المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لمحات نقدية من خلال الحلّة السِّيَراء لابن الأبار البلنسي


نور الدين الصوفي
01-18-2009, 05:39 PM
لمحات نقدية من خلال الحلة السيَراء لابن الأبار البلنسي


لم تزل إنتاجات أبي محمد عبد الله ابن الأبار القضاعي البلنسي ( 595 ه – 658 ه ) ( 1 ) الشعرية و الأدبية و التاريخية ، تشدنا إليها و تحفزنا على تعميق الدراسة و مواصلة السبر و التحليل لاستجلاء مواطن الإبداع و الخصوصية فيها و الوقوف على ثقافة صاحبها و مكانته العلمية بين الأفذاذ من أعلام عصره . و إذا كان شعر ابن الأبار قد استأثر ببعض من تهمم الباحثين ، فاستجلوا ثوابته الفنية و المضمونية ، فإن باقي كتاباته كالحلة و التكملة و الدرر و الإعتاب...لم تحظ بكبير عناية ، بالرغم من قيمتها العلمية و الأدبية .
و لعل كتاب الحلّة السيراء في شعر الأمراء ( 2 ) من بين أهم ما ألف ابن الأبار ، إذ لهج بالثناء عليه القدماء و المحدثون لما له من قيمة تاريخية و أدبية ، فهو في رأي محققه أحسن كتب ابن الأبار و أعظمها فائدة ، بل هو من عيون ما ألّف أهل الأندلس قاطبة و من المراجع التي لا يستغني من يؤرخ أو يكتب في أي ناحية من نواحي الحياة الأندلسية.. (3 )و بالتالي فإن هذا الكتاب يختزل بين ثناياه جل السمات و الملامح الثقافية للمؤلِف ، إذ نجد فيه ابن الأبار المؤرخ و المترجم و الأديب و الناقد..كل ذلك في وحدة و تماسك ينفيان عن الكتاب طابع التعارض ، حيث يلتقي في الكتاب ما هو تاريخي بما هو أدبي و نقدي دون هجانة أو تكلف .

