السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
يشهد المغرب حالياً نهضة كبيرة في ميدان الطب، بما يوجد فيه من مستشفيات وما فيها من أطباء مختصين وفي الطب العام أيضاً وما يوجد في المغرب من مئات العيادات الطبية الخاصة والعامة، ومئات الصيدليات في كل ربوع المغرب. فالصحة والعلاج متقدمان في المغرب، والعمليات الجراحية الدقيقة تجري عندنا بنجاح، ولا سيما عمليات القلب المفتوح والشرايين والمخ والعصب الشوكي والعمود الفقري ـ وكلها تحتاج إلى دقة في الأداء وخبرة علمية عالية.
هذا التقدم في ميدان الطب الذي يشهده المغرب المعاصر لم يأت من فراغ، بل كان له مثيل عبر العصور التاريخية التي مر بها المغرب، ولا سيما ما يحتفظ به التاريخ من تفاصيل تخص عصر الموحدين والمرينيين والسعديين وبداية العصر العلوي إلى أواخر القرن التاسع عشر.
وسنطلع بتفصيل على جملة من الأطباء المغاربة الذين كانت لهم اليد الطولى في العلاج ومعرفة خواص الأعشاب ومقاديرها ومنافعها.
وكان الطب الإسلامي القديم قد استمد عناصره الأولى من الطب النبوي الذي وردت به أحاديث شريفة اهتم بها العلماء وجعلوها قاعدة للعلاج. وألفت في الطب النبوي تآليف مفيدة من أهمها "أربعون حديثاً في الطب النبوي" للعلامة عبد اللطيف البغدادي المتوفى عام 629 هـ/ 1231 م.
وعندما اختلطت الأمة العربية بشعوب أخرى بعد انتشار الإسلام، أخذ العلماء المسلمون يهتمون بنقل كتب الطب من اليونانية والفارسية ولغات أخرى إلى اللغة العربية وانكبوا على دراستها. ولم يكتفوا بالنقل فقط، بل أضافوا إلى علم الطب إضافات جعلت العرب والمسلمين فيما بعد أساتذة العالم في هذا العلم وفي غيره. فلا ينكر أحد من الدارسين لتاريخ الحضارة الإنسانية تأثير ابن سينا وابن طفيل وابن النفيس وابن الهيثم والرازي وغيرهم في علم الطب وأستاذيتهم للعالم فيه. كما لا ينكر أحد تأثير ابن رشد وابن سبعين وابن باجة وابن خلدون وغيرهم في علم الفلسفة والاجتماع وأستاذيتهم للعالم فيه.
وللتدليل على ما نقول ننظر إلى عدد المخطوطات الطبية التي تزخر بها المكتبات المنبثة في العالم الإسلامي، الخاصة منها والعامة. وفي المغرب عندنا مئات الكتب المؤلفة في علم الطب بجميع فروعه وأقسامه لا تزال مخطوطة لم تر النور بعد. وإنما وقعت الإشارة إليها والتعريف بها في ما صدر من كتب تهتم بوصف مخطوطات المكتبات. فإذا نهضت همة مؤسسات النشر بالعمل على نشرها ووجدت من بين العلماء والمحققين والأطباء الدارسين من ينكبّ على تحقيقها، إذن لبرز للوجود بحر زاخر من المعرفة كانت وما زالت تستمتع به الرطوبة والأرضة وحدهما.
إن معرفتنا بتراثنا يجعلنا نكتشف ذاتنا ونكتشف موقعنا من تاريخ الحضارة الإنسانية وندرك القيمة العلمية لمساهمة علماء المغرب في علم الطب ومهنة التطبيب.
وسنتبع في هذه الدراسة طريقة الترتيب التاريخي، فنبدأ بعصر الموحدين ثم المرينيين فالسعديين فالعلويين. أما العصر المرابطي، فلم يحفظ لنا التاريخ أعلاماً مميزين ينتمون سليقة إلى المغرب؛ وإنما كانت هناك نهضة طبية في المغرب والأندلس رفع رايتـها أطباء أندلسيون عملوا في المغرب، وأطباء مغاربة تكونوا في الأندلس واستقروا بها.
