منهج الإدريسي في كتابة
"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"
دراسة جغرافية
الدكتور أحمد بن محمد الشبعان
أستاذ الجغرافيا السلوكية المساعد بجامعة القصيم
تمهيد
لم يكن غريباً أن يطلق على الإدريسي (استرابون العرب)([1]). فالإدريسي جمع في كتاباته طريقتي العرب والأوربيين. وقد وجد كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"([2]) اهتماماً كبيراً من قبل المستشرقين حيث تعددت طبعات أجزاء منه بعد ترجمته - حسب اهتمام المستفيد - وربت على عشرين ترجمة لأبوابه المختصة بالبلدان المتعددة. وجاء في دائرة المعارف الفرنسية: أن مصنف الإدريسي هو أوفى كتاب جغرافي تركه لنا العرب وأن ما يحتويه من تحديد للمسافات والوصف الدقيق يجعله أعظم وثيقة علمية جغرافية([3]).
وأطلقت مدرسة الجغرافية بجامعة كلارك بشمال أمريكا اسم الإدريسي Idrisi
على أحد برامجها المتداولة تسويقياً عالمياً في مجال نظم المعلومات الجغرافية وأشارت في أدلة البرامج أن هذا اعتراف منها بجميل وفضل هذا الجغرافي والكارتوغرافي العربي المسلم([4]).
ويذكر كراتشكوفسكي في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" في حديثه عن كتاب "نزهة المشتاق" أنه أفضل رسالة في الجغرافيا وصلتنا عن العصور الوسطى سواء من الشرق أو الغرب، وعلى هذا الحكم يقف الآن إجماع آراء المستعربين ومؤرخي الجغرافيا على السواء([5]).
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون نحو الإدريسي وكتابه "نزهة المشتاق" فإني أرى أنه لم يأخذ حقه من الدراسة خصوصاً منهجيته في الكتابة وقدرته على الربط بين كتابه وخرائطه. وهذا ما دفع لهذه الدراسة ويمكن إجمالها بما يلي:
1 - محاولة إبراز بعض مآثر الجغرافيين المسلمين في الجغرافيا، وذلك من خلال دراسات مستقلة تعالج منهجيتهم، خاصة وأن المكتبة الإسلامية العربية تعاني من نقص حيال هذا النوع من الدراسة.
2 - عرض لأثر الرحلة في نقل المعلومة واعتبار الترحال من أهم المصادر في الوقوف على الحقيقة.
3 - شغف الباحث وحبه لدراسة رواد الرحلات.
4 - لما لاحظه الباحث من اهتمام الباحثين في أوربا على وجه الخصوص بخرائط الإدريسي والإشادة بها في بعض أبحاثهم.
5 - تأثر منهجية الإدريسي بالفلسفة الأوربية والشرقية على حد سواء مما جعله نموذجاً يستحق الدراسة.
6 - جهد الإدريسي انصب على المزج بين الخرائط والكتابة، مما يعطي الباحث فرصة للمقارنة والاستفادة من الخرائط كدليل لتحديد المواقع التي ذكرت في المؤلف.
7 - مرحلية التأليف عند الإدريسي في التدرج من القراءة إلى المقابلة ثم الرحلة العلمية وتوقيع الظواهر على الخرائط كلها أساليب علمية تستحق الدراسة.
8 - جمع الإدريسي في منهجه بين المنهج الفلكي والمنهج الإقليمي الوصفي، وهذه تعطي منهجه تميزاً عن غيره من الجغرافيين.
9 - اختلاف الإدريسي عن الجغرافيين الكلاسيكيين في أنه لم يقتصر على دار الإسلام فقط.
10- محاولة التوصل إلى الإضافة العلمية والتي قدمها الإدريسي للتراث الجغرافي.
واعتمدت هذه الدراسة على أساسين هما: ما كتب عن الإدريسي، بالإضافة إلى قراءة تتبعية لكتابة "نزهة المشتاق" في أجزائه الثلاثة المنشورة. ولعرض وتحليل منهج الإدريسي سلكت هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في تتبع منهجه في التأليف الأمر الذي أدى إلى تتبع مراحل حياته التي أثرت في تقديمه كأشهر جغرافي كتب عن الغرب والشرق.
وتهدف دراسة منهج الإدريسي إلى مجموعة من المبررات من أبرزها ما يلي:
1- تسليط الضوء على منهج الإدريسي العلمي خدمة للباحثين المعاصرين.
2- المشاركة في سد النقص في المكتبة الإسلامية العربية بأبحاث تخدم التراث الجغرافي.
3- محاولة تتبع سر انبهار المستشرقين بالإدريسي.
4- إبراز دور الرحلة في منهجية الكتابة لدى الإدريسي.
5- إبراز دور الإدريسي في رسم الخرائط.