أما ابن الأبار القضاعي البلنسي فهو علم الأعلام و واحد تلك العصبة من المثقفين الأندلسيين الذين شرف بهم القرن السابع و شفّ بهم على غيره من العصور أمثال ابن عبد الملك المراكشي و أبي الربيع سليمان الكلاعي و أبي المطرّف بن عميرة و غيرهم..و ما تحدثت عنه المصادر القديمة من ثقافة ابن الأبار و سعة اطلاعه يغنينا عن التكرار .(4)
و قد جاء تأليف ابن الأبار لكتاب الحلّة السيراء استجابة لطلب لأمير الحفصي أبي زكريا يحيى ، وقد أهداه إليه على سبيل التقرب إليه و نيل الحظوة لديه ، وليدلل على تميّز شعر الأمراء و تعبيره عن ذكائهم و علمهم ، و إذا أخذنا بالاعتبار الشخصية التي وُجه إليها الكتاب و الشروط التاريخية التي أحاطت بالتأليف شعرنا بخصوصية هذا الإنتاج و فرادته ، فلم تكن الفترة التاريخية آنذاك على قدر كبير من الهدوء بل نجد روح الاضطراب هي السائدة إذ أذكتها الصراعات المذهبية المتجسدة في دولتي الحفصيين و الموحدين ، ثم تربص العدو المسيحي بأراضي المسلمين في الأندلس إضافة إلى الفتن التي ما فتئ بنو غانية الميورقيون و أحلافهم من العرب يثيرونها في بلاد أفريقية..
و قد كان ابن الأبار مدركا لكل هذه العناصر فلم يحاول التعرض لثوابت الدولة الحفصية بل انساق معها ، ممجدا لأمرائها و معترفا بآلاء الأمير الحفصي عليه ، كما سعى إلى إثبات أصالة أفريقية بالخصوص من خلال إثبات أشعار الأمراء الذين حكموها منذ عمرو بن العاص والي عمر على مصر و الذي غزا طرابلس سنه 23 ه ، و كانت طرابلس حينئذ من أحواز أفرقية – إلى أبي علي عمر من البيت الحفصي الذي كان له ديوان ضم شعرا كثيرا ، وقد برهن ابن الأبار على وفائه للحفصيين إذ " لم يعرض لمن أعرضت عنهم الدولة الحفصية بالخلعان ، و انتزعت ما كان بأيديهم تراثا لها من الملك و السلطان " ( 5 ) و هو يشير إلى بني غانية الذين حكموا أفريقية ردحا من الزمن ثم استطاع أبو محمد عبد الواحد الحفصي القضاء عليهم سنة 603 ه .
و لنا أن نتساءل الآن : ما هو الطابع العام الذي يؤطر المادة الأدبية في الحلة ؟ نبادر فنقول إن الحلة السيراء هي انطولوجيا لشعر الأمراء و ذوي المجادة من القادة و الأدباء و الشعراء الذين ضمهم الغرب الإسلامي طيلة سبعة قرون . و لفظة انطولوجيا تطلق عادة على قطع مختارة من شعر الشاعر ، و يتضمن الاختيار و جود مقاييس و ضوابط معينة ، أي عملية نقدية تستهدف انتقاء أفضل ما نظمه الشاعر في تيار أو فن بعينه . و يصرح ابن الأبار بالطابع الاختياري لكتابه فيقول " و إنما أورد منه الفرائد و أقصد إليه من القصائد و ها هي تضيق عنها المهارق و تضيء منها المغارب و المشارق " ( 6 ) و قد تحرى التدقيق في اختيار الشواهد فأتى بها " نكتا لها بانتخابها أحسن المواقع و عيونا هي باقتضائها أجول في المحافل و أولج في المسامع " ( 7 ) .
لكن يبرز أمامنا إشكال لا مناص من طرحه، و يتعلق بشعر الأمراء عموما، إذ من المعلوم أن أغلب الأمراء لا يقولون الشعر، و حتى إن قالوه فهو نزر قليل لا يحقق كثافة شعرية تضمن سلامة الاختيار. بالإضافة إلى أن هذا الشعر موصوف في أغلبه بالغثاثة و الابتذال حاشا بعض الأمراء أمثال المعتمد بن عباد و أبيه و جده و آخرين لا مجال لذكرهم ، و من ناحية أخرى فإن هذا الشعر الذي روي لهم لا يمثل إلا الشاذ القليل مما أبدعوه كما ينص على ذلك ابن فرج في كتابه الحدائق ، و يرد ابن الأبار على هذا القول الأخير ذاهبا إلى أن " إكثار الأمراء من الشعر دال على قوة عارضتهم و سعة ذرعهم ، و حاكم بمعانة مادتهم و تمكن تصرفهم و لولا ذلك لما فضل ابن المعتز أهل بيته بالإبداع في أنواع القريض و كذلك تميم بن المعز المتقيل أثره في الإكثار و الإتيان بما قيد و خلد من بدائع الأشعار ، و لا أبلغ من الاحتجاج و أقطع للخصم المتناهي اللجاج مما هو عليه مولانا من تحبير الغرائب و تسيير الكلم الغر أثناء المشارق و المغارب ، و هو البرهان على رحب المجال و تحصيل أسبا الفضل و أشتات الكمال " ( 8 ) ، و يبدو أن ما احتواه كتاب الحلة من مادة شعرية وافرة كان تعضيدا لهذا الرأي و تدليلا على صدقه و حصافته .
و لا يكتفي ابن الأبار بإيراد النصوص الشعرية بل يحاول ربطها أحيانا بالسياق الذي قيلت فيه ، و نفهم هذه التقنية بإرجاعها إلى ما قام به المؤرخون القدماء في كتب المغازي و السير أو في كتب الطبقات و التراجم حيث نشهد امتزاج الشعر بالأخبار و الوقائع و بالخصوص ما يتعلق بالحماسة أو أيام العرب ، و نستشهد على ما قدمنا بمقطع لابن الأبار يتحدث فيه عن أبي الجو شن الصميل الكلابي فيقول " و هو القائل عندما أغار الطائيون على داره بشقندة يوم المصارة عند انهزام الفهري و استخلاف عبد الرحمن :

ألا إن مالي عند طيّ وديعة و لا بد يوما أن تردّ الودائع
سلوا يمنا عن فعل رمحي و منصلي فإن سكتوا أثنت عليّ الوقائع ( 9 )
و بتأملنا للخطرات النقدية التي تضمنتها الحلة تستطيع التمييز بين شقين : نظري و يتناول العناصر التالية :