عقد الأستاذ محمد المنوني في كتابه عن الموحدين([1]) فصلاً للحديث عن الطب والصيدلة في ذلك العهد، فذكر أن الطب كانت له صولة ودولة، واعتنى الموحدون ـ وبخاصة الخليفة يوسف بن عبد المومن والخليفة يعقوب ابنه ـ اعتناء كبيراً بالطب والأطباء، فبنوا المستشفيات ونظموا هذه المهنة وجعلوا لها رؤساء. وكان الطب ضمن برامج الدراسة على عهدهم وفن الصيدلة هو الآخر كان له ازدهار في عهد الموحدين. وقد وظفوا بمستشفى مراكش وبقصور الخلفاء عدداً من الصيادلة.
ثم يذكر الأستاذ المنوني بعد ذلك أن رجالات الطب والصيدلة في ذلك العهد كانوا بكثرة وافرة: منهم الخليفة يوسف بن عبد المومن الموحدي، وكان له طموح إلى هذا العلم وحفظ كثيراً من النصوص الطبية؛ ومنهم الطبيب أبو بكر يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي السلوي المتوفى عام 563 هـ/ 1168 م، اشتغل بالطب ونبغ فيه فكان يعيش نفسه من هذه المهنة؛ ومنهم الشريف الإدريسي الجغرافي المشهور الذي ألف في علم الطب كتابه "الجامع لصفات أشتات النبات"، وهو أحد الكتب التي اعتمدها ابن البيطار في كتابه عن النبات، كما ألف كتاباً في الصيدلة.
ومنهم الطبيب سعيد الغماري الذي عاصر الخليفة يوسف بن عبد المومن بمراكش؛ ومنهم طبيب كبير من المغرب هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد السلمي المعروف بالقطب المصري، قتله التتار بنيسابور عام 618 هـ/ 1221 م، وكان قد انتقل إلى مصر وأقام بها لمدة ثم سافر إلى فارس وأخذ عن الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتباً في الطب والحكمة منها "شرح الكليات من كتاب »القانون« لابن سينا". والملاحظ أن الخلفاء الموحدين كانوا يستخلصون لأنفسهم نبغاء الأطباء من المغرب والأندلس، فكانت قصور الخلفاء تأوي أطباء مثل ابن زهر وهم أسرة كبيرة كلهم أطباء نساء ورجالاً، ومثل ابن طفيل وابن رشد الحفيد وغيرهم.
ولنستمع إلى وصف شاهد عيان هو الشيخ عبد الواحد المراكشي([2]) يصف مستشفى بناه الخليفة يعقوب المنصور الموحدي بمدينة مراكش عاصمة الخلافة الموحدية قال:
وبنى بمدينة مراكش بيمارستاناً ما أظن أن في الدنيا مثله. وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه. فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخارف المحكمة ما زاد على الاقتراح، وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات وأجرى فيها مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسطه إحداها رخام أبيض. ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت. وأجرى له ثلاثين ديناراً في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة خارجاً عما جلب إليه من الأدوية وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال. وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم، من جهاز الصيف والشتاء. فإذا نقه المريض فإن كان فقيراً، أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل؛ وإن كان غنياً دفع إليه ماله وترك وسببه. ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء، بل كان من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت. يقول كيف حالكم وكيف القومة عليكم إلى غير ذلك من السؤال، ثم يخرج. لم يزل مستمراً على هذا إلى أن مات رحمه الله.
ونقل الأسـتاذ عبد العزيز بنعبد الله عن أحد المؤرخين الفرنسيين أن البروفسور "مي" في كتابه "الموحدون" الذي ألفه عام 1923 م أن هذا المستشفى لا يخلف وراءه مصحات أوربا المسيحية فحسب، بل تخجل منه حتى اليوم مستشفيات باريس. ونقل أيضاً أن "ولتر" ذكر في كتابه "مختصر التاريخ" ما يلي: »ازدهر علم الطب والتداوي عند العرب، على حين كان الأروبيون يجهلون هذا العلم الشريف ويحتقرون أربابه، لأن الكنيسة حرمت الاستشفاء بغير زيارة الكنائس والتمسح بذخائر للقديسين«. وقال "لوكلير" في كتابه "تاريخ طب العرب": »... وقد كان الأروبيون يضطرون إلى اللجوء للمستشفيات العربية. فهذا الملك شانجه توجه إلى قرطبة من أجل العلاج من مرض الاستسقاء« ([3]).