تساؤلات الدراسة
ما طبيعة منهج الإدريسي في البحث عن المعلومة وتدوينها وتحليلها وتوقيعها على الخرائط؟
قد تعجز هذه الدراسة المقتضبة عن الإجابة على هذا السؤال الكبير، مما يقودنا إلى حصر دراستنا في كونها تحاول أن تجيب على تساؤلات أكثر تحديداً وهي:
- هل أثرت الظروف السياسية في هدف دراسته وطريقته في الكتابة؟
- هل أثرت الرحلة في منهج الكتاب وخرائطه؟
- هل إقامته في صقلية أثرت على حصيلته العلمية؟
- هل هذا المنتج العلمي يعتبر تقهقراً أم إضافة علمية لعلم الجغرافيا؟
وقبل الدخول في دراسة منهجه في كتابه، لا بد من دراسة شخصيته لما لها من أثر بارز في صقل مواهبه وتكوين ثقافته، ثم إنه لابد من دراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية لبيئته التي عاش فيها لما لها من آثار على مؤلفه.
أولاً: شخصية الإدريسي
1.1- لمحة عن حياته
هو محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن عبد الله بن الحسن بن علي - رضي الله عنه - الشريف الإدريسي.
فالإدريسي إذن من ذرية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ويرجع لقبه الإدريسي نسبه إلى جده الأعلى إدريس الأول مؤسس دولة الأدارسة بمراكش. أما لقبه الحمودي فهو نسبه الأدنى الذي يرجع إلى جده حمود مؤسس الدولة الحمودية في جنوبي الأندلس([6]).
وينتمي أبو عبد الله إلى الأدارسة العلويين ولهذا سمي بالشريف الإدريسي([7]). ومن المعروف لدى كثير من الذين كتبوا عن الإدريسي أنه ولد في (سبتة) وهي إحدى بلاد المغرب، وذلك في سنة 493 ﻫ/ 1099 م.
كما ذكر ذلك على سبيل المثال([8]) لا كما ذهب البعض إلى أنه ولد في (إشبيلية) كالجوهري([9])، ويذكر عبد الغني([10]) أنه لا يُعلم شيء عن أحواله في سبتة، ولا عن نشأته فيها، ولا عن الشيوخ الذين تلقى عنهم([11]). واقتصرت معرفتنا عنه أنه تلقى في حداثته التعليم على الطريقة الشائعة في عصره في المغرب وهي حفظ القرآن والمتون وأشهر القصائد([12])، وفي أيام شيخوخته رجع إلى مسقط رأسه سبتة وتوفي فيها عام 650 ﻫ/ 1160 م على أرجح الأقوال([13]).
2.1- طلبه العلم
انتقل الإدريسي وهو ما يزال صغيراً مع عائلته إلى الأندلس واستقروا في (قرطبة)، التي كانت مركزاً ثقافياً كبيراً. وفيها نشأ وتلقى العلم في جامعتها ودرس هناك العلوم والرياضيات واهتم بدراسة التاريخ والجغرافيا. وقد عرف قرطبة معرفة جيدة لأن الوصف الشامل الذي أفرده لها في كتابه يضم كل انطباعات المعرفة المباشرة بهذه المدينة([14]).
ويبدو أنه أحاط بقدر كبير من المعرفة بعلوم النقل من فقه وحديث ولغة، إلى جانب إتقانه لعلوم الحساب والهندسة والفلك والعلم بالأعشاب ومعرفة الطب وأحوال العالم السياسية، ومن إنتاجه العلمي يتضح أنه أغرم بالجغرافيا، كما اشتهر في معرفة علم الهيئة (الفلك) والنجوم والطب([15])، وكل ذلك عن علم ودراية لا بالنقل والسماع فقط.
3.1- رحلاته
وقد أتاح مقام الإدريسي في (سبتة) أن جعل منها نقطة انطلاق لجولات كثيرة في بلاد المغرب التي يصفها وصف الخبير، أما مقامه بعد ذلك في (قرطبة) فقد مكنه من الطواف في بلاد الأندلس، ويذكر سوسة([16]) أنه يظهر أن الإدريسي كان ولعاً منذ الصغر بالأسفار فقيل إنه قام بسلسلة من أسفاره وهو لم يزل في السادسة عشرة من عمره، أي في حوالي 510 ﻫ/ 1116 م. ويضيف كراتشكوفسكي بقوله: يبدو من مواضع مختلفة من كتابه أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا بل وأنجلترا. ولهذا يميل حميدة([17]) بقوله: ويستشف من خلال مطالعة كتابه أنه زار لشبونة وسواحل فرنسا وبعض مدنها الهامة بل وأوغل حتى الجزر البريطانية. ولعل وصفه الدقيق لها كان من أسرار اهتمام الأوربيين به.
وتلا ذلك زيارته إلى شمال إفريقيا وقصد مصر، ويذكر الحريري([18]) أن الإدريسي له رحلات في المشرق العربي وآسيا الصغرى، ويضيف([19]) أنه زار الشام.
وهذه الرحلات أكسبته علماً كبيراً وشهرة عظيمة - سبقت قدومه إلى صقلية وكانت سبباً في دعوة ملكها (روجار الثاني) النورماندي له إلى بلاطه. ففي عام 628 ﻫ/ 1138 م عبر البحر إلى هذه الجزيرة، وقد ظل بها حتى وفاة ملكها (روجار) في عام 644 ﻫ/ 1154 م، ثم رجع إلى مسقط رأسه سبتة وتوفي بها عام 650 ﻫ/ 1160 م، أي أنه قضى ست عشرة سنة في صقلية استثمرها في تأليف مصنفاته وخرائطه.