النزعة الأخلاقية : إذ يظهر من بعض النقول أن ابن الأبار يركز على الجانب الأخلاقي في الشعر فلا يروي منه ما نافى حسن الأخلاق و لا يدع الفرصة تمر دون الإشارة إلى الذين اشتهروا بهذا الجانب كقوله " و من جيد العذر لولا شوبه بالهجر " ( 10 ) و نفهم منه أن اشتمال القصيدة على الفحش يحط من جودتها و ينقص من كمالها ، و بهذا الاعتبار فإن ابن الأبار لا يثبت من شعر مترجميه إلا ما تحاشى الهُجر و تجنبه إذ لا نجد فيه ما يتحرج منه القارئ و لو كان الشعر هجائيا عكس ما نجده في بعض مؤلفات الفترة كزاد المسافر لصفوان ابن إدريس و المغرب لابن سعيد...و يشير ابن الأبار إلى هذا الجانب عند تعرضه لأبي بكر بن عمار و هجوه للمعتمد فيقول عن إحدى قصائده " و هو شعر أقذع فيه "( ) و يصوغ فكرة عامة في ذلك فيقول " و كان ابن عمار شاعر الأندلس غير مدافع و لا منازع ، إلا أن مساوئ أفعاله ذهبت بمحاسن أقواله ، أدمن الخمر و هون على نفسه العذر " ( 11 ) ، و نستنتج من القولة أن لأخلاق الشاعر الأثر الكبير في سيرورة شعره و تهافت الناس عليه وإقدامهم على روايته و نقله .
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو : ما هي خلفيات و أصول النزعة الأخلاقية في نقد ابن الأبار ، هذه النزعة التي نصبها أمام عينيه و جعلها محكا لما أثبته من قصائد و مقطعات ؟ يمكننا أن نرجع ذلك إلى عاملين ، عامل ذاتي يتجلى في قناعات ابن الأبار و أخلاقياته الخاصة التي كفلتها له نشأته في بيت علم و دين و صون ثم ثقافته الدينية المشهودة كمحدث و فقيه و مقرئ على الرغم مما قيل عن مزاجه العصبي و سرعة غضبه . أما العامل الموضوعي فيمكن تلمسه في تركيب الدولة الحفصية نفسها ، فقد قامت على أساس من نصرة الدين و إعلاء شأنه تحت راية التوحيد و المذهبية الموحدية التي تخلى الخلفاء من بني عبد المؤمن- خاصة المأمون- عن التمسك بها و الدفاع عن مبادئها كما سطرها مهديهم ابن تومرت . و بالتالي فقد اعتمدت دولتهم على سوق ثلاثة هي العظمة و الدين و التجديد..
الشعر بين الجودة و الضعف : من خلال دراستنا للحلة استنتجنا أن ابن الأبار كان يميز بين النمطين أي الإجادة و التقصير غير أنه لا ينبهنا إلى مواطن الجودة و الإصابة و لا إلى عوامل الفجاجة و الضعف بل إن ملكة التمييز عنده تبقى مضمرة مستترة فلا يصرح بثوابت أحكامه و لا يكشفها للقارئ ، و لعل في هذا النص الذي نسوقه نموذجا مما قررناه ، فقد ذكر ابن الأبار عن إبراهيم بن أبي إبراهيم بن الأغلب أنه " لم يكن يوصف بعلم بارع ولا أدب و كان ربما صنع من الشعر شيئا ضعيف فمن ذلك قوله :
نحن النجوم بنو النجوم و جدنا قمر السماء أبو النجوم تميم
و الشمس جدتنا فمن ذا مثلنا متواصلان : كريمة و كريم

و حذف هذا النظم الغث أولى من إثباته ، و ليته بعقاب أهل بيته عوقب على أبياته " ( 12 ) و إذا أمعنّا النظر في هذه الأبيات استطعنا الخروج بخصائص حكمت عليها بالضعف من بينها :
- التكرار اللفظي في كلمات : النجوم ، جدنا ، كريم .
- الإحالة المعنوية.
- ركاكة التعبير.
ولعل هذه العناصر هي التي حدت بابن الأبار إلى الحكم على البيتين بالضعف بالرغم من أن اختياره لعيون الشعر وغرره يمنعه من إيراد الضعيف و الساقط إذ يقول عن أبيات لأحد الشعراء " و له أبيات لم يجد رصفها فرأيت حذفها " غير أن ابن الأبار لا يبقى وفيا لشرط كتابه حيث يثبت أشعارا و مقطوعات وسمها بالقصور و الضعف ( 13 )