ومن أطباء هذا العصر أبو الحجاج يوسف بن فتوح بن محمد بن عبد الله القرشيّ. كان طبيباً من أصحاب الدراية الكبرى بخصائص النبات والعشب. ولهذا كان يعرف بالعالم العشاب، لأنه كان يجمع بين العلم بالتفسير وأصول الفقه وتدريسهما للطلبة، وبين الصيدلة وتصنيع الدواء وتقطيره من الأعشاب المختلفة. توفي الطبيب ابن فتوح عام 562 هـ/ 1166 م([4]).
إن لقب »العشاب« كان يطلق على المختصين بمعرفة الأعشاب وفوائدها الطبية، وهو عادة يكون صيدلياً خبيراً يصف الأدوية الناجعة للأدواء. غير أنه لا يرقى إلى صفة »طبيب«، لأن الطبيب كان ـ زيـادة على معرفتـه بخواص الأعشاب ـ يقوم بالفصد والجراحة وبتر الأعضاء وغير ذلك من أعمال الجراحة. ويمكن أن نضع مثالاً لهذا في عصرنا بالطبيب الجراح في المستشفى والطبيب المتخرج في الطب العام الذي هو بمثابة الصيدلي القديم.
ولا يزال إلى يومنا هذا أفراد من الناس لهم دراية بخواص الأعشاب وفوائدها يعرفون بالعطارة منتشرين في المشرق والمغرب. ويقومون بتحضير الدواء وتقطيره وبيعه لمن يحتاج إليه. ولكن مع تقدم الطب وكثرة أنواع الأدوية التي تباع في الصيدليات، قل استعمال الأعشاب لقلة المختصين بمنافعها. ونحن نقرأ اليوم في الصحف والمجلات العلمية عن وجود إقبال كبير في أروبا على استعمال الأعشاب الطبية والتداوي بها وإنشاء صيدليات لبيع تلك الأعشاب بمقاديرها الصحيحة. وهذا يجعلنا نعود بالذاكرة إلى طبنا القديم والكتب التي ألفت فيه ورجوع هؤلاء الأطباء الغربيين إلى تلك الكتب بعد ترجمتها للاستفادة مما تشتمل عليه؛ في حين أهمل أهلونا أطباءهم وعلماءهم القدماء وضربوا بكتبهم عرض الحائط، بينما عرف الغرب قيمتها فاستفاد منها. ولكن الحكام الغربيين لم يكونوا على تسامح مع الأطباء والصيادلة المسلمين: فقد كانوا يضايقونهم ويتعسفون عليهم. ونأتي بمثال على ذلك المرسوم الذي أصدره الملك خوان الثاني في بلد الوليد بإسبانيا سنة 1308 م يمنع بمقتضاه على المسلمين ممارسة عدد من الأمور العامة والخاصة، ومنها منعهم من مزاولة مهنة الجراحة أو العطارة أو بيع المواد الغذائية أو الأدوية ويعاقب من يخالف بدفع غرامة قدرها 2000 مرابطي وبالجلد زائداً على الغرامة([5]).
ومن أطباء هذه الفترة في عهد الموحدين إبراهيم الأنصاري الأديب النحوي المتوفى عام 581 هـ/ 1186 م. فقد اكتسب خبرة كبيرة في الصيدلة، وكان وهو بمدينة فاس يدرس العلم للطلبة ويقوم ببيع الأعشاب الطبية([6]).
ومن أطباء هذه الفترة كذلك الطبيب أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفضل المجري المتوفى عام 506 هـ/ 1112 م. كان من أطباء فاس المعالجين، بالإضافة إلى معرفته باللغة والأدب([7]).
