور الفداء وهي الفداء بالمال، وكان بعض الأسرى من الفقراء، فرأى النبي أن بعض الأسرى يعرفون القراءة والكتابة، والأمة الإسلامية في ذلك الوقت لم تكن قد تعلمت بعدُ، ومن يقرأ ويكتب إنما هم قليل، فكان يفتدي هؤلاء المشركين بأن يُعلِّم كلٌّ منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة. ويوضح هذا الأمر دقة النبي وبُعد نظره وعمق فهمه، فهو هذا الحدث العظيم؛ وهو وجود سبعين أسيرًا من المشركين، بعضهم يعرفون القراءة والكتابة في أن يعلِّم الأمة. يريد أن يعلِّم الأمة القراءة والكتابة من أول أمرها، فقد استثمر
وقد منَّ النبي على بعض الأسرى بغير فداء، وأطلقهم هكذا دون أن يأخذ منهم شيئًا، ومنهم أبو عزة الجمحي وكان رجلاً فقيرًا، وقال للرسول : "لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن عليَّ". فمنَّ عليه ، لكن أخذ عليه عهدًا ألاَّ يظاهر عليه أحدًا، ولكنه لم يفِ بعهده، ونال جزاءه بعد ذلك.
وقَتَلَ النبي أسيرين هما: عقبة بن أبي مُعَيْط، والنضر بن الحارث؛ لأنهما كانا من أكابر مجرمي قريش، أو ما نسمِّيهم اليوم مجرمي الحرب.
حكم الأسرى في الإسلام
وقد نزل بعد ذلك التشريع الإسلامي في شأن الأسرى، وهو أن الإمام له الخيار في شأن الأسرى بين أربعة أمور:
1- المنّ بغير فداء.
2- الفداء: وقد يكون بمال، أو بتعليم الغير، أو بأسير مثله (تبادل أسرى).
3- القتل لمجرمي الحرب، أو المعاملة بالمثل إذا كان أعداء الأمة يقتلون الأسارى من المسلمين.
4- الاسترقاق وهو الاحتفاظ بالأسير رقيقًا إلى أجلٍ يحدده الإمام، حسب ما يرى من احتياج المسلمين.
فللإمام أن يختار بين هذه الأمور الأربعة، وللحاكم أن يتعاهد مع دولة ما أو مجموعة من الدول في طريقة التعامل مع الأسرى، كأن يتم الاتفاق مع مجموعة من الدول على أنه لا استرقاق خلال العشر سنوات القادمة، أو لا قتل للأسرى خلال فترة محددة، وهكذا ما دام الشرع يسمح بأكثر من طريقة للتعامل مع الأسرى.
منهج الإسلام في التعامل مع الأسرى
لكن هناك شيء في غاية الأهمية؛ وهو أنه إذا تمَّ الاختفاظ بالأسير، فلا بد من إكرامه ولا بد من رعايته رعايةً أخلاقية سامية تليق بدين الإسلام، قال الله : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].
أي أنه مع حالة الفقر والحاجة الشديدة التي تمرُّ بالمسلمين إلا أنهم مع ذلك (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا).
وقد غرس النبي هذا الأمر في صحابته منذ اليوم الأول لوجود أسرى معهم، وقال لهم : "اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا".
وقد بذل الصحابة كل خير للأُسارى، مع أنهم كانوا منذ أيام قليلة يحاولون قتل المسلمين، مع هذا نَسِي المسلمون ذلك تمامًا، وتذكروا قول الرسول : "اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا".
يقول أبو عزيز بن عمير -وهو ممن أسر في بدر، وهو أخو مصعب بن عمير- يقول: "كنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم، أكلوا التمر وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله إياهم بنا"[9] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn9). وكان لهذا الأمر الأثر الكبير في نفسية أبي عزيز الذي ما إن أُطلق حتى أعلن إسلامه .
وكان أبو العاص بن الربيع أيضًا في أسارى بدر، يقول: "كنت في رهط من الأنصار، جزاهم الله خيرًا". وأسلم بعد ذلك ، وكان زوجًا لبنت رسول الله السيدة زينب رضي الله عنها، ومع هذا كان أحد الأسرى.
يقول : "كنت في رهط من الأنصار، جزاهم الله خيرًا، كنا إذا تعشَّينا أو تغدَّينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ"[10] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn10) .
وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة -وهو أخو خالد بن الوليد - من أسارى بدر، كان يقول مثل ذلك وأكثر، يقول: "وكانوا يحملوننا ويمشون"[11] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftn11) . أي إذا رأوا منهم جريحًا أو مريضًا أو متعبًا، حملوه رفقًا به.
وهذا هو منهج الإسلام الذي جعلهم يدخلون في الإسلام؛ فقد أسلم أبو العاص بن الربيع، وأبو عزيز بن عمير، والسائب بن عبيد، والوليد بن الوليد.
د. راغب السرجاني
[1] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 1) رواه الترمذي (3790، 3791) ترقيم شاكر، وابن ماجه (154) ترقيم عبد الباقي، وأحمد (12927) طبعة مؤسسة قرطبة. قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (895) في صحيح الجامع.
[2] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 2) رواه أحمد (12927)، وصححه شعيب الأرناءوط.
[3] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 3) رواه أحمد (208)، وصححه شعيب الأرناءوط. وانظر: المباركفوري: الرحيق المختوم ص210.
[4] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 4) ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص 628.
[5] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 5) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420هـ- 1999م، 4/92.
[6] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 6) البخاري: كتاب العتق، باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى إذا كان مشركًا (2400)، ترقيم البغا.
[7] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 7) ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص649.
[8] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 8) السابق نفسه، القسم الثاني (الجزء الثالث والرابع) ص666.
[9] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 9) ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص645.
[10] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 10) الواقدي: المغازي 1/119.
[11] (http://www.islamstory.com/%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1_%D9%82%D8%B5%D8%A9_ %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9#_ftnref 11) السابق نفسه، الصفحة نفسها.
http://al3ssas.jeeran.com/1126790918_Rad6.gif
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.