الطبع و الاكتساب : إننا لا نجد عند ابن الأبار نظرية متكاملة في الشعر تجعله يهتم بأصول القول الشعري ، بل إن حديثه عن ذلك يأتي في سياق الإشارات السريعة التي يعقب بها على مختاراته الشعرية . و من ذلك أن ابن الأبار يفضل أو بالأحرى يقول بالموهبة كأساس لقول الشعر و نظمه ، و في هذا المجال يعرض للأمير عباد بن محمد المعتضد بالله فيقول " و نظر بعد ذلك في الأدب ، قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان ، أدنى نظر بأذكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غبر تعهد لها و لا إمعان في غمارها و لا إكثار من مطالعتها و لا منافسة في اقتناء صحائفها أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام و قرض قطع من الشعر ذات طلاوة في معان أمدته فيها الطبيعة و بلغ منها الإرادة و اكتتبها الأدباء للبراعة" (14 ) و من هذه القطعة يمكننا استنتاج ما يلي :
- أن الأمير عبادا لم يكن ذا ثقافة أدبية واسعة ن و يظهر في هذا ملمح من منهجية ابن الأبار في الترجمة لأعلام كتابه حيث يلح على التكوين الثقافي للفرد و على مؤهلاته العلمية ، و يعني ذلك أن سعة الثقافة ليست شرطا في جودة الإبداع .
- أن طبع المترجم و ذكاءه أعاناه على فهم و استيعاب جملة من الأشعار و على تمثل معانيها و ترسم خطاها.
- أن موهبته الأدبية ساعدته في فنّي المنظوم و المنثور باعتبار أن كليهما يحتاج لموهبة و قريحة.
- أن شعره بهذه الصفة يتوفر من الناحية الشكلية على خاصية الطلاوة و من الناحية المعنوية على الطبع المجافي للتكلف مما جعل الأدباء يكلفون بتقييده .
و بنا ء على ما قدمناه فإن أحسن الشعر عند ابن الأبار هو ما أرسلت فيه النفس مع سجيتها أو ما انبعث من طبع الشاعر دون تكلف أو تصنع ، لكن هل يتوافق هذا مع ما عهدناه من شعر ابن الأبار نفسه ؟ لا نبتعد كثيرا في التأويل فنقول بإجمال إن جانب الطبع ركز عليه ابن الأبار في الحلة كأساس لقول الشعر غير ما مرة فهو كثيرا ما يشير إليه في تراجم شعرائه مثلما نجد في ترجمة لعبد الرحيم بن الفرس الثائر بأحواز مراكش فيقول عنه " و كان شاعرا مطبوعا " ( 15 ) و يعزز رأيه هذا بإيراد أشعار له في الحماسة و الفخر كانت مناط الحكم و متعلّقه كقوله :
قولوا لأبناء عبد المؤمن بن علي تأهبوا لوقوع الحادث الجلل
أتاكم خير قحطان و عالمها و صاحب الوقت و الغلاب للدول
و الناس طوع عصاه و هو قائدهم بالأمر و النهي نحو العلم و العمل
فبادروا أمره فالله ناصره و الله خاذل أهل الزيغ و الزلل

اللفظ و المعنى : لا نريد من هذا الجانب أن نثبت علاقة بين ناقدنا ابن الأبار و القضية النقدية المعروفة التي صبغت نقدنا العربي القديم بصبغة خاصة في فترة معينة من تطوره ن إذ أن النصوص القليلة التي لا تتجاوز لفظتين أو عبارتين و التي علق بها ابن الأبار على بعض الأشعار لا تسعفنا بالاستفاضة في التحليل و التأويل ، غير أن ما يتضح من هذه اللمحات أن ابن الأبار قد نظر إلى منتقياته من جانبي اللفظ و المعنى كحديثه عن قصيدة عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني النونية بأنها " يتداولها القوّالون لعذوبة ألفاظها و سلاستها " ( 16 ) و لا يخفى أن هذه الخاصيات بالإضافة إلى الوزن الذي اختير للقصيدة جعلاها تسير على الألسنة حيث تعد من عيون الشعر الأندلسي ، ولعل ابن الأبار كان يشترط في مختاراته إلى جانب سلاسة الألفاظ حسن الربط بين أجزائها و اتساقها ، إلا أنه أحيانا يخالف شرطه و يتجه وجهة أخرى تتقارب مع أساليبه الشعرية التي ربما كانت تعتمد إلى جانب استعمال كلمات و ألفاظ غريبة من حين لآخر محاولة البحث عن معاني و أفكار عميقة و بعيدة . فعند حديثه مثلا عن سليمان بن الحكم يرى أن له " قصائد طويلة في فنون كثيرة مع المعاني العجيبة و الألفاظ الغريبة " ( 17 ) مما يفيد أن ابن الأبار قد جعل من هذه العناصر مقياسا للحكم على جودة شعره و متانته .
أما الجانب الثاني من نقد ابن الأبار فهو النقد التطبيقي و يمكننا تلمسه عنده من خلال ظواهر و قضايا متعددة يتجرد فيها ابن الأبار من عمومياته ليلتصق بالنص الشعري المحدد فتكون أحكامه محايثة لهذا النص نابعة منه . و يمكن اعتبار هذا الصنف من النقد ممثلا داخل الحلة بأشكال مختلفة تتراوح بين دراسة بيت مفرد أو قصيدة كاملة أو التحقيق في سرقة شعرية أو المفاضلة بين شاعرين..و ربما كان هذا الجانب الأخير الذي يعتمد الموازنة أغنى و أحفل نقديا من غيره لأن لب المفاضلة ، على تنوع مقاييسها ، موجه إلى النص الشعري في حد ذاته فيكون منطلق الحكم و مرجعه في جميع الأحوال . ولقد أورد ابن الأبار في الحلة أحكاما عدة وازن فيها بين شعر شاعرين كما في حديثه عن الراضي بن المعتمد بن عباد إذ يقول عنه " و هو شاعر بني عباد بعد أبيه على أنه أقوى عارضة منه و أبوه ألطف طبعا و أرق صنعا " ( 18 )
و يبدو أن ابن الأبار لم تنقصه تلك الدربة و ذلك التبصر النقدي الذي يمكنه من استنباط الطابع العام للنص الشعري ، و هذا ما نستخلصه من آراء مبثوثة أيضا في الحلة كمثل قوله في تميم بن المعز " شاعر أهل بيت العبيديين غير منازع و لا مدافع و كان فيهم كابن المعتز في بني العباس غزارة علم و معانة أدب و حسن تشبيه و إبداع تخييل و كان يقتفي آثاره و يصوغ على مناحيه في شعره و أشعاره " ( 19 ) و حكم كهذا يتطلب معرفة بخصائص كل من الشاعرين مناط المقارنة ثم القيام بعملية دائمة من الدراسة و المقايسة و الاختيار ، و هذا في جوهره عمل نقدي خصوصا و أن الثوابت الأساسية للمدارس الشعرية كمدرسة ابن المعتز و أبي تمام و المتنبي و المعري...كانت قد حظيت باعتناء الأندلسيين و جعلتهم يقيمون إنتاجات شعرائهم المحليين على ضوئها .
و من نماذج النقد التطبيقي في الحلة ما نلحظه من حديث ابن الأبار عن قصيدة المستعين بالله سليمان بن الحكم حفيد عبد الرحمن الناصر..التي مطلعها :
الحمد لله حمدل لا نقلله هذا السرور الذي كنا نؤمله

و قد علق عليها بقوله " و هي قصيدة كبيرة رائقة و اختراعاته فيها فائقة مع المعاني الجزلة " ( 20 ) و من خلال هذا الرأي يمكننا استنباط المقاييس التالية:
- التركيز على كبر القصيدة أو طولها ، و لعل في ذلك ما يفيد تفضيل ابن الأبار للقصائد الطوال على القصيرة باعتبار أن فضاءها الواسع يكون أقدر على احتواء التجربة عند الشاعر بل و تكون مظنة لإجادة الشاعر و ظهور حسن تصرفه فيها و لهذا السبب نلاحظ عند ابن الأبار تركيزه على القصائد التي بلغت حدا معينا من الطول كقصيدة ابن عمار " أنفذها إلى المعتمد و هي تنيف على تسعين بيتا مرّ له فيها إحسان كثير " ( 21 ) أو غي أحد الشعراء الموحدين الذي قال عنه " و لأبي يحيى منهما قصائد مطولات في مدح الأمر العالي " ( 22 ) .
- أن طول القصيدة قد يفسح المجال للشاعر ليظهر براعته في اختراع المعاني و توليدها و التصرف في الأفكار ..و شعر ابن الأبار نفسه دليل على ذلك إذ أغلب قصائده من المطولات .
- أن المعاني الجزلة مقياس لجودة القصائد خصوصا إذا التحمت بطول القصيدة و استفاضتها و هذا الحكم حسب ما نرجح واقع تحت تأثير النموذج الشعري المتمثل في قصيدة المديح كما حددها النقاد القدامى .
و مما يدخل في مجال النقد التطبيقي ما يستنتجه ابن الأبار من مقاييس بيانية أو بديعية عند تعرضه لعدة قصائد في كتابه ، من ذلك إشارته إلى قصيدة لأحد الأمراء الحفصيين منها :
بدت لك في ثوب يشف منجّم أزيرق، يا لله للحسن أزرقا
و لاحت و بدر الأفق في الأفق كامل فلم أدر أيّ راعني حين أشرقا
خلا أنه لما رأى حسن وجهها تأنى قليلا حين شام فأبرقا
إذ قال عنها إنها " من لزو مياتهم السنيّة " ( 23 ) و علق بقريب من هذا الحكم على أبيات لأبي علي عمر بن أبي موسى من سادات الحفصيين منها ( 24 ) :
أنفذت نظمي قبل تنقيح له فثوت به أذني مليا تعرك
فأخو البديهة ليس يخلو قوله مما يعوض عنه أو يستدرك
و على ذكر البديهة فإن ابن الأبار كان مغرما بالتشابيه التي تأتي وفق البديهة ( ) و كأنه يبحث عن التشبيهات العقم التي كلف البلاغيون بتتبعها ، و كنموذج لذلك يورد بيتين لابن القرشية ( 25) :
كأن الثرى ستر تمد خلاله بأكؤس راح راحهن الكواعب
يستّرن من فرط الحياء معاصما بأكمامهن الخضر عمّن يراقب

و في باب تحسين ما يقبح و هو داخل في إطار أجناس البديع ينشد ابن الأبار لأحد الشعراء قوله ( 26 ) :
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ففي لساني و قلبي منهم نور
قلبي ذكي و عقلي غير ذي دَخَل و في فمي صارم كالسيف مأثور

و الحقيقة أن الحلة تعجّ بنماذج من هذا الصنف النقدي غير أنها لا توقفنا على بعد نقدي ذي بال ولذلك آثرنا الاقتصار على هذه النماذج المعبرة لتطلعنا على المسائل التالية : كيف فهم ابن الأبار النقد ؟ بماذا تأثر ؟ و كيف طبق مقاييسه المضمرة على المتن الشعري في الحلة ؟



الهوامش:

( 1) للمرحوم عبد العزيز عبد المجيد كتاب حافل عن ابن الأبار استقصى فيه أخباره و مؤلفاته ، و قد نشر بتطوان سنة 1951 بعد أن نال به جائزة مولاي الحسن لنفس السنة .
( 2) حققه و علق حواشيه الدكتور حسين مؤنس و نشرته الشركة العربية للطباعة و النشر بالقاهرة في جزأين و صدرت طبعته الأولى سنة 1963
(3) الحلة ج 1 ص 51 من المقدمة.
(4) مما قاله عنه ابن عبد الملك المراكشي في الذيل و التكملة " و كان آخر رجال الأندلس براعة و إتقانا ، و توسعا في المعارف و افتنانا ، محدثا مكثرا ، ضابطا ، عدلا ، ثقة ، نافذا ، يقظا ، ذاكرا للتواريخ على تباين أغراضها ، مستبحرا في علوم اللسان نحوا و لغة و أدبا ، كاتبا بليغا ، شاعرا مفلقا مجيدا.." نقلا عن ديوان ابن الأبار بقراءة و تعليق عبد السلام الهراس ، الدار التونسية للنشر 1985.
( 5 ) الحلة ج 1 ص 11
( 6 ) نفسه ج 1 ص 10
( 7) نفسه ج1 ص 11
( 8 ) نفسه ج1 ص 205
( 9 ) نفسه ج 1 ص 68
(10) نفسه ج 1 ص 24
( 11) نفسه ج 1 ص 134
( 12) نفسه ج 1 ص 172
( 13 ) نفسه ج 1 ص 141-172 ج 2 ص 189-196
( 14 ) نفسه ج 2 ص 42
( 15 ) نفسه ج 2 ص

عبْد العَزيز المَاجدْ
02-22-2009, 05:16 AM
بارك الله ..ونفع بك ..جزاك الله خيرا