وكذلك علي بن يقظان السبتي الطبيب الأديب الشاعر الذي توجه إلى مصر عام 544 هـ/ 1149 م، ثم إلى اليمن والعراق. وكذلك أبو جعفر عمر بن علي القلعي المتوفى عام 576 هـ/ 1180 م، وكان ماهراً في الأدوية وعلاج الأمراض. كتب ملاحظات على كتب ابن سينا الطبية. رحل إلى دمشق وبها استقر حتى وفاته.
وفي عصر بني مرين نبغ عدد من الأطباء، منهم أبو الحسن علي بن أبي الحسن المراكشي له كتاب في الأمراض السرية وعلاجها وطبائع النساء وضعه باسم خزانة السلطان أبي الحسن المريني.
ومنهم أبو العباس الشريشي السلوي الأصل، أخذ الطب في المشرق وتوفي بالفيوم من مصر عام 641 هـ/ 1243 م.
ومنهم أحمد بن علي الملياني المراكشي المتوفى عام 715 هـ/ 1315 م، كاتب شاعر أخذ بحظ من علم الطب. ومنهم أحمد الجذامي السبتي الطبيب المتوفى بمراكش عام 650 هـ/ 1252 م.
وعدد صاحب كتاب "بلغة الأمنية"([8]) و"مقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب". وذكر في كتابه هذا المشهورين جداً، وهم:
1) الطبيب الماهر الأشهر محمد الشريشي السبتي. كان له تقدم في صناعة الطب ومعرفة بما يرجع إليها من علم وعمل. وكانت مكانته مكينة عند الأمراء والملوك. استدعاه السلطان أبو عنان إلى حضرته بفاس، فاجتمع هنالك مع جماعة من الأطباء ونظر في حاجته فأجزل له العطاء. وكان السلطان أبو عنان يقول بعد ذلك: »اختصت سبتة بأربعة رجال دون سائر بلاد المغرب«. ويعد منهم الطبيب محمد الشريشي. توفي الشريشي عام 771 هـ/ 1369 م.
2) الطبيب محمد بن مقاتل السبتي المتوفى عام 764 هـ/ 1362 م.
3) الطبيب محمد بن مبارك الأزدي السبتي المتوفى عام 791 هـ/ 1388 م، وهو تلميذ الطبيب محمد بن مقاتل السابق ذكره.
4) الطبيب محمد المعز الصنهاجي المتوفى بفاس عام 792 هـ/ 1388 م.
5) الطبيبة عائشة ابنة الشيخ محمد بن الجيار محتسب سبتة. قرأت علم الطب على صهرها الشيخ الشهير الشريشي الذي ذكرناه آنفاً ونبغت فيه وكانت عارفة بخواص العقاقير وما يرجع إلى ذلك. اشتهرت عند الأمراء فكانوا يغدقون عليها من عطاياهم لأجل إتقانها لصنعة الطب. وأوصت في آخر عمرها بتوقيف أملاكها في وجوه البر والإحسان.
فإذا كان هذا عدد الأطباء العلماء المشهورين في بلدة واحدة هي سبتة، فماذا يكون عددهم في بقية المدن وخاصة العواصم كفاس ومراكش؟ لاشك أن هذه الطبقة من العلماء الطبيعيين والرياضيين والفلاسفة ضاعت تراجم الكثير منهم، وضاعت بالتالي أعمالهم العلمية من كتب ونظريات وتجارب. وما بقي منها ووصل إلينا ينطق بصريح العبارة بما كان للمغرب من مدنية ونبوغ وحضارة علمية وتقدم معماري كبير([9]).
ولنذكر في الفترة نفسها طبيباً آخر نشأ بفاس هو الطبيب اليهودي أبو الحجاج يوسف بن يحيى بن إسحاق المعروف بابن سمعون المتوفى عام 623 هـ/ 1226 م. كان من أشهر الأطباء في بداية القرن السابع الهجري. قال عنه القفطي في "عيون الأنباء في طبقات الأطباء": كان ابن سمعون طبيباً إسرائيلياً وهو من أهل فاس قرأ الفلسفة والطب وظهر نبوغه في العلوم الرياضية. وقد ارتحل إلى مصر واجتمع بالحاخام ابن ميمون الشهير. ثم قصد العراق بصفته تاجراً والهند أيضاً. وأخيراً استقر بحلب فقصده الناس للاستفادة منه. وكان ابن سمعون ذكياً حاد الخاطر، وهما أمران ساعداه على النجاح الكبير في مهنة الطب([10]).
ومن أطباء القرن الثامن الهجري (ق 14 م) نذكر أبا العباس أحمد بن محمد بن شعيب الجزنائي نسبة إلى قبيلة أجزناية من إقليم الريف. بلده تازة واستقراره كان بمدينة فاس. لا يعرف تاريخ ميلاده، ولكن وفاته كانت بتونس عام 749 هـ/ 1348 م؛ إذ كان هناك صحبة السلطان أبي الحسن المريني. قال عنه ابن الأحمر في كتابه "نثير فرائد الجمان" ما مفاده أن قدمه كانت راسخة في الطب، وله براعة في علم التنجيم والحساب بالإضافة إلى الفقه والأدب. ويتعجب ابن الأحمر من نبوغ الجزنائي في اللغة العربية والأدب مع أنه بربري الأصل. وهذا تعجب في غير محله، لأن كثيراً من نوابغ الفكر الإسلامي والأدبي كانوا من غير العرب([11]).
وقد نوه ابن خلدون بالطبيب الأديب أبي العباس الجزنائي، فقال عنه: »برع الجزنائي في اللسان والأدب والعلوم العقلية والطب وغيرها. ونظمه السلطان أبو سعيد (المريني) في جملة الكتاب وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه، فكان كاتبه وطبيبه وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده«. انتهى كلام ابن خلدون.
توفي أبو العباس أحمد الجزنائي في يوم عيد الأضحى من عام 749 هـ/ 1348 م بتونس؛ إذ كان في صحبة السلطان أبي الحسن المريني. وكانت وفاته بسبب الطاعون الجارف الذي عم البلاد في تلك المدة.
ومن أطباء القرن الخامس عشر للميلاد أبو الحسن علي بن عبد الله بن هيدور التادلي الطبيب الشهير المتوفى عام 816 هـ/ 1413 م. وهو فاسي المولد والنشأة. وكان مشاركاً في فنون كثيرة واشتهر بالطب وألف فيه رسالة سماها "المقالة الحكمية في الأمراض الوبائية". وهي رسالة في حقيقة المرض الناتج عن الوباء وما هي أسبابه وما وسائل علاجه الطبية.
ومن الأطباء أيضاً أحمد بن محمد بن مهنا السبتي المتوفى بفاس أواخر القرن الثامن الهجري. وهو مؤلف كتاب "الإيضاح والتتميم"، شرح فيه أرجوزة ابن سينا في الطب.
وفي عصر الدولة السعدية، ولا سيما زمن السلطان أحمد المنصور الذهبي ومن جاء بعده من الملوك السعديين، نبغ طبيب رفع من قيمة العصر الذي عاش فيه هو أبو القاسم بن أحمد بن عيسى المعروف بالغول الفشتالي([12]) نسبة إلى فشتالة القبيلة المعروفة بالشمال والتي أنجبت عدداً من الرجال المشهورين. كان الفشتالي فقيهاً مشاركاً في جملة من العلوم، مبرزاً في الطب متفرداً فيه وفي الهندسة والحساب.
ألف في الهندسة والحساب كتباً منها "منظومة المخمس الخالي الوسط". وشرح نصوص في كيفية قسم الماء لقواديس الديار. أما في علم الطب الذي يهمنا في هذا المقام، فنشير إلى ما ألفه فيه، منها "منظومة في الجمع بين الأحاديث النبوية وكلام الأطباء والحكماء في الطواعين والأوباء"، وكتاب "حافظ المزاج ولافظ الأمشاج بالعلاج". وهذا الكتاب عبارة عن منظومة رجزية تقع في نحو خمسمائة وألف بيت، مرتب على أربعة وعشرين باباً، فيها الحديث عن وجع الرأس والشقيقة والزكام والقروعة وجرب الرأس وداء الثعلب، وهو الذي نسميه بـ »الثنية«، وختم بالباب الرابع والعشرين الذي تحدث فيه عن أنواع الأشربة والمربيات والأدهان والأوزان والمقادير. ويقول في مقدمة هذا الرجز: